icon
التغطية الحية

بين النعمة والنقمة.. كيف يتعامل الشباب السوري مع ثورة الذكاء الصناعي؟

2025.07.19 | 06:00 دمشق

آخر تحديث: 2025.07.19 | 06:03 دمشق

الذكاء الصناعي (تعبيرية)
الذكاء الصناعي (تعبيرية)
تلفزيون سوريا - دمشق - رغد النجم
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه الشباب السوري تحديات في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي بسبب ضعف البنية التحتية والتعليم وغياب الدعم، لكنهم يرون فيه فرصة للنقاش والتفكير في مجالات التعليم والعمل رغم الفجوة الرقمية.
- يعتبر الذكاء الاصطناعي سلاحًا ذو حدين، حيث يوفر فرصًا جديدة لكنه يهدد الوظائف التقليدية، ويبرز في مجالات مثل التصميم البصري والصحافة، مما يقلل من أعداد العاملين.
- استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم السوري محدود، مع بعض المبادرات في جامعة الهمك، مما يستدعي إدراج مواد تعليمية لتعريف الطلاب بآلياته.

تتعاظم أهمية تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عالمنا المتسارع يوماً بعد آخر، وتحتل حيّزاً لا يستهان به من خطط التنمية المعرفية والاقتصادية في معظم دول العالم، في حين ما يزال الشباب السوري يعاني من صعوبات بالغة للوصول إليها، والتمكُّن من تطويع أدواتها بما يخدم علمهم وعملهم ومستقبلهم في أسواق محلية وعالمية شديدة التقلّب والانحياز للتحولات التكنولوجية.

ومع ذلك تشكل هذه التطبيقات، والأدوات التي تتيحها للمستخدمين، آفاقاً مستقبلية في مجالات التعليم والعمل والتنمية لا يمكن تجاهلها، مما يجعلها قضية ملحّة للنقاش والتفكير والبحث بين شرائح الشباب السوري لا سيما الطلبة الجامعيين والمتخصصين في المجالات ذات الصلة بتلك التطبيقات. 

ذلك في وقت ما تزال سوريا تفتقد لمقومات حضانة هذه التكنولوجيا نتيجة لعوامل متعددة تشمل ضعف البنية التحتية التقنية، وتراجع مستوى التعليم المتخصص، وغياب الدعم المؤسساتي، فضلاً عن تداعيات الأزمة الاقتصادية والخدمية المستمرة منذ 14 عاماً.

يحاول موقع "تلفزيون سوريا" في هذا التقرير الإجابة على سؤال كيف يقيّم الشباب السوري طبيعة التحديات التي تعترضهم في مجال الذكاء الاصطناعي؟ وهل يخشون من تقدم هذه التقنية أم يجدون فيها فرصة؟ وما العقبات التي تحول دون تمكينهم من استثمارها؟ وهل من أفق لتجاوز الفجوة الرقمية والمعرفية في المستقبل القريب؟

فرصة أم نقمة؟ 

يرى دالاس كحيلا، مخرج بصري سوري، أن تأثير الذكاء الاصطناعي على المبدعين العرب، وخاصة السوريين، يتسم بخصوصية، لأن الشباب السوريين وجدوا أنفسهم فجأة "في سباق عالمي لتعلم أدوات الذكاء الاصطناعي وتطويرها واستخدامها". الأمر الذي ولّد ضغطاً نفسياً ومادياً عليهم، فهم يفتقدون المقومات التي تتوفر بسهولة للشباب الغربي من تعليم وتدريب وانترنت سريع من دون قيود عكس الحال في سوريا التي تأن تحت وطأة تردي الواقع المعيشي والخدمي. 

ويشير دالاس إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ فعلياً يأخذ مكان المصممين التنفيذيين في شركتهِ، فبإمكان شخص واحد باستخدامه الذكاء الاصطناعي أداء مهام عدة موظفين في وقت واحد. 

ويؤكد المخرج، في حديث لموقع "تلفزيون سوريا"، على أن الإبداع البشري لن يُستبدل، بل سيُعاد تعريفه، وأن الذكاء الصناعي لم يعد أداة فقط، بل واقع يفرض نفسه على المهنة. لكنه في الوقت ذاته يُحدث فجوة غير عادلة، إذ بات بمقدور أي شخص يملك اتصالاً جيداً بالإنترنت إنتاج محتوى بصري قريب من عمل محترف يمتلك خبرة سنوات، وهذا سيؤدي إلى فقدان الكثيرين من العاملين في مجال التصميم البصري لوظائفهم شيئاً فشيئاً. 

أما نزار ابراهيم ، صحفي سوري، فيرى أن الادعاء بعدم فائدة الذكاء الصناعي للصحفيين غير دقيق، مؤكداً أن أدوات الذكاء الصناعي، مثل "تشات جي بي تي_ chat gbt"، سهلت جمع المعلومات الأولية، خاصة في الجوانب التاريخية، ويُعتمد عليها في كبرى الوكالات العالمية.

غير أن نزار يشدّد على أن الذكاء الصناعي لا يمكنه استبدال الصحفي الحقيقي، لأن العمل الصحفي قائم على الميدان والمشاهدات المباشرة من قلب الحدث، إلى جانب ما يملكه الصحفي من خبرة تراكمية وتحليل عميق. ويرى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر فعلياً على هيكلة العمل الصحفي، حيث قلّ عدد المراسلين والمحرّرين لصالح أدوات قادرة على أداء بعض المهام بكفاءة وسرعة، ما يعني تقليص أعداد العاملين في المجال.

تقدّم خجول وفجوة خطيرة

ومن جهته، يرى يزن أبو رافع، المعيد في قسمي اتصالات والكترونيات وتقانة معلومات في الجامعة السورية الخاصة وجامعة الهمك بدمشق، أن توظيف أدوات الذكاء الصناعي في التعليم الجامعي السوري ما يزال محدوداً للغاية. 

ويشير المعيد، في حديث لموقع "تلفزيون سوريا"، إلى أن بعض المبادرات بدأت بالظهور مؤخّراً، لاسيما في جامعة الهمك، حيث أُدرجت مقررات خاصة باختصاص "الذكاء الصناعي" ضمن قسم الأتمتة والحواسيب، تشمل موضوعات مثل التعلم الآلي (Machine Learning)، والتعلم العميق (Deep Learning)، والشبكات العصبونية الالتفافية (CNN). 

إلا أن هذه الخطوات، في رأي يزن، متواضعة ولا تتجاوز حدود التعريف النظري، إذ لم يُسجَّل بعد أي استخدام فعلي أو تطبيقي واسع النطاق لأدوات الذكاء الصناعي داخل القاعات الدراسية.

ويعتبر يزن أن غياب هذه الأدوات عن معظم التخصصات يشكّل فجوة خطيرة في التعليم العالي السوري، ولتلافي ذلك يوصي بإدراج مادة تعليمية موحّدة تعرّف جميع الطلبة، بغض النظر عن اختصاصاتهم، على آليات البحث والعمل باستخدام أدوات الذكاء الصناعي، لما لذلك من أهمية في مواكبة التطور العالمي المتسارع.

أما على صعيد سوق العمل، فيرى أن إتقان هذه الأدوات يختصر كثيراً من الجهد والوقت. ويستشهد يزن بتجربته الشخصية في التعامل مع أنظمة استشعار الحرائق، حيث قد تستغرق عملية حل الأعطال وقتاً طويلاً، في حين يمكن لتوظيف أدوات الذكاء الصناعي أن يقدّم حلولاً مبتكرة لم تكن لتخطر على البال.

قبل فوات الأوان

يشير محمد عفّاش، موظف في شركة لتزويد خدمات الإنترنت ومتخصّص في الأمن السيبراني، إلى أن فترة تعليمه الجامعي لم تتزامن مع الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الصناعي، سواء على مستوى استخدامها العملي أو تضمينها في المناهج الجامعية. 

ولذا فقد واجه محمد صعوبة كبيرة في بداية عمله، كما يقول في حديث لموقع "تلفزيون سوريا"، وذلك نتيجة غياب الدعم والتعاون من زملائه الملمّين بالمجال في العمل، ما اضطره للاعتماد على نفسه. 

ومع قلة معرفته بهذه الأدوات، اضطر محمد إلى تعلمها ذاتياً لمواجهة تحديات العمل، وهو ما تطلب منه وقتاً وجهداً كبيرين. ويرى اليوم أنه لو تم تضمين هذه المهارات في مناهج تعليمه الجامعي "لكنتُ وفَّرت ُعلى نفسي الكثير من الوقت والجهد والتعب النفسي وطلب المساعدة من الآخرين." وفقا لمحمد.

أما عبد الرحمن دحدوح، طالب في قسم المعلوماتية بجامعة "الهمك"، يرى أن أدوات الذكاء الصناعي، وعلى رأسها "تشات جي بي تي Chat gbt"، كان لها دور كبير في إنجاز مشروعه الجامعي. ويُرجع الفضل في ذلك إلى شريكه في المشروع، الذي كان ملماً بهذه الأدوات، مما ساعدهما على تجاوز التحديات وتنفيذ المشروع بكفاءة عالية، وهو ما لم يكن ليحدث لولا وجود هذه التقنية.

ويضيف عبد الرحمن في حديث لموقع "تلفزيون سوريا": "يجب على الطلاب الاستفادة من الذكاء الصناعي وأدواته في سوريا رغم كل المعوقات المرتبطة بالبنية التحتية وضعف الخدمات من انترنت وكهرباء وغيرها، لأن المستقبل سيكون للذكاء الصناعي ومن يتقن استخدامه".

وبالرغم من التحديات الجمّة التي تعترض الشباب السوري في ميدان الذكاء الصناعي اليوم، إلا أن الإصرار الفردي يفتح نوافذ أمل للتعلُّم والتطوير، وبين واقع يعيق الطموح، ومستقبل يتطلب التأقلم، يبقى الرهان على الوعي والمعرفة لتجاوز الفجوة الرقمية، والمشاركة الفاعلة في الثورة التكنولوجية التي لا تنتظر أحداً.