icon
التغطية الحية

بين المقابر الجماعية وأرشيف السجون.. عائلات سوريّة تلاحق الحقيقة

2026.01.25 | 13:58 دمشق

آخر تحديث: 25.01.2026 | 14:00 دمشق

فريق الخوذ البيضاء يزيل التراب عن رفات أحد المفقودين قبل أن يسلمه لسارة ملحم المسؤولة عن تصنيف الرفات وفقاً لتصنيفات الطب الشرعي - المكان: ريف دمشق - تاريخ الصورة: 6 تشرين الثاني 2025
فريق الخوذ البيضاء يزيل التراب عن رفات أحد المفقودين قبل أن يسلمه لسارة ملحم المسؤولة عن تصنيف الرفات وفقاً لتصنيفات الطب الشرعي - المكان: ريف دمشق - 6 تشرين الثاني 2025
The New Lines Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- سمية سعيد فقدت زوجها المهندس محمد في 2013، واكتشفت لاحقًا وفاته تحت التعذيب، مما يعكس معاناة العائلات السورية مع الإخفاء القسري والانتهاكات.

- بعد سقوط نظام الأسد، تشكلت لجان وطنية مثل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية للبحث عن المفقودين، وتقديم الدعم القانوني والنفسي، والتعاون مع منظمات دولية في مجال الطب الشرعي.

- تواصل منظمة الخوذ البيضاء جهودها في البحث عن رفات المفقودين، رغم التحديات مثل نقص الموارد، وتستمر العائلات في البحث عن أحبائها بدعم من المنظمات.

همست سمية بعد أن تقطعت أنفاسها وهي تتخذ مقعداً لها على أريكة في مكتب رابطة عائلات قيصر بدمشق وتبرر سبب تأخرها، فقالت: "لقد عدت لتوي من العمل".

كان الحنان بادياً في عينيها البنيتين الواسعتين المستديرتين، إلا أن وجهها كان يعكس خليطاً من الحزن والغضب والزهو، فأنشأت تقول عن نظام الأسد: "ولدت ثلاثة أجيال هاهنا، ثلاثة أجيال تحت نير الظلم، ذلك الظلم الذي يعجز اللسان عن وصفه، وعندما رأينا صيدنايا، ورأينا السجون، والرضع الذين لا يعرف أحد من يكون آباؤهم، أوليس كل ذلك ظلم وانتهاك لحرية النساء والأطفال ولحريتنا بوصفنا عائلات الضحايا؟ طوال الوقت الذي خسرناهم خلاله، لم نكن نعرف إن كانوا سيعودون، كما لم يكن بوسعنا حتى أن نسأل عنهم. أما أنا فقد فقدت زوجي الذي أخذوه من الوزارة التي يعمل لديها".

تدخل الصحفي مجد البقاعي الذي كان يساعدها في الترجمة، فقاطعها بكل احترام بعد أن أقر بكل عرفان لقصتها ولأولادها وللمرحوم زوجها، وطلب منها بكل أدب أن تذكر اسمها ومهنتها قبل ذلك فاعتدلت في جلستها وابتسمت وهي تقول ضاحكة وترفع نظارتها الشمسية فوق حجابها الأبيض: "اسمي سمية سعيد، أما عمري فألف سنة". على الرغم من أنها أم لأربعة أولاد وتبلغ من العمر خمسين عاماً، ولكنها تحس بأنها أكبر من عمرها بخمسين سنة أخرى، وخاصة بعد أن أخذوا زوجها منها.

متاهات البحث

كان ذلك في يوم بارد في العشرين من شباط عام 2013، كان عمر إحدى ابنتيهما عشرة أشهر عندما خسروا الأب بحسب ما قالته سمية فعم الحزن وجهها بكامله. في ذلك اليوم كان المهندس محمد الذي يعمل لدى عدة منظمات وكذلك لدى وزارة الزراعة، قد توجه إلى الوزارة بدمشق لحضور اجتماع، ولم يشاهده أحد بعده بحسب ما ذكرته زوجته.

كان من عادة الزوجين الاعتناء بأطفالهما في الصباح، فكانت سمية تأخذ معها الولدين ومحمد البنتين، ولكن في ذلك اليوم جرت الأمور بطريقة مختلفة، إذ تقول سمية: "لم يعد زوجي ليحضر طفلتينا، فسألت ابنتي: "أين بابا؟"، عند ذلك انفجرت سمية بالبكاء، ففي ذلك اليوم بدأت معاناتهم.

ثم أضافت: "في البداية يأتي الإنكار، إذ كنت أقول على الدوام: أي موظف يدخل الوزارة ويسجل حضوره يجب أن يعتبر ذلك بمنزلة ضمانة أمنية، إذ عندما تسجل حضورك تعتبر المؤسسة مسؤولة عن حمايتك، ولكن خلال السنوات الثلاث عشرة، كذبوا علينا، ففي سوريا تعتبر كل وزارة بمنزلة فرع من فروع المخابرات، وفي كل مكتب يوجد ضابط أمن، لا ليحميك، بل ليراقبك". ساد الصمت بعد ذلك، إذ في ظل انعدام الإجابات، دخلت سمية في متاهات للبحث عن زوجها.

بعد مرور اثنتي عشرة سنة، ماتزال سمية تتذكر اسم ضابط الأمن الذي سأل أكثر من مرة عن مكان محمد، واعترف بوجود خطر عليه، وقد أسفرت الحرب عن هدم بيتها، وبعد النزوح، أصبحت تعيش على دعم محدود من العائلة وهي تتمنى لمحمد أن يعود بعد أن صار عمره 55 عاماً، لكنه لم يعد.

"بركان" الاكتشاف

تحدثنا عن تلك المرحلة فتقول: "صرت زوجة إرهابي، فأصبحت أتعرض في العمل لمضايقات مستمرة ولسوء معاملة، وكانت هناك وزارة للمصالحة الوطنية ووزارة العدل، كما زرت أكثر من مرة مقر التلفزيون الرسمي حيث كان أهالي المفقودين يحضرون ويطلب منهم استكمال معاملة حول الموضوع، فأخبروني أنهم يبحثون عنه، إلا أن الدولة السورية نفسها هي من كان يقتل المفقودين"، وهكذا أفضى بحثها إلى محاولات ابتزاز مقابل الحصول على معلومات مغلوطة أو مضللة.

تابعت سمية وقد ركزت نظرتها علينا وهي تقول: "دعوني أخبركم شيئاً: لا تفقدوا الأمل"، إذ بعد أسابيع على تغيير النظام، نشرت رابطة عائلات قيصر رابطاً مخصصاً لأهالي المفقودين، فأدخلت سمية اسم محمد في تلك المنظومة، وظهرت لها معلوماته على الفور، لتكتشف بأن محمداً فارق الحياة تحت التعذيب بعد مرور 26 يوماً على اعتقاله، وتعلق على ذلك فتقول: "عندما رأينا الصورة، انفجر بركان في البيت، لأن كل ما كنت أريده هو أن يعود، ثم صرت بحاجة لأن أتنفس، وصرت أقول: عندما يعود أبوكم سأقول له: خذ الأولاد ودعوني أنام، فالنوم نعمة" بعد ذلك دخلت سمية وأولادها الأربعة في مرحلة إنكار جديدة، وهي أن محمد لم يمت، بما أنه وعد بأن يعود، ولكن لماذا لم يعد؟

مسؤولية جسيمة

تشير التقديرات المبنية على العديد من البيانات إلى وجود ما بين 100 ألف وحتى 300 ألف إنسان مايزالون في عداد المفقودين في سوريا، وتمثل جريمة الإخفاء القسري انتهاكاً لحقوق الإنسان ومخالفة للقانون الدولي، وبالنتيجة فإن الحكومة السورية الجديدة ملزمة قانونياً بالبحث عن المفقودين.

قد يرقى الإخفاء القسري لجريمة حرب في حال ارتكابه في ظل نزاع مسلح، وعندما تنفذ تلك الهجمات ضمن سياق هجوم واسع أو ممنهج ضد المدنيين، يمكن عندئذ أن تصنف كجريمة ضد الإنسانية. يذكر أنه في السابع عشر من أيار في عام 2025، شكلت السلطات السورية لجنتين لمعالجة ما حدث في الماضي من عنف، أولهما اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية، والثانية هي اللجنة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً.

 

فريق من الأطباء الشرعيين يفحص رفات جثة حولت من المشفى العسكري داخل مشرحة مشفى المجتهد بدمشق

تاريخ الصورة: 17 كانون الأول 2024

في مدينة دمشق القديمة، وداخل مقهى على شرفة، التقينا بزينة شهلا، المستشارة الإعلامية في لجنة المفقودين، فأخبرتنا بأنها تدرك بأن العملية قد تكون بطيئة للغاية بالنسبة للأهالي، وقالت: "يسألنا كثير من الأهالي: متى سنقدم إجابات لهم؟ ولكن من الصعب أن نقول لهم بأن العملية قد تحتاج لعشر سنوات على الأقل".

 

تعمل اللجنة الوطنية للمفقودين على عدة أولويات، فإلى جانب بناء بنية تحتية راسخة وخبرة في البحث عن المفقودين، تسعى لدعم الأهالي ومساندتهم في البحث عن الحقيقة، وتشرح شهلا ذلك بقولها: "نريد أن نقدم لهم الدعم القانوني والنفسي، فنحن نؤسس قاعدة بيانات وطنية للمفقودين بمساعدة منظمات المجتمع المدني".

يؤكد البحث الذي أجراه الخبير بالعدالة الانتقالية مصطفى حايد خطورة تهميش عمل هاتين اللجنتين، ففي مقالة كتبها لصالح موقع (جستس إنفو)، شرح بأن هذه العملية تتجه من قمة الهرم إلى قاعدته، وبأن العناصر الفاعلة فيها مستثناة، ولخص الوضع عبر اقتباس ما ذكره قريب لأحد الضحايا عندما قال: "الجميع يتحدث عنا، ولا أحد يتحدث معنا".

أهالي المفقودين وهم يبحثون عن أحبائهم بين صور نشرت على الجدار الخارجي لمشفى المجتهد بدمشق

تاريخ الصورة: 14 كانون الأول 2024

"نريد العدالة"

غير أن التحدي المستمر أمام العائلات التي تبحث عن أولادها مايزال قائماً حتى بعد انهيار نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، إذ قبل ساعات من وصول سمية سعيد للمكتب، التقينا بزوجين عجوزين جمع بينهما الحزن البالغ.

تقدم الأب واسمه محمد زياد صباغ نحو الرف الذي وضعت عليه صور المفقودين، ثم أمسك بهاتفه ودفع لنا بصورة رجل مسجى على الأرض وهو يتساءل: "أترون ما فعلوا به؟" كانت قسمات وجه هذا الرجل السبعيني تحمل كثيراً من الغضب، ولهذا أطبق فكه، إذ في عام 2013، فُقد ابنه أثناء ذهابه إلى عمله واسمه محمد إيهاب صباغ، وكان عمره آنذاك 25 عاماً.

 

والدا إيهاب صباغ في مكتب رابطة عائلات قيصر بدمشق والأب يحمل صورة ابنه بيسراه وصورة جثته بيمناه

تاريخ الصورة: 5 تشرين الثاني 2025

 

على مدار عقد ونيف، خاض الأبوان غمار الإجراءات البيروقراطية المعقدة والفساد الممنهج الذي كان سائداً أيام نظام الأسد، وعاشا سنيناً مع الابتزاز مقابل حصولهم على معلومات مضللة، ثم أتى حدث سقوط النظام ومعه ظهرت الحقيقة التي بددت كل أمل لديهما بالعثور على ابنهما حياً.

رحل إيهاب قبل سنوات، وعنه يقول أبوه وهو يبحث عن المفردات التي تعبر عن مشاعره: "إن كبّرت الصورة، سترى بوضوح آثار الحرق بالسجائر على جلده، وخاصة على جبهته بين عينيه، وفي مناطق أخرى". ومنذ أن عرفا بالخبر، أصبحا يسعيان بلا كلل أو ملل لمعرفة مكان جثة إيهاب حتى يودعاه ويدفناه. أما أم إيهاب التي بقيت تقف وراء زوجها وهي تهز برأسها أثناء حديثه، فقد رفعت رأسها أخيراّ وقطعت صمتها بالقول: "نريد العدالة، نريد أن نعرف مكان ابننا الذي اختفى، ولهذا نريد أن نجد رفاته وندفنه".

جهود الخوذ البيضاء

تحت الشمس الساطعة لصباح تشرين الثاني، تسابقت شاحنات الدفاع المدني السوري، تلك المنظمة التي تعرف بالخوذ البيضاء، على طريق ترابي وهي تطلق صفارات الإنذار التي دوت في الأرجاء.

وسط مكان خلا من الشجر، أصبحت الحكومة الانتقالية تشغل كبرى المنشآت العسكرية التي تعود لنظام الأسد. وقد قام أحد السائقين بالبحث عن الموقع عبر الاستعانة ببرنامج تحديد الموقع الجغرافي على جهاز هاتفه الذكي، وعند وصوله إلى المكان المحدد توقف، فاقترب رجلان يرتديان زياً مدنياً من الخوذ البيضاء وركبا في إحدى مركبات تلك المنظمة. توجهت الشاحنات إلى طريق ترابي أفقي يفضي إلى بقايا بيت. وعلى مبعدة، بوسع المرء أن يرى بعض المرتفعات الصفراء الباهتة، ومسجداً ومحطة لتوليد الطاقة. قبل أسبوعين على ذلك، اكتشف الأهالي رفاتاً بشرية في منطقة ريفية تبعد نحو 32 كيلومتراً عن دمشق بالقرب من المطار.

 

بعد المسح الأولي للموقع، تم العثور على بقايا عظام أخرى على بعد أمتار من مكان العثور على المجموعة الأولى

تاريخ الصورة: 6 تشرين الثاني 2025

 

بمجرد اكتشافها، تبين بأن تلك الجثث دفنت تحت الأرض والأنقاض، وعن ذلك يقول محمد حمادة، 30 عاماً، من بلدة البيطارية: "أعتقد بأنها موجودة منذ عام 2013، عندما كانت الإعدامات تنفذ"، ثم قاد المنقذين إلى الموقع، حيث تم العثور على كمية من العظام، كان من بينها عظام فخذ، وجمجمة وعظمة فك، وكلها غمرها التراب وغطتها الخرق البالية.

 

فرض طوق أمني على المنطقة، وجرى فحص العظام في الموقع، وإزالة التراب عنها، ثم تصنيفها بحسب النوع ووضعها في أكياس وصناديق كرتونية، بعد ذلك أرسلت إلى مركز التعرف إلى هوية المفقودين بدمشق.

تشرح لنا سارة ملحم تلك الإجراءات، وهي طالبة طب شرعي في السنة الرابعة بجامعة دمشق وعضو في فريق البحث عن المفقودين لدى منظمة الخوذ البيضاء، فتقول: "يتم العثور على موقع أو اثنين من هذا النوع كل شهر على أقل تقدير، ومانزال حتى الآن نتحدث عن المواقع السطحية وليس المقابر الجماعية".

 

الخبيرة بالطب الشرعي سارة ملحم وهي تفحص بقايا جمجمة

تاريخ الصورة: 6 تشرين الثاني 2025

 

تشهد سوريا حالة تأخر ملحوظة في مجال الطب الشرعي، ولهذا فهي بحاجة ماسة وفورية للموارد وللدعم التقني والخبرات، وتتعاون اللجنة مع عدد من المنظمات الدولية لتلبية احتياجاتها، وقبل البدء بحفر المقابر الجماعية، تقوم الحكومة بالإجراءات اللازمة لتحديد مواقعها.

يقول محمد أسود وهو عضو في اللجنة الوطنية للبحث عن المفقودين: "تحتاج هذه العملية لصبر وخبرات تقنية راسخة وتدريب شامل، كما من الضروري نشر الوعي بين الأهالي والصحفيين وجميع أصحاب المصلحة المعنيين. وعلينا الالتزام بالحيطة والحذر وإبداء الاحترام تجاه تلك المواقع، لكونها مسارح جريمة، ولهذا لا يجوز السماح لأي فرد أو كيان بخرق هذه المبادئ أو القيام بأي عملية حفر من دون ترخيص".

حتى الآن، حددت الحكومة موقع أكثر من ستين مقبرة جماعية، وذلك بحسب ما أوردته تقارير إعلامية عديدة.

 

تلتزم اللجنة ببروتوكول المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وذلك لتأسيس عمل إطاري ومسارات واضحة للبحث عن المختفين قسرياً، فهدف هاتين المنظمتين رفد اللجنة بالتدريب اللازم بالنسبة للطب الشرعي، إلى جانب دعم أهالي المفقودين والمختفين قسرياً.

يعلق على ذلك آدمير جوجو وهو منسق الطب الشرعي لصالح اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، فيقول: "في بلدي البوسنة مثلاً، تعرفنا إلى هوية 75% من المفقودين خلال عشر سنوات تقريباً، وهاقد مضى ثلاثون عاماً على النزاع، وقد تم استخراج الجثث وتحديد هويتها، ومايزال الأهالي ينتظرون معرفة مصير أولادهم، وبعضهم لن يعرف أي شيء عن ابنه أو ابنته"، ويضيف بأن المنظمة تلقت أكثر من ثلاثين ألف طلب تقدمت به عائلات سورية، إلا أن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر يقتصر على دعم السلطات لا أن تحل محلها.

 

تعتبر اللجنة الوطنية للبحث عن المفقودين مسؤولة عن تنسيق هذه العمليات، وعن ذلك يقول أسود: "بدأ العمل أيضاً على إنشاء مخابر ومشارح متخصصة، بحيث تستقبل الرفات الذي يتم اكتشافه، وتصنفه، وتحدد هويته، إلا أن تلك العمليات تستغرق وقتاً طويلاً"، ولذلك وأثناء انتظار تفعيل اللجنة لكل عملياتها بشكل تام، تواصل منظمة الخوذ البيضاء عملها في تلك المواقع المفتوحة.

في ريف دمشق، كانت الشمس قد وصلت كبد السماء عندما اكتشف فريق الخوذ البيضاء كمية من العظام التي وضعت بعناية داخل أكياس سوداء، وتعلق ملحم على ذلك فتقول: "إنني ملتزمة بفعل كل ما بوسعي فعله للمساعدة في البحث عن المفقودين"، وذلك لأن العمل بالنسبة لها ليس عملاً مهنياً أو علمياً، بل إنه إجراء يفضي لتحقيق العدالة بالنسبة لأبناء وبنات بلدها.

ثم بدأت تعدل وضع قناعها وهي تقول: "كان كثير من السوريين والسوريات يأملون أن يلتم شملهم بأولادهم وأحبائهم بعد سقوط النظام، إلا أن هذا الأمل فقد اليوم بالنسبة لكثيرين، ولهذا نحن نبحث عن الرفات، حتى نتيح للأهالي فرصة إحياء ذكرى أحبائهم".

في العاصمة، اختفت وجوه المختفين قسرياً من على جدران المشافي وغيرها من الأماكن في تلك المدينة بعد أن انتشرت في كل مكان بعد أيام على سقوط النظام.

مسحت سمية سعيد دموعها في مكتب رابطة عائلات قيصر، وهي تقول: "عندما تفقد شخصاً، تعيش على الأمل، إذ تتخيل بأن الباب سيفتح في يوم من الأيام وسيدخل هذا الشخص منه، والآن بعد أن ضاع الأمل، لم يعد بمقدورك حتى أن تفكر باحتمال عودته، بل عليك أن تواصل حياتك، ولكن هل لدينا القدرة على المواصلة؟ لست أدري".

ثم وقفت وشكرتنا مرة أخرى لأننا أصغينا لها، وفي الخارج انتشر صوت الآذان في الشوارع، وبدأت حركة المرور تزداد شيئاً فشيئاً، أي أن يوماً آخر قد انقضى والبحث عن هؤلاء المفقودين والمختفين قسرياً مايزال جارياً.

 

 المصدر: The New Lines Magazine