بين جحيم الدولة ونعيم المعارضة.. شرعية السلطة ولاشرعية المعارضة

2025.12.26 | 05:55 دمشق

آخر تحديث: 26.12.2025 | 05:55 دمشق

555454
+A
حجم الخط
-A

عندما كانت النقاشات محتدمة حول حصار العراق في عام 2000 وما بعده، ووقوف شطرٍ كبير من مثقفينا العرب ضد الحصار وضد حرب الولايات المتحدة، كان المثقفون الكرد من أصدقائنا مع الحصار ومع ضرب العراق. أذكر أن صديقًا قال حينها: نحن العرب نعيش جحيم السلطة، ويعيش الكرد نعيم المعارضة؛ أي معارضة، باعتبارهم رأوا فينا قوميين وبعثيين.

وسرعان ما احتُلّت بغداد، فظهرت نزعة قومية كردية متأثرة بما تحقق في ما سُمّي «كردستان»، فصرنا نكتب عن المقاومة، وصاروا يكتبون عن النصر. وصعد «بعث» كردي يرفض مفهوم المقاومة، علمًا أن لكل احتلال مقاومة، والحدث برمته خارج الأرض السورية ولا يقتضي منهم اتباع أحزابهم في الشمال المنتشي بجزرة الحلم الموعود، قبالة خروجنا عن عباءة البعث العربي الذي أُلبسنا إيّاه رغم أنوفنا، ولعب بالجميع.

التفتنا إلى الإبداع وأبدعنا في كتابات الشعر والأدب، وانخرطوا هم في الاحتفال وفق طقوس «بعثهم الجديد»، فتغيّرت المعادلة: صار عمل جلّهم قوميًّا أو متأثرًا بتلك النزعة والفورة، وصرنا نحن نفكّر بالإبداع. فصاروا أبناء «جحيم السلطة» أو الدولة الكردية المأمولة، وصرنا نحن في «نعيم المعارضة» للبعث السوري وللبعث الكردي كذلك.

هذه القوى تمارس نوعًا من المعارضة الهدّامة، إذ تسعى إلى نزع الشرعية من دون تقديم مشروع وطني متماسك أو بديل قابل للتطبيق، ما يضعف البنية العامة للمجتمع والدولة.

اندلعت الثورة فانخرط الشباب الكردي وانعتق من ربقة النخب، فتمّت محاصرته ونسف تنسيقياته من قبل النظام والأحزاب معًا. ثم ظهرت «قسد» وبدأت تقضم الشارع الكردي تارة بالتهديد وتارة بالوعيد. ورغم كثرة أعدائها من ضحايا الأحزاب، وخارج أطر الشباب الكردي الثائر الذي تشتّت في الأصقاع، ذهب كثير من المثقفين للالتفاف حول «قسد» وتلميع صورتها باعتبارها تمثّل «انتصارًا كرديًّا». وأنكروا شرعية الثورة والقيادة السورية كذلك، على نحو مطابق لما حصل في شمالي العراق، وبدأ الافتراق من جديد بين المثقفين السوريين عمومًا: بين «نعيم معارضة» طائشة بلا رادع تحاول عبثًا تصوير تأييد السلطة في بناء الدولة «جحيمًا» يجب تحاشيه وإجرامًا.

يتجاوز معظم المثقفين والناشطين الأرضية القانونية والواقعية التي تسير عليها الدولة السورية، من باب الطلب منها أن تكون سائرة بلا جرائم وبلا مخالفات. ويمكن القول إن معظم المطالب التي يطلقها المثقفون والجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني التي ترعرعت في مرحلة الثورة كالفطر، تنحصر في توجه مغاير لما أعلنته السلطة في دمشق من أن المرحلة ثورية مؤقتة تقتضي تأمين استقرار الدولة. إذ نحن أمام شتات دولة فيها كتل من الإجرام، وعصابات مجرمة، وجريمة منظمة، وبقايا نظام وشركاء له متحزّبون ومحتمون خلف فعاليات وشعارات وحساسيات مفتعلة، وفاعلون محليون مرتبطون بخارجٍ متربّص يريد بسوريا دمارًا وخرابًا، وأذرع دولية تحاول التحكم بكثير من الملفات الأمنية والسياسية، وتشتغل على تحشيد الناس خلف رجعيات من دون وطنية. كما أننا أمام شخصيات وفعاليات ثقافية تعاني عوارًا ثقافيًا وانحرافًا سياسيًا، لا تشتغل أقلامها إلا في أخطاء السلطة أو ما تعتقد أنه أخطاء، وتتناسَى أي جريمة إذا اكتشفت أنها ليست من مسؤولية السلطة، وهي متفرغة فقط لتكون «جيش فلول» إعلاميًّا.

يمكننا القول بوجود «مكارثية معاكسة» في تخوين وإدانة المخالفين، وهي هنا ليست من موقع السلطة بل من موقف من هم خارجها من جماعات وبُنى اجتماعية ذات نزوع سياسي أعلى من حجمها وبما يخالف دورها الوطني. في المشهد السوري ظهرت مجموعات سياسية وإعلامية وميدانية تتبنّى خطابات وتحركات لا تقتصر على معارضة السلطة، بل تتجاوزها إلى تقويض ممنهج لشرعية الدولة، وهو ما يمكن توصيفه بمصطلح «اللاشرعية المعارضة»؛ حيث ترفض هذه الأطراف الاعتراف بأي صيغة للدولة أو مؤسساتها، حتى في سياقات الإصلاح أو الانتقال السياسي. وهي إذ تنكشف في ذلك، تتخذ إما مسار الخيانة الوطنية بمحاولة استجلاب الخارج علنًا، أو تُلبِس موقفها لبوس «معارضة السلطة لا الدولة» رغم المرحلة التي نخوضها، ورغم الحاجة إلى سلطة مركزية تقود المرحلة مع نقد كل ما ترتكبه من أخطاء بلا شك.

هذه القوى تمارس نوعًا من المعارضة الهدّامة، إذ تسعى إلى نزع الشرعية من دون تقديم مشروع وطني متماسك أو بديل قابل للتطبيق، ما يضعف البنية العامة للمجتمع والدولة. وفي كثير من الحالات تعتمد هذه الجهات استراتيجية الاستنزاف السياسي عبر الإبقاء على النظام تحت ضغط دائم، وخلق بيئة تمنع الاستقرار. وإذا نظرنا إلى الأطر الأوسع، يمكن فهم سلوك هذه المجموعات ضمن منطق «الفوضى الموجّهة» (Engineered Chaos)، حيث تسعى بعض القوى الداخلية أو المدعومة خارجيًا إلى إطالة أمد الانهيار وعرقلة إعادة بناء الدولة. كما تتقاطع هذه النزعة مع أنماط من الصراعات الهوياتية حين تستند هذه الجماعات إلى انتماءات طائفية أو عرقية لتنتج حرب هويات تُغلق الباب أمام مشروع وطني جامع.

وفي السياق ذاته نشطت مجموعات ضغط سياسية وإعلامية تعمل في الخارج بهدف إحراج السلطة في دمشق وتشويه صورتها دوليًا، خاصة في المحافل الأممية، وذلك لعرقلة أي قرار دولي محتمل يصب في مصلحة سوريا أو يُسهم في تخفيف عزلتها. وتُوظَّف هذه الحملات غالبًا لتضييق هامش المناورة الدبلوماسية أو لتعطيل فرص الاستقرار التي قد تأتي من مسارات تفاوضية أو تفاهمات دولية. وبناءً على ذلك يمكن توصيف هذه الحالة بأنها نتاج قوى ما دون الدولة ونزوعات مادون تعمل على إرباك المشهد وتوجيه الصراع نحو مسارات تمنع استقرار الدولة، من دون الانخراط الجاد في أي عملية بناء مؤسساتي شامل.

من أراد النشاط لبناء الوطن، فليقُم بعمل ليس بارزًا ولا بطوليًا، بل واجب وطني يصح أن يكون اشتراطًا للفعل الحقيقي: أن يقدّم ما لديه من مال وجهد، ويضع يده في أيدي أصحاب البيوت المدمّرة ليرفع معهم ركامها، ويشارك في تعليم أطفالهم، ويربّت بيده على أكتاف آباء وأبناء الشهداء.

في الحدث السوري بعد «الانتصار العظيم» وتولّي هيئة تحرير الشام قيادة المرحلة الانتقالية في سوريا، تعود مقولة «النعيم والجحيم» بسياق آخر بين معارضي السلطة الحالية ومؤيدي الدولة الذين يُحاسَبون كمطبّلي سلطة. يقول بعثي قديم: «قبل انقلاب الأسد عام 1971 كنا في حزب البعث بدرجة نصير، وكان لا يمكن ترفيع النصير إلى عضو عامل ما لم يقم بعملية مع الفدائيين في الأرض المحتلة على حدود فلسطين». وبعيدًا عن مصداقية قيادة البعث في تلك الآونة ودقة المتحدّث، ولئن عُدّت العضوية العاملة في البعث آنذاك ارتقاءً بمستوى الفرد وشراكته السياسية وفعاليته مشروطة نظريًا بعمل بارز كعملية فدائية، ورغم أن المقارنة غير صالحة سياقيًا وتاريخيًا—وكل تشبيه أعرج—غير أن هذه المقولة، وبعيدًا عن تحويلها إلى شعار فضفاض وصوري، يمكن أن تكون مركزية في الحدث السوري وتصلح لطرح اشتراط إنساني قبل أن يكون سياسيًا للشراكة الحقيقية، في إنسانيتنا وأحلام أطفالنا، كمقولة مفتوحة لمن يريد جدل عقد الوطنية السورية والدولة الوليدة بعيدًا عن أي انتماء آخر.

ولا سيما في ما نشهده بين الغارقين في مشروع بناء الدولة وتأييد السلطة السورية في المرحلة الانتقالية، والمعارضين لهم لاعتبارات شتّى تحت مسمّيات براقة من حريات وتعدّد وتنوّع. وهي مقولة بسيطة تقول، متعالية حتى على ثنائية «ثائر/رمادي/موالٍ»: مقولة السوري الذي يريد أن يبني الدولة الجديدة. وليقل أخي السوري: إذا أردت طرح مطالب خارج السياق الحاضر والمرحلة التي تشغلنا، فهات يدك لنرفع الأنقاض عن رفات شهدائنا، وهات يديك لنرفع أنقاض بيوتنا، ثم افعل ما تريد. لا أن تمارس ترف التنظير، وتشعل في كل حيّ حرائق التحريض، وتحترف التخريب والتخذيل والتشكيك—رغم أحقية كثير من المطالب وشطح أخرى مترفة تشبه احتراب أطفال صغار حول تناحر أبنائهم إن كبروا وتزوّجوا وأنجبوا واختلفوا في حصص الميراث وهم لم يبلغوا الحلم بعد.

هي باختصار: من أراد النشاط لبناء الوطن، فليقُم بعمل ليس بارزًا ولا بطوليًا، بل واجب وطني يصح أن يكون اشتراطًا للفعل الحقيقي: أن يقدّم ما لديه من مال وجهد، ويضع يده في أيدي أصحاب البيوت المدمّرة ليرفع معهم ركامها، ويشارك في تعليم أطفالهم، ويربّت بيده على أكتاف آباء وأبناء الشهداء.