أثار قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بدمج جامعة حلب في المناطق المحررة مع جامعة حلب الأم تساؤلات عديدة، باعتباره خطوة مفصلية في مسار التعليم العالي. فالقرار، الذي يهدف إلى توحيد المرجعية الأكاديمية وضمان الاعتراف بالشهادات، ترافق مع وعود رسمية بتسهيل انتقال الطلاب وحماية حقوق الكوادر التدريسية، لكنه في الوقت ذاته فتح باب الأسئلة حول مصير الكليات والمعاهد وآلية توزيعها بين حلب واعزاز ودمشق.
وفي هذا السياق، أجرى تلفزيون سوريا لقاءً خاصاً مع مدير جامعة حلب في المناطق المحررة، الدكتور أحمد البكار، الذي قدّم توضيحات موسعة حول تفاصيل الدمج، مبيّناً الكليات التي ستعود إلى جامعة حلب الأم، وتلك التي ستبقى كفروع ثانية في الشمال، إضافة إلى وضع الكادر التدريسي والإداري بعد هذه الخطوة.
ولاقى القرار ردود فعل متباينة بين الطلاب، حيث اعتبره كثيرون خطوة صحيحة من شأنها تسهيل الاعتراف بالشهادات وتخفيف أعباء التنقل عنهم، خصوصاً أولئك القادمين من مناطق ريفية بعيدة، كما رأى بعضهم أن الانضمام إلى جامعة عريقة بحجم جامعة حلب يمنح شهاداتهم وزناً أكبر وفرصاً أوسع للدراسات العليا والعمل.
في المقابل، أبدى طلاب آخرون مخاوفهم من التحديات التي قد تترتب على الدمج، مثل صعوبة الانتقال والسكن، أو الاختلاف في المناهج والسياسات التعليمية بين الجامعتين، معتبرين أن القرار قد يطمس هوية الجامعة الحرة التي شكّلت رمزاً تعليمياً في سياق الثورة.
ويرى خبراء أكاديميون أن القرار قد يحمل فرصاً لتعزيز البنية التعليمية وتوسيع نطاق الاعتراف الأكاديمي بالشهادات، لكنه يتطلب آليات تنفيذ مدروسة تضمن معالجة المخاطر المحتملة وتخفيف القلق لدى الطلاب والكوادر، بما يحافظ على التوازن بين توحيد المرجعية الأكاديمية وحماية مكتسبات التجربة التعليمية في المناطق المحررة.
ما مصير كليات الجامعة؟
أكد مدير جامعة حلب في المناطق المحررة، الدكتور أحمد البكار، أن الجامعة منذ تأسيسها عام 2015 كانت نسخة عن جامعة حلب الأم، حيث اعتمدت الخطط الدراسية نفسها، وذلك لتأمين التعليم للطلاب الذين انقطعوا عن جامعات النظام المخلوع بسبب الاعتقالات والمضايقات، إضافة إلى استقبال خريجي الثانوية العامة في المناطق المحررة، موضحاً أن الجامعة تضم 16 كلية وستة معاهد تقنية.
وأشار البكار في لقاء خاص مع تلفزيون سوريا إلى أن قرار دمج جامعة حلب في المناطق المحررة مع جامعة حلب الأم جاء كخطوة حكومية ستصدر صيغتها القانونية خلال أيام، على أن تُتبع بتعليمات تنفيذية توضّح آلية الدمج سواء للطلاب أو للكادر التدريسي والإداري.
وبيّن أن الكليات الطبية ستندمج بشكل كامل في جامعة حلب الأم، وكذلك الكليات التطبيقية التي تحتاج إلى تجهيزات ومخابر متخصصة مثل كليات الهندسة، في حين سيبقى في مدينة اعزاز عدد من الكليات النظرية كفروع ثانية، وهي الاقتصاد، والحقوق، والآداب، والتربية.
أما كلية الإعلام والعلوم السياسية فستبقى مرتبطة بشكل مباشر بالحكومة المركزية من خلال المعهد العالي للعلوم السياسية أو كلية الإعلام في جامعة دمشق.
طريقة دمج الكادر التدريسي
وفيما يخص الكادر التدريسي، أوضح البكار أن اللجنة المكلفة بالدمج أوصت بعودة الأساتذة الذين كانوا معينين سابقاً في الجامعات السورية إلى جامعاتهم الأم، مع إمكانية نقلهم لاحقاً إلى جامعة حلب أو غيرها.
أما المدرسون الذين عُينوا حديثاً في جامعة حلب الحرة ولم يكن لهم تعيين سابق، فسوف يتم نقلهم مباشرة إلى جامعة حلب الأم، مع تسهيل رغبتهم في الانتقال لاحقاً إلى جامعات حكومية أخرى.
وأضاف أن القرار يشمل أيضاً الموظفين والإداريين، حيث سيفتح أمامهم باب النقل إلى أي جامعة حكومية داخل سوريا مثل جامعات دمشق وحمص وحلب، بما يضمن الحفاظ على حقوقهم الوظيفية والعلمية.
قلق حول آليات التنفيذ
اعتبر الأكاديمي والباحث المتخصص في شؤون التعليم، الدكتور جهاد العويد، أن قرار دمج جامعة حلب الحرة مع جامعة حلب الأم خطوة مهمة على المستوى المؤسسي، لكنه وصفها بالمتسارعة، ما يثير القلق بشأن آليات التنفيذ.
وقال إن القرار في جوهره جيد ويمكن أن يكون له أثر إيجابي كبير، إلا أن له أبعاداً متعددة وتداعيات تمس الطلاب والكوادر الأكاديمية، فضلاً عن مخاطر أكاديمية لا يمكن إغفالها.
وأوضح العويد في لقاء خاص مع تلفزيون سوريا أن الوزارة تتجه إلى دمج المؤسسات التعليمية التي أُنشئت حديثاً ضمن منظومة الدولة، لافتاً إلى أن جامعة حلب الحرة التي تأسست عام 2015 لا بد أن تندمج في مؤسسات التعليم العالي الرسمية حتى تحظى بدعم أكاديمي أكبر، لكنه أشار إلى أن بعض الكوادر والطلاب ينظرون إلى الدمج بوصفه طمساً لهوية الجامعة الحرة واستقلاليتها.
وأضاف أن القرار ستكون له تداعيات مباشرة على الطلاب، حيث يمكن تقسيمهم إلى فئتين: طلاب رابحون وآخرون متخوفون. فالفئة الأولى ستستفيد من الاعتراف الأكاديمي الواسع بجامعة عريقة مثل جامعة حلب، ومن قوة بنيتها التحتية وكوادرها، وهو ما يمنح شهاداتهم ثقلاً أكبر وفرصاً أوسع للدراسات العليا. أما الفئة الثانية فتخشى من صعوبات النقل، وتعديل المواد الدراسية، والاختلاف في السياسات التعليمية بين الجامعتين.
أما بالنسبة للكوادر التدريسية، فرأى العويد أن جزءاً منهم سيستفيد من الانتقال إلى مؤسسة أكثر استقراراً أكاديمياً وإدارياً، بينما قد يشعر آخرون أن تضحياتهم في الجامعة الحرة ضاعت، خاصة مع اختلاف سياسات العمل بين المؤسستين، ما قد يضعف من قدرتهم على التأثير في جامعة حلب الأم.
وشدد الباحث المتخصص في شؤون التعليم على ضرورة الانتباه إلى المخاطر الأكاديمية المترتبة على الدمج، ومنها الفوارق في المناهج وأساليب التدريس ولغات التعليم، محذراً من أن يكون القرار مجرد خطوة فوقية بلا أدوات تنفيذية واضحة، مؤكداً أن غياب هذه الأدوات سيؤدي إلى صدمة حقيقية تولد أزمة جديدة في القطاع التعليمي.
تطمينات
أكد مدير جامعة حلب في المناطق المحررة، الدكتور أحمد البكار، أن حقوق الكادر التدريسي والطلاب محفوظة بالكامل في إطار عملية دمج جامعة حلب الحرة مع جامعة حلب الأم. وأوضح أن نصف الكادر التدريسي في الجامعة الحرة هم من الأساتذة المنشقين عن النظام السابق، وقد تم التأكيد على عودتهم إلى جامعاتهم الأم مع الحفاظ على قدمهم الوظيفي ومراتبهم العلمية.
وأضاف أن الكادر التدريسي الذي تم تعيينه حديثاً في جامعة حلب الحرة، ولم يكن معيناً سابقاً في الجامعات السورية، ستُحفظ حقوقه أيضاً، وسيُنقل إلى جامعة حلب الأم مع احتفاظه بدرجته العلمية وخبرته الوظيفية. وأكد أن هذه النقطة كانت مطلباً أساسياً للجامعة خلال المفاوضات لضمان عدم ضياع حقوق المدرسين.
وبالنسبة للطلاب، أوضح البكار أن الخطط الدراسية والمناهج في جامعة حلب الحرة كانت نسخة مطابقة تقريباً لتلك المعتمدة في جامعة حلب الأم، مع اختلافات طفيفة لا تتجاوز 20%. وأشار إلى أن هذا التشابه يجعل عملية الدمج ميسرة، بحيث لا يواجه الطلاب أي عقبات أكاديمية أو علمية في حال انتقالهم إلى جامعة حلب الأم أو إلى أي جامعة سورية أخرى.
وفيما يتعلق بمستقبل الجامعة بعد الدمج، لفت البكار إلى أن الطلاب كانوا دائماً يتساءلون عن الاعتراف بشهاداتهم، وأن هذا القرار سيعزز مكانتها باعتبارها جزءاً من الجامعات الحكومية السورية المعترف بها محلياً ودولياً. وأوضح أن الجامعة الحرة كانت تمثل مؤسسة ثورية ذات رمزية كبيرة في الشارع السوري، لكن السياسة العامة للدولة اقتضت دمجها لضمان استمرارية المسيرة التعليمية ضمن مؤسسات الدولة.
وختم مدير جامعة حلب في المناطق المحررة بالتأكيد على أن الهدف الأساسي من الدمج هو تمكين الطلاب من الحصول على شهادات معتمدة ومرموقة، وحماية حقوق الكوادر التدريسية والإدارية، مع مواصلة العمل على تطوير العملية التعليمية بما يخدم مستقبل التعليم العالي في سوريا.