اشترى طارق طائرة مسيّرة (درون) بهدف استخدامها في تصوير محتوى داخل سوريا، لكنه تفاجأ بمصادرتها في أثناء تفتيش أمتعته في معبر الراعي الحدودي، بعد عبوره من تركيا إلى الجانب السوري، على أن يتمكن لاحقاً من استعادتها عند مغادرته أو استخراج تصريح رسمي لاستخدامها.
ويقول طارق لموقع تلفزيون سوريا إن الموظف بدا مرتبكاً عند تفتيش حقيبة ظهره، وأبلغه بأن الطائرة ممنوعة من الدخول، رغم توضيحه أنها طائرة خفيفة الوزن، ويحمل تراخيص تركية لاستخدامها، إضافة إلى شهادة طيّار من نوعي İHA-0 وİHA-1 صادرة عن المديرية العامة للطيران المدني التركي، فضلاً عن فواتير شراء رسمية، وأن وزنها أقل من 250 غراماً، وهو ما يجعلها غير خاضعة للقيود في العديد من الدول.
ويضيف أن الموظف طلب منه الانتظار ريثما يجري اتصالاً هاتفياً، قبل أن يتواصل مع مدير الجمارك الذي قرر مصادرتها، موضحاً أن هناك تعليمات صادرة من دمشق بهذا الخصوص، وقد أُبلغ طارق بالقرار شفهياً من دون إبراز أي تعميم رسمي مكتوب، مشيراً إلى أنه لم يطلب الاطلاع عليه بسبب حالة الارتباك التي كان فيها.
ورغم وجود قرار يمنع حيازة الطائرات المسيّرة من دون ترخيص مسبق، إلا أن تطبيقه يثير إرباكاً لدى بعض المغتربين القادمين من الخارج، خصوصاً مع عدم السماح بإدخالها عبر المعابر الحدودية، واشتراط الحصول على الترخيص من داخل البلاد، وهو ما يبدو صعباً في ظل قِصر مدة الإجازات في بعض الحالات.
ويطرح مغتربون تساؤلات حول إمكانية اعتماد آلية للحصول على ترخيص مسبق من خارج سوريا أو قبل الوصول إليها، بدلاً من منع إدخال الطائرات ثم طلب استكمال إجراءات الترخيص لاحقاً.
مصادرة أم أمانة؟
سأل طارق عن الإجراءات المتبعة في حال مصادرة الطائرة، فأُبلغ بأنه سيتم منحه وصلاً رسمياً، على أن يراجع لاحقاً لاستخراج وثيقة "فك احتباس" من وزارة الداخلية، أو الحصول على تصريح إعلامي أو تصريح خاص بالطائرات المسيّرة، وهو ما قد يستغرق وقتاً طويلاً، وقد يصل في بعض الحالات إلى مسار قضائي للفصل فيه.
ويقول طارق إنه حاول شرح ظروفه، مؤكداً أنه لا يملك الوقت الكافي لاستكمال هذه الإجراءات خلال فترة زيارته القصيرة، ولا يرغب في خسارة فرصة العودة إلى بلده، خاصة أن الإجازات محدودة للطلاب، إلا أنه لم يتلقَّ أي تجاوب يُذكر، بحسب ما يروي.
ويضيف أنه، وبعد محاولات مطوّلة، تم التوصل إلى حل وسط يقضي بتقديم كفيل من طرفه، على أن تُحتفظ الطائرة كـ"أمانة" بدلاً من مصادرتها، في إجراء وُصف بأنه استثنائي نظراً لوضعه كطالب يزور بلده للمرة الأولى منذ سنوات، ولعدم علمه المسبق بالقرار. كما أُبلغ أن هذا الإجراء خاص بحالته، بينما تُصادر الطائرات في الحالات الأخرى بشكل مباشر.
ويأمل طارق أن يتم اعتماد نظام واضح لتنظيم استخدام الطائرات المسيّرة في سوريا، على غرار النظام المعمول به في تركيا، بحيث يتم تسجيلها لدى المديرية العامة للطيران المدني، وتنظيم استخدامها، وإصدار تراخيص رسمية لكل من الطائرة والمشغّل، بما يسهم في تسهيل حركة المسافرين القادمين وهم يحملون طائرات مسيّرة.
تسهيلات لأصحاب التصاريح الإعلامية
في المقابل، لم يواجه الصحفي أحمد (اسم مستعار طلب عدم ذكر اسمه لأنه غير مصرح له بالحديث إلى الإعلام) أي مشكلة في أثناء إحضار طائرة درون معه من تركيا إلى سوريا.
يقول أحمد الذي يعمل مع إحدى المؤسسات الإعلامية التركية إنه دخل إلى سوريا عبر أحد المعابر الحدودية في وقتٍ كان فيه المعبر مغلقاً أمام حركة المدنيين، ومخصصاً فقط لعبور الشاحنات التجارية، من دون السماح بمرور السوريين أو الأتراك أو حتى حالات العودة الطوعية.
ويوضح أنه تمكن من العبور بفضل حصوله على إذن مسبق من رئاسة الجمهورية التركية، إضافة إلى موافقة من ولاية كلس التركية، إذ كان اسمه مدرجاً ضمن القوائم المسموح لها بالدخول، ما جعله من بين المدنيين القلائل الذين تمكنوا من عبور المعبر في تلك الفترة.
ويشير إلى أن عملية العبور من الجانب التركي تمت من دون أي تدقيق يُذكر على المعدات الإعلامية التي كانت بحوزتهم، خاصة أنهم كانوا يعملون ضمن فريق يحمل موافقات رسمية، ما سهّل إدخال الكاميرات وباقي التجهيزات من دون عوائق.
لكن عند الوصول إلى الجانب السوري، خضعت المعدات للتفتيش، بما في ذلك الطائرة المُسيّرة (الدرون)، التي أوضح أنها تعود لمصوّر ضمن الفريق، وقد جرى إحضارها لتسليمها لفريق آخر موجود داخل سوريا.
ويضيف أن عناصر المعبر سألوا عن وجود ترخيص لاستخدام الدرون، فقام بإبراز إذن رسمي صادر عن وزارة الإعلام السورية، كان قد حصل عليه الفريق مسبقاً، ويشمل التصوير المرئي في مختلف المناطق السورية، وتبلغ مدته نحو ثلاثة أسابيع، وبعد الاطلاع على الإذن، سُمح لهم بإدخال المعدات، بما فيها الطائرة المُسيّرة.
أما عند العودة إلى تركيا، فقد جرت عملية العبور بسلاسة، حيث اكتفى الجانب التركي بالاطلاع على الوثائق، من دون تسجيل أي إشكالات تُذكر.
وبشكل عام، يوضح أحمد أن معظم العناصر كانوا متعاونين عند إبراز الإذن الصادر عن وزارة الإعلام السورية، مشيراً إلى أنه تمكن، بموجب هذا الإذن، من تصوير مواد داخل مواقع حساسة، من بينها أحد الفروع الأمنية، حيث سُمح له بالدخول إلى الزنازين في وقتٍ لم يكن فيه أي وجود آخر.
ويؤكد أن التجاوب مع الأذونات الرسمية كان واضحاً في أكثر من موقع، سواء من قبل العناصر الأمنية أو الجهات المشرفة على تلك الأماكن، ما ساهم في تسهيل عمله الميداني وإتمام مهامه الصحفية.
وينوه أحمد أنه يحمل صفة صحفي سوري–تركي، ولديه تصاريح رسمية من كلٍّ من الجانب السوري والتركي، كما حصل على إذن دخول وتصوير داخل سوريا عبر وزارة الإعلام السورية، إلى جانب موافقات من الجانب التركي، ما يجعل من المنطقي، بحسب تقديره، وجود درجة من التنسيق بين الطرفين، ساهمت في تسهيل إدخال المعدات التي كانت بحوزته.
توضيحات رسمية
لا يوجد حتى الآن قانون مستقل ومتكامل في سوريا خاص بالطائرات المُسيّرة (الدرون) كما في بعض الدول، وما ينظم التعامل بها هو قرارات وتعليمات تنظيمية صادرة عن جهات حكومية تتعلق بإدخال الدرون إلى البلاد وترخيصها واستخدامها.
وفي إطار توضيح آلية التعامل مع الطائرات المسيّرة (الدرون) وأجهزة الاتصال الفضائي (ستارلينك)، أكد مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، لموقع تلفزيون سوريا أن الإجراءات المعتمدة لا تقوم على مبدأ المصادرة، وإنما على تنظيم الإدخال بما ينسجم مع القوانين والضوابط الناظمة.
وأوضح علوش أن الطائرات المسيّرة التي يتم ضبطها عند المنافذ الحدودية أو المطارات لا تُصادر، بل تُحفظ أمانةً لدى أمانة الجمارك في المنفذ أو المطار، ويتم تنظيم إيصال رسمي لصاحبها يتيح له استلامها عند مغادرته البلاد، وذلك ضماناً لحقوق المواطنين وتنظيماً لحركة هذه الأجهزة.
وأشار إلى أن إدخال الطائرات المسيّرة وأجهزة الاتصالات الفضائية، يخضع لموافقات مسبقة من الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة الداخلية والهيئة الناظمة للاتصالات، لافتاً إلى أن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تلتزم بتنفيذ هذه الاشتراطات بشكل كامل.
وبيّن أنه في حال حصل المواطن أو المستورد على الموافقات الأصولية المطلوبة من الجهات المعنية، يتم فوراً فك احتباس هذه الأجهزة وتسليمها لأصحابها وفق الإجراءات القانونية المعتمدة، أما في حال عدم توفر هذه الموافقات، فلا يُسمح بإدخالها إلى البلاد.
وأكد علوش أن هذه الإجراءات تهدف إلى تحقيق التوازن بين تسهيل حركة المسافرين وحماية الجوانب الأمنية والتنظيمية المرتبطة باستخدام هذا النوع من التقنيات الحديثة.
وللوقوف على تفاصيل الآلية المعتمدة للحصول على إذن استخدام الطائرات المُسيّرة (الدرون)، والجهات المعنية بمنح الموافقات، إضافة إلى الوثائق المطلوبة للحصول على الترخيص، تواصل موقع تلفزيون سوريا عبر البريد الإلكتروني مع الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، من دون أن يتلقى رداً حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
الدرون ممنوعة رسمياً
وكانت الهيئة أعلنت عن حظر حيازة واستخدام طائرات الدرون والإنترنت الفضائي "ستارلينك" قبل الحصول على ترخيص مسبق، مؤكدةً أن المخالفين سيتعرضون للمساءلة القانونية.
ويعود سبب المنع لضمان عدم استخدام هذه التقنيات في أي نشاط يخل بالنظام العام أو يسبب تهديداً للأمن، فخدمات ستارلينك قد تؤثر في الشبكات المحلية، وتسبب تشويشاً في الاتصالات، وطائرات الدرون لها مخاطر محتملة من جراء استخدامها، بما في ذلك انتهاك الخصوصية، واستخدامها في أنشطة غير قانونية، بحسب تصريحات مدير مديرية الضابطة العدلية في الهيئة المهندس عبد الرحمن زيدان في تصريحات للوكالة السورية للأنباء (سانا).
ويُمنع عرض، أو بيع، أو حيازة أو تشغيل أي طائرة درون أو إنترنت فضائي إلا بعد مراجعة الهيئة، والحصول على التراخيص اللازمة أصولًا، استنادًا إلى اللائحة التنظيمية الصادرة من الهيئة.
ووفق زيدان فإن أي مخالفة أو إخلال للقوانين المنظمة لحيازة طائرات الدرون أو الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، ستحمل المخالف كل المسؤولية القانونية، وذلك استنادًا إلى أحكام قانون الاتصالات رقم 18 لعام2010 وتعديلاته.
ويعاقَب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن 200 ألف ليرة ولا تزيد على مليون ليرة سورية، كل من قام قصداً باستخدام ترددات راديوية من دون ترخيص، أو كل من قام من دون الحصول على موافقة “الهيئة” بالتنازل للغير عن الترخيص الصادر له باستخدام تردد أو نطاق ترددات، ويضاف إلى الأخير إلغاء الترخيص، بحسب القانون.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الهدف من هذه الإجراءات هو تنظيم استخدام هذه التقنيات وحماية الأمن العام، تبقى الحاجة قائمة إلى مزيد من الوضوح في آليات التطبيق والتعميم، بما يحدّ من حالات الإرباك على المعابر الحدودية، لا سيما بالنسبة للمغتربين القادمين في إجازات قصيرة، وفي ظل غياب نظام ترخيص واضح ومتاح من خارج البلاد.