بين ترابانت ومرسيدس عندما يحاول الطغاة قسر التاريخ

بين ترابانت ومرسيدس عندما يحاول الطغاة قسر التاريخ

الصورة
جدار برلين الذي شطر ألمانيا إلى نصفين شرقية وغربية (أرشيف - إنترنت)
20 تموز 2019

انتهت الحرب العالمية الثانية في عام 1945، وقد خرج منها مدمراً من قاد العالم إلى هذه الحرب الكبرى، ليس هذا فحسب، بل إن الدولة التي اجتاحت بجيشها مساحات واسعة من أوروبا، والتي ضمت إليها أراض كثيرة، هزمت، وخسرت كل ما ربحته، ثم ما لبثت أن انقسمت إلى دولتين عدوتين.

هكذا ولدت ألمانيا الديمقراطية (أو ما يعرف بألمانيا الشرقية) الخاضعة للسيطرة السوفييتية، بدا الأمر بالغ الغرابة، كانت ألمانيا تعبيرا بالغ الوضوح عن المعادلة الجديدة التي فرضتها نتائج الحرب العالمية الثانية، والتي حكمت العالم طيلة ما عرف بفترة الحرب الباردة.

على أنقاض الدمار الهائل، وفي بلاد حصد الموت أرواح الملايين من مواطنيها، فرضت الإيديولوجيا والمصالح شروطها؛ فالإيديولوجيا لم تبال بأكبر مأساة في تاريخ البشرية، ولم تبال بعيون الأطفال التائهة ولا بجوعهم، ولم تبال بمئات آلاف المعاقين؛ إذ قررت تمزيق البلد، ثم لم تمض عدة سنوات حتى انتصب جدار العار: الجدار الذي قسم برلين إلى قسمين.

كان أحد ما يريد أن يقسر التاريخ على ارتداء ثوب الإيديولوجيا الضيق

شريط شائك على ضفته الشرقية، يصطف عند حافته حراس وقناصة، يمنعون من يغامر بالتوجه إلى الشطر الآخر. وعلى ضفته الأخرى لا يوجد حرس ولا قناصة ولا جنود؛ فما من أحد يفكر في التوجه شرقاً، باختصار: كان أحد ما يريد أن يقسر التاريخ على ارتداء ثوب الإيديولوجيا الضيق.

مئات الألمان- وربما الآلاف- علقت جثثهم على هذا الشريط، وهم يحاولون اجتيازه...لقد كانت المغامرة غرباً، تعني: الموت...

في 21 آب/ أغسطس 1968، اندفعت الدبابات السوفيتية، ومعها قوات من بولندا وهنغاريا وبلغاريا، لاحتلال تشيكوسلوفاكيا من أجل إنهاء حكم رئيس الحزب الشيوعي "ألكسندر دوبتشيك". وعلى الرغم من أن "دوبتشيك" كان منخرطاً في صف الإيديولوجيا ذاتها، فإنه أدرك: أن معادلة القسر هذه لن تقود إلا إلى نهاية محتومة، وهي الدمار؛ فقرر العمل على إصلاح النظام الشيوعي في بلاده. لكن الأخ الأكبر، حامي قدس الإيديولوجيا وضابط إيقاعها، رأى أن ما يفعله "دوبتشيك" قد يخلخل بنية المقدس، ويفتح بوابة التشكيك به؛ فاقتحم بدباباته تشيكوسلوفاكيا؛ ليحافظ على مهابة المقدس.

على الرغم من بشاعة الدبابات المحتلة التي استيقظ سكان مدينة براغ، ليشاهدوها وهي تحتل شوارع مدينتهم منهية محاولة دوبتشيك الإصلاحية، فإن هذا المشهد قد فجر أزمة عميقة داخل المجتمع التشيكوسلوفاكي، وفي ألمانيا الشرقية أيضاً، تلك التي على الرغم من أنها أحجمت عن المشاركة في هذا الاحتلال الصفيق، فإنها قد أشادت باستخدام القوة العسكرية، ورأتها خطوة لابد منها لتأديب القيادة السياسية المارقة في البلد المجاور؛ هذا لكي لاتتهم بأنها مارقة هي الأخرى. 

كان من الطبيعي أن يكون المثقفون والكتاب والأدباء أول من يتفاعل مع فضيحة هذا الاحتلال؛ فاستقال من الحزب الشيوعي، بعد احتلال براغ، الشاعر راينر كونتسه أحد أبرز شعراء ألمانيا الشرقية، وقد كتب ساخراً من الإيديولوجيا التي تزيف كل شيء:

لا يجوز لك، هذا ما قالته البومة للديك البري.
 لا يجوز لك أن تتغنى بالشمس، فالشمس ليست بالأمر المهم. 
 وشطب الديكُ الوحشي الشمسَ من قصيدته.
 أنت فنانٌ، قالت البومة للديك البري.
 وهكذا تحول النور إلى ظلام دامس.

لم يطل الأمر كثيراً، فقد حمل "كونتسه" قصائده، ويمم وجهه غرباً، مغادراً جنة المقدس الذي يلوي عنق التاريخ، وغادر آخرون كثر، وتم إجهاض الصحوة التي بدأت براعمها تشي بربيع جديد في هذه البلاد المقسمة. لقد انتهت المعركة التي بدأت تستعر بين جيل جديد من المثقفين اليساريين التواقين إلى الحرية، والباحثين عن ولاء حقيقي لوطن لن ينهض إلا بحرية أبنائه، وسيدمره هذا الولاء الزائف لشيوعيين يرون في الاتحاد السوفيتي الأخ الأكبر الذي تجب طاعته، على الرغم من أنهم لم يسعوا إلى تقويض أركان دولتهم، بل إن كل ما كانوا يريدونه، هو: نقد سياساتها وتقويم مسارها. لكن القيادة السياسية في ألمانيا الشرقية التي كانت مغرمة بخضوع المواطنين لإرادتها، لم تر فيهم إلا خونة ومارقين.

وفي عام 1989 توجه مئات الآلاف من بلد القداسة وحتمية التاريخ إلى جدار الفصل بين الألمانيتين رافضين بقاء جدار العار هذا؛ فتهاوى الجدار فيما بعد، وتهاوت الإيديولوجيا، وتهاوى المقدس أمام دفق الحرية.

أما اليوم، وبعد انهيار جدران كثيرة في العالم مستسلمة لحقائق التاريخ ولطبيعة الحياة، فإن جدراناً أخرى تستعيد السيرة إياها، فتنتصب في وجه شعوب منطقتنا، هذه الجدران التي تعيد للذاكرة وللبشرية مهزلة الطغاة في وأد حريات الشعوب: من جدار العار في فلسطين، إلى جدار الأتراك على الحدود السورية التركية، إلى جدار الحدود المكسيكية الأمريكية... 

اليوم ينشغلون بالتحضير لإنشاء جدران تحطم سوريا وتقسمها، جدران سيقيمها مهووسون بالسلطة

واليوم ينشغلون بالتحضير لإنشاء جدران تحطم سوريا وتقسمها، جدران سيقيمها مهووسون بالسلطة، جدران محكومة بمقدسات لا تختلف بوهمها عن مقدسات جدار برلين، لكنها تختلف براياتها التي ترفعها، وبالشعوب التي تسكن هذا الشرق المنكوب التي بينها ترتفع جدران الفصل القومي والطائفي، وخلف كل جدار يتمترس مقدس لا يقل زيفاً وحماقة عن مقدسات "الستالينية" البائدة، ومن أجل أن يمنحوا جدرانهم أهميتها وجدواها وقدسيتها؛ فإنهم يستنهضون عصبيات موغلة في التاريخ، يلبسونها ثوب القداسة، كي تعمر هذه الجدران طويلاً، وتسجن خلف بلاهتها شعوباً تسعى ككل شعوب الأرض إلى حياتها الحرة.

متى سيقتنع الطغاة أن التاريخ لا يقسر على ارتداء حماقاتهم وهوسهم بالسلطة، وأن كل ما يمكنهم فعله، هو: زج هذه الشعوب في دوامة العنف وتأخير انتقالها إلى حياتها الطبيعية العادية.

في عام 1957 أنتجت ألمانيا الشرقية السيارة المعجزة التي تباهت بها كثيراً، واعتبرتها فخر صناعة ما سمي بالمعسكر الشرقي، والتي ستنافس أهم السيارات الألمانية مثل مرسيدس وفولكسفاغن، كان اسمها "ترابانت"، وفي عام 1991 تم إنتاج آخر دفعة من هذه السيارة، ولم يطل الأمر حتى قررت معظم مدن ومقاطعات ألمانيا منع هذه السيارة من السير في شوارعها بسبب تلويثها الشديد للبيئة وعدم قدرتها على الاستجابة لمتطلبات التكنولوجيا الجديدة.

لاتزال سيارات مرسيدس وفولكسفاغن في مقدمة السيارات في العالم بينما انتهت "ترابانت" لتصبح مجرد ذكرى، وربما حنيناً عند جيل لا يزال يرتدي إيديولوجيته المقدسة. 

تلخص حكاية ترابانت ومرسيدس حكاية الإيديولوجيا والشعوب، إنها حقائق الحياة، وحقائق التاريخ الذي لا يمكن قسره. وحدهم طغاة الدم يعيدون محاولاتهم مرة بعد الأخرى. 

شارك برأيك