بعد أكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب التي شنها نظام الأسد على الشعب السوري، وجدت النساء أنفسهن في قلب التحديات، حيث أصبحن عاملات، ومعيلات، وناشطات في مجتمعاتهن، مما جعلهن جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة البناء. فرضت الحرب واقعًا جديدًا أجبر النساء على دخول سوق العمل لتعويض غياب الرجال بسبب الإخفاء والقتل والاعتقال والتهجير وغيرها من جرائم النظام المخلوع، فبرزن في مجالات حيوية مثل الزراعة، والتجارة، والتعليم، والصحافة، كما قدن مشاريع صغيرة وساهمن في العمل الإغاثي لمساعدة المتضررين. إضافةً إلى ذلك، لعبت النساء دورًا أساسيًا في الحفاظ على النسيج الاجتماعي وتعزيز جهود المصالحة المجتمعية، وشاركن في المجالس المحلية والمنظمات المدنية، رغم التحديات التي تواجههن.
إلى جانب ذلك، اضطرت النساء إلى تولي مسؤوليات لم تكن مألوفة لهن قبل الحرب، حيث أصبحن المسؤولات الوحيدات عن إعالة أسرهن في ظل غياب المعيل التقليدي. هذا التحول القسري في الأدوار الاجتماعية أدى إلى تغييرات كبيرة في بنية المجتمع السوري، مما يطرح تساؤلات عن استدامة هذه الأدوار بعد انتهاء الصراع، ومدى قدرة النساء على الاحتفاظ بالمكاسب التي حققنها في ظل بيئة اجتماعية وقانونية تقليدية.
ورغم هذا الدور المحوري، لا تزال محاولات تهميش المرأة وإقصائها من مواقع صنع القرار مستمرة، مما يشكل خطرًا حقيقيًا على استقرار المجتمع ومستقبله، حيث يؤدي إبعاد النساء إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، ويحدّ من فرص إعادة الإعمار والتنمية. إن إقصاء المرأة في هذه المرحلة الحرجة لن يكون مجرد انتهاك لحقوقها، بل سيؤدي إلى إضعاف المجتمع بكامله وتأخير عملية التعافي. إن إشراك النساء في عملية صنع القرار ليس رفاهية، بل هو شرط أساسي لإعادة بناء سوريا بشكل عادل ومستدام.
اتفاقية "سيداو" وفشل التطبيق
في الوقت الذي تغنت فيه حكومة النظام المخلوع بدعمها لحقوق المرأة، صدق نظام الأسد عام 2003 على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وعلى الرغم من تحفظه على بعض بنود الاتفاقية، فإنه لم يلتزم حتى بتطبيق البنود التي وافق عليها على أرض الواقع بحجة "محاربة الإرهاب"، استخدم النظام هذه الذريعة لعدم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لحماية وتمكين المرأة، بل استمرت الانتهاكات ضد النساء في السجون والمجتمع على حد سواء.
التمييز القانوني ضد المرأة لا يقتصر فقط على غياب التطبيق الفعلي للاتفاقيات الدولية، بل يتجلى أيضًا في القوانين المحلية التي لا تزال مجحفة بحق النساء. فلا تزال المرأة السورية تعاني من قوانين الأحوال الشخصية التمييزية، والتي تمنح الرجال السلطة الأكبر في مسائل الزواج، والطلاق، والحضانة. إضافة إلى ذلك، تواجه النساء عراقيل قانونية واجتماعية تحدّ من قدرتهن على المساهمة الاقتصادية الفاعلة، حيث تظل فرص العمل والترقي المهني محدودة أمامهن مقارنة بالرجال.
تقول نور سلام الناشطة في المجتمع المدني عن العراقيل الاجتماعية لموقع تلفزيون سوريا: إن الأعراف والتقاليد في سوريا تحول دون وصول المرأة إلى أماكن صنع القرار، ذلك بسبب الوصمة الاجتماعية التي يلحقها المجتمع بالمرأة التي تدخل المعترك السياسي على وجه الخصوص، كذلك بسبب عدم تقاسم الدور الرعائي بين الأب والأم في الأسرة وتوكيل الأم بمهمة الرعاية بشكل كامل مما يجبرها على أخذ إجازات طويلة في حالة الإنجاب في حين لا يضطر الرجل إلى ذلك، فالنساء عملن في جميع المجالات لكن الرجال ما زالوا بعيدين عن الدور الرعائي إلى حد كبير ومجحف وهذا ما حال دون وصول المرأة إلى مبتغاها نتيجة للضغط المجتمعي الكبير.
الدستور السوري ومشاركة المرأة
سابقًا وعلى الرغم من وجود نساء في بعض المناصب الحكومية والمنظمات، فإن وجودهن بقي شكليًا، من دون وجود فعلي في أماكن صنع القرار. ظلت السلطة الفعلية في يد النخب التقليدية من الرجال أو النساء التابعات لأجندات سياسية غير مستقلة وتتبع للنظام بشكل علني ومباشر والتي تكرس إقصاء المرأة من مواقع التأثير الحقيقي. فكثير من النساء اللاتي تم تعيينهن في مناصب رسمية لا يمتلكن أي سلطة فعلية، بل استخدم وجودهن كواجهة تجميلية لتلميع صورة النظام المخلوع أمام المجتمع الدولي.
على سبيل المثال، رغم وصول نسبة المقاعد البرلمانية التي تشغلها النساء إلى 12% بحلول عام 2012، فإن هذه النسبة لم تنعكس على تمكين حقيقي للمرأة في المجالات السياسية أو الاقتصادية. فالنساء اللواتي تم تعيينهن في مناصب رسمية غالبًا ما كنّ يفتقرن إلى السلطة الفعلية، وكان وجودهن يهدف إلى تحسين صورة النظام أمام المجتمع الدولي من دون إحداث تغيير جوهري في سياسات تمكين المرأة.
هذا التوجه الشكلي في تمثيل المرأة أدى إلى استمرار التمييز القانوني والاجتماعي ضدها، حيث بقيت القوانين المحلية، مثل قوانين الأحوال الشخصية، تمييزية وتحد من حقوق النساء، مما يعكس الفجوة بين التمثيل الشكلي والتمكين الحقيقي للمرأة في سوريا.
المرأة السورية ومؤتمر الحوار الوطني
يقول الأستاذ رامي هاني الخير وهو محام وناشط في المجتمع المدني لموقع تلفزيون سوريا: "قام النظام البائد بتعيين سيدات بمفاصل حساسة لصنع القرار لكن كانت هذه السيدات بمثابة "إكسسوار" لنظامه، وأعتقد أن هذه الطريقة بالتعيين كانت مخالفة للدستور عام 2012 والدستور السابق عام 1973 وعام 1950 حيث كل هذه الدساتير كانت تقضي بالمساواة في فرص العمل والتمثيل السياسي بعيدًا عن الجندرة، من الأمثلة على الوجود الوهمي للنساء هو وجود سيدة مثل نجاح العطار حيث لم أرَ أي فائدة لوجودها طوال العشر سنوات الأخيرة مثلًا؟ أو بثينة شعبان أيضًا.. وكذلك هدية عباس رئيسة مجلس الشعب التي تمت إقالتها بين ليلة وضحاها ومن دون مبرر واضح!".
إضافة إلى ذلك، لا تزال المرأة السورية إلى يومنا هذا تواجه تحديات كبيرة في المجال السياسي، حيث يتم استبعادها بشكل منهجي من مواقع صنع القرار وتجلى هذا التمييز بمؤتمر الحوار الوطني المنعقد أخيراً، فكما شهدنا اللجنة التحضيرية للمؤتمر اقتصرت على امرأتين من أصل سبعة وكذلك الجلسات الحوارية كان وجود النساء فيها قليلًا جدًا يكاد يكون معدومًا في بعضها وفي بعضها الآخر كان مهمشًا رغم وجود النساء في الجلسات فإنه لم تُمنح النساء فرص متساوية مع الرجال ضمن الجلسات الحوارية.
فعلى الرغم من أن بعض النساء نجحن في الانخراط في العمل السياسي عبر المجالس المحلية أو المنظمات المدنية، فإن تأثيرهن يظل محدودًا، بسبب البنية الأبوية العميقة في المجتمع السوري والتي تكرّس الأدوار التقليدية للجنسين.
أما عن الإدارة الجديدة للبلد فيقول الأستاذ رامي الخير: "الإدارة الجديدة للبلاد تستعمل النهج نفسه للنظام البائد وهو اختيار سيدات "إكسسوار" مثل السيدة عائشة الدبس والتي أراها أول من أقصى المرأة عبر تصريحاتها الواضحة جدًا وبرأيي لم يكن لنساء سوريا منذ عام 1980 وإلى هذه اللحظة أي أثر سياسي بسبب أفعال السلطات المتلاحقة".
بيئة تشريعية عادلة
"يجب أن تشغل النساء أدوارًا مهمة بناءً على كفاءتها لا بناءً على علاقاتها أو تبعيتها لخدمة أجندات معينة".
الأستاذة كريمان الباشا، محامية ومهتمة بالشأن العام لضمان مستقبل مستقر لسوريا، تقول لموقع تلفزيون سوريا: إنه لا بد من اتخاذ خطوات حقيقية لدعم المرأة السورية عبر توفير بيئة تشريعية عادلة، وتعزيز مشاركتها في الاقتصاد والسياسة، ودعم مشاريعها، وضمان تمثيلها في مواقع القيادة.
وتضيف أولًا، يجب تعديل القوانين المحلية بما يضمن المساواة الفعلية بين الجنسين، وإلغاء جميع المواد التمييزية في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعمل.
ثانيًا، ينبغي تعزيز دور النساء في المجال السياسي عبر آليات تضمن تمثيلهن الحقيقي في مراكز صنع القرار، مثل تخصيص حصص للنساء (الكوتا) بدايةً في الهيئات الحكومية والمجالس المنتخبة.
ثالثًا، لا بد من تمكين النساء اقتصاديًا من خلال دعم المشاريع النسائية الصغيرة، وتقديم تسهيلات ائتمانية تمكنهن من تحقيق الاستقلال المالي، إلى جانب توفير بيئة عمل آمنة تحميهن من التحرش والاستغلال عن طريق دستور وقوانين صارمة لا يمكن التلاعب بها ولا التهاون في تطبيقها.
رابعًا، يجب تعزيز دور المجتمع المدني في رفع الوعي حول أهمية مشاركة المرأة، وتشجيع الأجيال القادمة على تجاوز الصور النمطية التقليدية التي تحدّ من إمكانات النساء في الوصول إلى مواقع القيادة.
وترى أنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية من دون دمج النساء في عملية إعادة الإعمار وتمكينهن من أداء دور فاعل في بناء مستقبل البلاد. وتشدد على أن النهوض بالمرأة ليس مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة مجتمعية لضمان العدالة والاستقرار والتنمية المستدامة.