بين العلم والفنّ والاختراع والاكتشاف.. ما تصنيف الرياضيات؟

تاريخ النشر: 08.01.2022 | 08:46 دمشق

تدور حول الرياضيات العديد من الأسئلة الجدلية التي يُعاد طرحها والنقاش حولها في كلّ زمان، مثل: هل الرياضيات اختراع أم اكتشاف؟ فنّ أم علم؟ علم أم ليست علماً؟ السؤال الأخير يعد السؤال الأكثر جدّية من بين الأسئلة السابقة، وسيُفاجأ الكثيرون بأنّ الإجابة هي: الرياضيّات ليست عِلمًا.

ويحقّ لهم الاستغراب من أنّ هذا الكيان المتماسك الذي يُدعى رياضيات ليس عِلمًا. فما الذي يمكن أن يكون علِمًا إذن؟

هل الرياضيات عِلم أمْ لا؟

إنّ قوّة وتماسك الرياضيات هي بالضبط ما يخرجها من خانة العلوم، إذ إنّ "قابلية النقض" هي صفة أساسيّة من صفات العلم، وهذا ما لا يمكن فعله مع الرياضيات، يقول آلبرت أينشتاين: "أحد الأسباب التي تعطي الرياضيّات قيمةً خاصّة فوق كلّ العلوم الأخرى هو أنّ قوانينها مطلقة الصحّة ولا تقبل الجدل".

كيف تعمل الرياضيات؟

يحلّل علماء الرياضيات الأنماط باستخدام أدمغتهم أو يكتبون على الورق وقد يستخدمون الحواسيب لمساعدتهم، وفي كثير من الأحيان يلاحظ الرياضي جزءًا صغيرًا من النمط أو "يتوقّع" وجود هذا النمط، فيخوض في طريقٍ طويل للبحث عنه، أو من أجل إثباته وتعميمه على مجالٍ واسع، وإحدى أهمّ الوسائل التي يسلكها هي "الأمثلة المضادّة" التي تُعتبر طريقًا سهلًا لإثبات فشل فرضيّة ما.

هذا الجزء من دراسة الرياضيات، أي الأمثلة المضادة، هو ما يخلق الالتباس ويجعلنا نظنّ أنّ الرياضيات تتبع المنهج التجريبي، لكن النقض في العلوم يؤدّي في كثير من الأحيان إلى نسف الحقائق واستبدالها، بينما لا يمكن أن يحصل هذا في الرياضيات، لم يحدث على مرّ العصور أنْ أتت نظريّة رياضية ومحت ما قبلها أو أضعفته أو شكّكت فيه، بل العكس، دومًا ما تأتي النظريّات الجديدة لتؤكّد ما سبق أن بني عليه.

هل الرياضيات من الفنون؟

كما يصعب علينا تعريف الرياضيات، كذلك الفنّ أيضاً. وقد يكون مفهوم الفنّ يشمل أوسع شريحة من المعاني على الإطلاق، وسنختار هنا أحد تعريفاته الذي يقول: "الفنّ هو خلق/ إبداع شيء جديد من لا شيء". فالفنان على سبيل المثال، يحوّل الألوان القابعة في العُلَب أو المواسير إلى لوحة تكاد تنطق، والراقص يحوّل حركات يديه وجسده من مجرّد عضلات تنقبض وتنبسط إلى حركاتٍ مضبوطة بإيقاع معيّن، وكذلك النحات والموسيقي وغيرهم.

بالنسبة لعلماء الرياضيات فهم مبدعون أيضًا بالطريقة نفسها، فهم يؤلّفون النظريّات من لا شيء، يخلقون بُنىً رياضية مذهلة وينشئون العلاقات فيما بينها، ويرفعون بنيانهم هذا شيئًا فشيئًا حتى يكاد يصبح فرعًا مستقلًا أو علمًا مستقلًا، انظر إلى جمال (التبولوجيا) ثمّ ارجع إلى أصلها، انظر إلى جمال نظرية الأعداد ثمّ احزر من أين بدأت!

الجمال عامل مهمّ جدًا في الرياضيات، نحن لا نقبل البراهين القبيحة، ولا نقبل الأجوبة العددية التي تبدو غير منتظمة، نبذل جهدًا كبيرًا لتحسين النواتج العددية وتوحيد شكلها العام، إنّ هوسنا بالجمال هو ما أنتج حلزون أولام ومثلث باسكال وأعداد ميرسين وأعداد ثابت.

هل حُسِم الأمر لصالح الفنّ؟

يؤسف القول إن المسألة لم تُحسم بعد لصالح الفنّ، فكما أنّ للعلم شروطه التي لم تستطع الرياضيات تحقيقها كلّها، كذلك الفنّ. فالرياضيات تفتقر إلى عنصر فنّي أساسي، هو الفهم الفطري!

الرياضيات هي شيءٌ ثالث مختلف عن العلم والفن، ومنهما. أو أنّها جسر يصل بين الاثنين، حيث تمثّل الكيان الأفضل لملء هذا المكان، كونها تحمل صفاتٍ منهما.

إذ يمكن لأيّ شخص في العالم –بشكلٍ عامّ- أن يستمتع بسماع مقطوعةٍ موسيقية أو قراءة رواية بديعة أو إدراك مدى براعة رسّام أو نحّات، أو جمال قصيدة شعر، لكن من الصعب أن يقنع أيّاً من هؤلاء بأنْ يقرأ هذا المقال عن الرياضيات مثلاً، أو أن يتابع محاضرة يلقيها ألمع علماء الرياضيات، إلا إذا كان ذلك الشخص لديه الحدّ الأدنى من المعرفة الرياضية.

ليس هذا فحسب، بل على العكس تمامًا؛ إذ لو أراد كارهو الرياضيات تشكيل حركة مناوئة للرياضيات لاستطاعوا حذفها من جميع المناهج الدراسية.

"العلوم الشكلية/ المجرّدة" والرياضيات

ربما يرغب بعضنا في القول ببساطة إنّ الرياضيات هي شيءٌ ثالث مختلف عن العلم والفن، ومنهما. أو أنّها جسر يصل بين الاثنين، حيث تمثّل الكيان الأفضل لملء هذا المكان، كونها تحمل صفاتٍ منهما.

ورغم أنّ هذا الوصف قد يكون مرضيًا وعادلًا، فإنّه يبقى غير رسميّ وخارج المنطق العلمي، ويُنظر إليه كجائزة ترضية. أمّا على الصعيد الرسمي، فقد توصّل المجتمع العلمي إلى تصنيف خاصّ بالرياضيات أطلقوا عليه: "العلوم الشكلية" Formal science. وهذا التعريب الذي اعتمد في ويكيبيديا، ولعلنا نجد أنّ مسمّى "العلوم المجرّدة" هو التعريب الأفضل والأدقّ. إذ تضمّ العلوم المجرّدة (الشكلية) كلاً من المنطق والرياضيات وعلوم الكومبيوتر النظرية ونظرية المعلومات ونظرية الألعاب والإحصاء وبعض اللغويات.

نلاحظ أنّ كل تلك العلوم عبارة عن فروع من الرياضيات، وهي تعتمد في تحديد صحّة النظريات على خصائص الأنظمة النظرية بناءً على التعاريف وقواعد الاستنتاج المنطقية.

ما الذي يدفع عالم الرياضيات إلى البكاء؟

إنّ الثبات والتماسك الموصوف أعلاه في الرياضيات يجعل أيّ دارسٍ للرياضيات على يقين تامّ بأنها لا تخطئ، ويجعله يبدو بمظهر المتطرّف السياسي أو الديني الذي لا يقبل انتقاد قناعاته ولا يغيّرها، وأنّ اختلاف نظرة الناس إلى الرياضيات عن رؤيته يولّد الكثير من المواقف التي تدفعه إلى البكاء.

فعلى سبيل المثال:

  • إثبات أنّ 1+1=1 المسألة الرياضية التي تُستخدم فيها حيلة سمجة هي القسمة على صفر.
  • ظهور نتيجة مسألة احتمالات سالبة أو أكبر من الواحد.
  • ظهور نتيجة مسألة نسبة مثلثية أكبر من الواحد المطلق.
  • وجود زاويتين قائمتين في مثلث مستوِ.
  • ناتج جمع ثلاثة أعداد فردية هو عدد زوجي.

على الصعيد الشخصي، وبوصفي مختصاً بالرياضيات؛ كنتُ أجادل على الدوام كل من يعرض مثل تلك المسائل وأحاول شرح الخطأ الذي يقع به، أو شرح استحالة حلّ "حزورة غبية" تفترض تقسيم ميراث مؤلف من عدد زوجي من الأشجار على ثلاثة أبناء بحيث يأخذ كلّ منهم حصصًا مؤلفة من أعداد فردية، ولكن في الغالب لم أكن أفلح، وأتّهم بعجزي عن حلها. لذا صار ردّي الدائم: "الرياضيات لا تخطئ. البشر يخطئون. آلتك الحاسبة تخطئ.. الرياضيات لا تخطئ".