في ظل مكافحة ظاهرة حرق القمامة التي أصبحت أمراً شائع الحدوث، برزت ظاهرة جديدة تركت مدينة حلب بين أعمدة الدخان، حيث عمد كثيرون لحرق الحشائش الطويلة في الحدائق وأطراف الأرصفة، بدعوى منع تجمع الحشرات والأوساخ، الأمر الذي أدى لنتائج صحية كارثية وشكاوى مستمرة من قبل المواطنين.
وشهدت مدينة حلب مع بدء فصل الصيف، انتشاراً كبيراً للبعوض والذباب نتيجة لانتشار القمامة والمساحات الخضراء غير المنظمة، لتكافح بلدية حلب الأمر برش المبيدات، في حين تستمر أزمة النظافة وسط أكوام القمامة المنتشرة هنا وهناك.
سحب دخانية
في كثير من الأحياء وخاصة في القسم الشرقي المدمر من المدينة، حيث تنتشر أنقاض المنازل المدمّرة والمساحات المهملة، تنتشر الأعشاب اليابسة على أطراف الأرصفة وفي المساحات الخالية، لتتحول في لحظة إلى حرائق تنثر الدخان الكثيف على المنازل.
ويروي سعيد ألجاتي القاطن في حي المرجة لـ تلفزيون سوريا، ما جرى معه قبل أيام عندما أصيب ابنه بحالة اختناق، نتيجة لتسرب الدخان إلى منزله، مشيراً إلى أن أكوام القش المنتشرة في محيط منزله، تحولت خلال دقائق إلى ألسنة لهب.
وتابع ألجاتي امتدت النيران التي بدأت في بقعة صغيرة إلى حافة الطريق، ولكون منزلي يقع في الطابق الأول، كان الدخان يتسلل بكثافة إلى المنزل رغم إغلاق النوافذ والأبواب (غير المحكمة)، فجأة بدأ أصغر أبنائي بالسعال بشدة وبدأت تظهر عليه أعراض الاختناق، وسط اتصال الجيران بالإطفاء لإخماد الحريق، خوفاً من وصوله لأعمدة الكهرباء الواقعة في ذات المنطقة، في حين أسعفت ابني إلى المشفى"، مشيراً إلى أن الحريق تسبب بانتشار (هباب الفحم/الشحوار) في المنازل، وتحولت جدران المبنى المحاذية لمكان الحريق إلى اللون الأسود.
في حين عبّرت السيدة إلهام عبيدو عن استيائها من ظاهرة الحرائق التي تعاني منها مدينة حلب، واصفة الوضع بـ المزري والخارج عن المألوف، وداعية الجهات المعنية للتدخل الفوري والعاجل لحل هذه المعضلة، من خلال القضاء على أسبابها المتمثلة بجزّ العشب وإنهاء مشكلة القمامة.
وكشفت السيدة عن إصابة بعض الأطفال بحروق في الأيدي والأرجل، بعد أن أقدموا على إشعال أكياس نايلون من كومة قمامة أشعلها أحدهم، لتتحول تلك الأكياس إلى قطرات من النايلون المذاب، أدت لإصابتهم بحروق متفرقة.
حريق وسط المدينة
يبدو أن ظاهرة الحرائق لم تقتصر على منطقة دون أخرى، فحتى مركز المدينة الذي من المفترض أنه يضم المباني الحكومية وعلى رأسها القصر البلدي/مبنى محافظة حلب لم يسلم من الأمر أيضاً.
يقول محمد قبواتي في حديث لـ تلفزيون سوريا: "قبل أيام أشعل أحدهم النار في الحديقة المجاورة لساحة جمال عبد الناصر سابقاً، وللعلم الحديقة لا تبعد أكثر من 300 متر عن القصر البلدي حيث يتواجد المحافظ، لقد بدأ الحريق مع غروب الشمس واستمر لنحو ربع ساعة، داهمت خلالها النيران مواقع حساسة وكادت أن تتسبب بكارثة، بعد وصولها إلى محولة تغذية كهربائية أرضية (بسط كهرباء) موجود في المنطقة، قبل أن يتدخل الموجودون لإخماده".
ولفت قبواتي إلى أن الحريق امتد على مساحة 30 متر مربع، وكاد أن يخرج عن السيطرة لولا التدخل في الوقت المناسب.
وعن ذات الحادثة، يؤكد عبد الله بركات أحد سائقي السرافيس لـ تلفزيون سوريا، المخاطر التي كاد أن يتسبب بها الحريق، حيث تحدث عن تناثر حشائش مشتعلة بفعل الرياح ودخولها إلى مداخل الأبنية المواجهة للحديقة وإلى داخل السيارات العابرة والمتوقفة.
أضرار أخرى
وبعيداً عن المخاطر الصحية والبيئية، تبرز إلى الواجهة الأضرار المادية التي تتسبب بها الحرائق، حيث اشتكى أصحاب المحلات خاصة محلات بيع الألبسة أيضاً، من تناثر هباب الفحم والتصاقه بالألبسة المعروضة، بشكل يجعلها غير قابلة للبيع بأي شكل من الأشكال.
وروى صادق علبي صاحب أحد محلات الألبسة في منطقة العبارة لـ تلفزيون سوريا، مدى خسائره التي تعرض لها، من جراء حرق الحشائش التي نبتت داخل أحواض من المفترض أنها مخصصة للورود والمزروعات.
وأضاف: "أدى الدخان والهباب المتطاير لتحول غالبية الألبسة المعروضة على (المانيكان) خارج المحل إلى اللون الأسود، خاصة الملابس ذات الألوان الفاتحة، إضافة لرائحة الحرق التي التصقت أيضاً بالألبسة في داخل المحل وخارجه، مشيراً إلى أن حجم خسارته تجاوز الـ 100 دولار أمريكي، فضلاً عن تغطية المنطقة بـ (الشحوار)، الذي بدأ يتناثر هنا وهناك مع كل نسمة هواء وفق تعبيره.
أمر واقع
مع بروز الحرائق كمشكلة عامة، كان هناك فئة تبرر إضرام النيران هنا وهناك بغض النظر عن المخاطر الناجمة عنها، وقد بررت تلك الفئة ذلك بما وصفته بـ (تقصير) الجهات المعنية في مهامها.
ويرى خالد. ك أن المواطنين باتوا مجبرين على اتباع هذه الطرق من أجل تنظيف أحيائهم التي ترزح تحت وطأة الإهمال، وذلك من مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)، لافتاً إلى أن المواطنين لجأوا لهذه الطرق لكونهم لايملكون آلات لجز العشب وجمع القمامة، وفي نفس الوقت بحاجة لتنظيف شوارعهم ومناطقهم.
أما علي حلّوم وهو أحد قاطني باب النيرب، فقد أكد أن الاهتمام غالباً ما يكون بالقسم الغربي من المدينة، في حين تُرك معظم القسم الشرقي الذي تعرّض للقصف والتدمير بعيداً عن حسابات المجلس البلدي، وبالتالي فإن (الحرائق) أصبحت جزءاً من عملية تعايش سكان هذا القسم مع الواقع.
في حين كشف طه حشيشو لـ تلفزيون سوريا، عن مخاطر أخرى ناجمة عن ترك القمامة والأعشاب في الأحياء السكنية، مشيراً إلى أن تلك الأكوام تحولت لمرتع للحشرات والبعوض والقوارض.
ولفت حشيشو لانتشار القوارض وعلى رأسها الفئران في الأحياء السكنية، حيث تختبئ تحت أكوام القمامة وبين الحشائش، لتخرج للتجول ليلاً أو تهاجم المنازل، داعياً المعنيين لمكافحتها في أسرع وقت ممكن.
مشكلات ثقافية ولوجستية
ووفقاً لمعنيين في مجلس مدينة حلب، فإن البلدية تبذل قصارى جهدها لضبط موضوع القمامة، وقد تم اتخاذ العديد من الخطوات كان آخرها، فرض غرامات مالية على كل من يخالف النظام العام، أو يسهم بشكل أو بآخر برمي القمامة في الشوارع بأي طريقة كانت، مشيرين إلى أن نسبة كبيرة من الشعب تفتقر لثقافة النظافة، وترمي الأوساخ عشوائياً رغم جميع المناشدات، وحملات التوعية التي تم إطلاقها لهذا الغرض.
وفي وقت سابق، كشف مجلس مدينة حلب عن مشكلات لوجستية تواجهه، وعلى رأسها قلة عدد عمال النظافة وعدم توفر الإمكانات لتغطية جميع مناطق حلب بشكل فعّال.
وفي ظل الوعود والقرارات المتخذة لضبط ملف النظافة وتحسين الواقع الخدمي في حلب، يأمل المواطنون بتطبيق أسرع للقرارات والبدء فعلياً بتنفيذ خطط تضمن حل المشكلات الخدمية عن طريق المعنيين، منعاً من أي تصرفات رعناء (بقصد أو بدونه) قد تؤدي بأي شكل من الأشكال لمخاطر على الصحة العامة والبيئة.


