بين سيفين

بين سيفين

الصورة
27 شباط 2019

سلام الكواكبي

مدير المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في ب

يُصدر القضاء المصري أحكام إعدام تعسفية تدخل ضمن منطق الانتقام الذي يقود ويحكم عمل الأجهزة القضائية والأمنية والسياسية المصرية منذ انقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي في تموز 2013. إثر ذلك، تتناقل الوكالات مقاطع مصورة للضحايا قبل قتلهم رسمياً من قبل جلادي النظام. وسرعان ما تُدين المنظمات الحقوقية في مختلف أصقاع الأرض هذا الفعل الشنيع، كإعدامٍ أولاً، تلفظه المعايير الإنسانية منذ عقود، وكإعدامٍ إثر محاكمة غير عادلة لم تستوف شروط التقاضي وزجت بما يقارب المئة شخص في قضية اغتيال واحدة (...). كما أنها قضت بإعدام كفيفٍ بتهمة تدريب رفقائه على السلاح، كما تقتل آخر كان في المعتقل إبّان واقعة الاغتيال، وثالث كان في مقر تنفيذه الخدمة العسكرية.. إلخ. هذا كله لم يمنع القاضي من التحجج والتبجّح بأن المتهمين اعترفوا بما اقترفوه. وكأننا به يجهل، ودون أي صحوة لضمير، بأن الاعترافات تُنتزع من المحيط إلى الخليج بالتعذيب وبأنه لا يمكن البناء عليها إن كان يريد إعلاء صوت الحق والعدل. الحق والعدل؟ أينهما في سياسات الطغاة العرب ومن في حكمهم تجاه شعوبهم البائسة.

قاضٍ لا وازع أخلاقي له، سلطة استبدادية تعتمد التهويل والترهيب لتثبيت حكمها، إعلام رخيص لا مناقبية لممتهنيه

هناك من العرب من يدّعي وصلاً بحقوق الإنسان ممارسة أو حذلقة، يجد في نفسه من الشجاعة ـ أو الوقاحة ـ ليشمت بالقتلى

في مصر السليبة، مثقفون مساكين طغى الخوف على تعبيرهم فاعتكفوا عن الشأن العام وانغمسوا في ممارسة التقية والالتفاف على صلب الموضوع الوطني الجريح الذي يُقارب الانفجار. لكن، في ظل هذا الضباب الملوّث والنتن هذا، هناك من العرب من يدّعي وصلاً بحقوق الإنسان ممارسة أو حذلقة، يجد في نفسه من الشجاعة ـ أو الوقاحة ـ ليشمت بالقتلى. ولا يغيب عن هذا وتلك أن يُدينا حكم الإعدام بالمطلق، فهذا فعلٌ "شيك" ويجعلهم "كيوتي" في أنظار أقرانهم من الغربيين. بالمقابل، فهم يتفهمون، ودون خجل، أن يتم إعدام الإرهابيين الإسلاميين ما دام ذلك منصوص عليه في القوانين المطبقة في مصر (...). ويتساءل البعض أيضاً عن موقف الإسلاميين من حكم الإعدام، ويستغرب أن نُدين إعدامهم إن كانوا لا يمانعون في أدبياتهم بهذا الحكم الانتقامي الغرائزي.

مواقف أقل ما يُقال عنها أنها مُلتَبَسة، وفي حقيقة الواقع، فهي مخجلة ومليئة بالتناقض الأخلاقي والمعاييري. فالمدافع عن حق الانسان في الحياة، وفي محاكمة عادلة، لا يسأله عن هويته السياسية ولا الدينية ولا العرقية على أقل تقدير أخلاقي ومبدئي. إلا إن كان، وهذا حال الكثير من بافلوفيو الحركات الحقوقية العربية المتشبثة بعلمانوية مقيتة هي الأبعد عن العلمانية بمعانيها الأخلاقية والإنسانية، منافقاً ومتبنياً لمفاهيم حقوقية منقوصة أو مشوّهة.

بالمقابل، يهرف أحد رموز الإسلاميين السوريين ـ ويُقال إنه أكثر أقرانه ثقافة ـ بكلام عن العلمانية لا ناقة للعاقل فيه ولا جمل، فيتم انتقاده والتنديد بتعابيره الإقصائية والتكفيرية، خصوصاً أنه في تعليقاته يلجأ للشتم مستنداً إلى تعابير دينية وإيحاءات تراثية تجاه العلمانية كمفهوم وممارسة، علماً بأن هذه العلمانية قد تحملت عبئه طوال عقود في بلد لجوؤه ومنحته جنسيتها وكل ما توفره لمواطنيها من حقوق ومن ضمانات. ويقع كلامه موقع الإدانة حتى من أكثر الأقلام محافظة، لعدم راهنيته، فالنقاش الآن هو بين الوقوف إلى جانب الشعوب ضد الطغيان من جهة أو محاولة رأب الصدع بين التيارات المختلفة فكرياً ولكن المتفقة على التخلص من الاستبداد.

الشتم لا يحمل فكراً ولا منطقاً يُمكن أن يُقابل بالفكر وبالمنطق والمحاججة. بل هو يستحق أن يُدان أخلاقياً

إدانة التصريحات الإقصائية والتكفيرية والتخوينية سنّة المثقف العضوي الملتزم بقضايا الإنسانية والتقريب بين الاتجاهات الساعية للتخلص من الاستبداد على تلاوينها

أو أن يُهمل. ولكن الإهمال يمكن أن يؤتي نتائج عكسية، فلمثل هؤلاء مريدون كثر ويمكن أن يتأثروا بكل ترهاتهم دون إحكام العقل والمنطق، فيبدو أن العقلانية تدفع إلى دحض التافه من الكلام ولو حمل هذا الفعل نوعاً من الاستهزاء "البنّاء".

في مواجهة التكفير في زمن اللا تفكير، يتنطّع لك أيضاً من سيدين المسار الذي اتبعته مستغرباً تارة وداعياً إياك تارة أخرى لمحاججة الفكر بالفكر. أما الاستغراب فهو مستغرب. فإدانة التصريحات الإقصائية والتكفيرية والتخوينية سنّة المثقف العضوي الملتزم بقضايا الإنسانية والتقريب بين الاتجاهات الساعية للتخلص من الاستبداد على تلاوينها. أما الدعوة إلى المحاججة بالفكر، فهي تحتاج أولاً إلى فكرٍ تُحاججه وليس إلى كلام متطرف اقصائي لا يمكن للعقلانية أن تواجهه إلا بالصمت.

إذاً، وبالمحصلة، فالمتصدي للشأن العام استناداً إلى مبادئ واضحة ومعايير ثابتة، سيجد نفسه بين سيفين أحلاهما مر. فمن جهة، سيُشهر في وجهه سيف العلمانويين ـ وليس العلمانيون ـ المسيئون لكل مفهوم العلمانية والذين يتبنون الإقصاء كما يتبنى أقرانهم من بعض الإسلاميين التكفير. ومن جهة أخرى، فهناك سيف سيُشهره بعض الإسلامويين ـ وأحيانا الإسلاميون أنفسهم ـ الذين لا يقبلون أن تعترض على ما يقوله رموزهم ويصنفون بسرعة البرق من يُخالفهم ليُصبح من هو بدوره من أولئك المغضوب عليهم ولا الضالين.

يحضرني عندما أرقب جدل الطواحين هذا، تعبيرين شعبيين، أولهما يقول "احترنا يا قرعة من وين نمشطك"، وثانيهما يقول "رضينا بالهم والهم ما رضي فينا".

شارك برأيك