icon
التغطية الحية

بين الركام والبرد.. كيف يعيش العائدون في حمص؟

2026.02.18 | 11:59 دمشق

أمام ماكينة الخياطة: بيان تدرس ابنتيها وترشدهما لتأدية واجباتهما المدرسية في بيت العائلة بعد عودتهم إلى بلدهم
أمام ماكينة الخياطة: بيان تدرس ابنتيها وترشدهما لتأدية واجباتهما المدرسية في بيت العائلة بعد عودتهم إلى بلدهم
The International Rescue Committee- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تواجه الأسر العائدة إلى حمص والقصير تحديات كبيرة في تأمين الاحتياجات الأساسية بسبب تدمير البنية التحتية وعدم استقرار الخدمات الأساسية، مما يزيد من معاناتهم خاصة في فصل الشتاء.
- رغم الصعوبات، تمكنت بعض الأسر مثل عائلة بيان ومحمد من إعادة بناء حياتهم من خلال استغلال مهاراتهم في الخياطة والبناء، مما يعكس قصص الأمل والمثابرة.
- تسعى اللجنة الدولية للإنقاذ بدعم من الاتحاد الأوروبي إلى تحسين الخدمات الصحية والاجتماعية وتقديم برامج تدريبية للأهالي، مع خطط لتوسيع نطاق المساعدات للعائدين.

في مدينة حمص والمدن القريبة منها مثل مدينة القصير، تعاني بعض الأسر التي عادت إلى بلدها من عسر في تأمين احتياجاتها الأساسية اليومية، فالبيوت ماتزال مدمرة أو أنها لم ترمم إلا بصورة جزئية، وعملية ترحيل الركام الذي يملأ الشوارع تتم بوتيرة بطيئة، أما خدمات الكهرباء والماء والصحة فماتزال غير ثابتة.

والآن، وبعد أن دخلنا فصل الشتاء، صار الأطفال يمرضون من دون أن يتمكنوا من الحصول على دواء أو أن يحصلوا على رعاية صحية في مرافق طبية موثوقة، وأصبحت الأمهات يقلقن بشأن التدفئة مع قلة الوقود، أي أن كل تلك الندوب العاطفية التي حملنها طوال عقد ونيف من النزاع والنزوح ماتزال موجودة. إلا أن عائدين مثل بيان ومحمد عثرا على سبل تبقي الحياة مستمرة، فقد سجلا أطفالهما في المدرسة، وأعادا بناء بيتهما، ووجدا سبلاً جديدة لتحصيل الرزق.

Al-Qusayr, Homs province, Syria. Mohammad, 38, walks with his older son Adam toward school. For Syrian families like theirs, education is a vital pathway to hope, stability, and a brighter future despite the challenges of return.

محمد يوصل ابنه الكبير آدم إلى مدرسته بعد عودتهم إلى بلدهم

طريق بيان إلى الوطن

نزحت بيان، 32 عاماً، مع أسرتها من القصير في عام 2013 بعد سقوط قذائف على مركز الإيواء الذين كانوا فيه، فحملت بيان عمتها المصابة لمسافات طويلة بحثاً عن بر الأمان. وفي مخيم غير رسمي بلبنان، وضعت مولودها الرابع في الخيمة، وصارت تجلب الماء إلى خيمتهم بشكل يومي، وفي بعض الأحيان كانت تضطر إلى إحراق الدفاتر من أجل التدفئة. وتتذكر تلك المرحلة من حياتها بقولها: "كان البرد قارساً بحق، إذ إننا لم نعش مثل هذا البرد بحياتنا".

 

Al-Qusayr, Homs province, Syria. Bayan, 32, is seen sewing at home under her mother’s tutelage. “My mother used to work as a seamstress, but she can’t anymore so she taught me.… I’m the only breadwinner in the family now, supporting around ten people through sewing,” Bayan explained.​

بيان تعمل في الخياطة بإشراف والدتها

 

وعند عودتها إلى بيت أمها المنهوب في حمص، عملت بيان خياطة كونها المعيل الوحيد للأسرة، ولكن عندما لاحت بوادر الشتاء، كانت الأبواب ماتزال مكسورة، ولا يوجد لديهم وقود للتدفئة. وخلال فترة النزوح في لبنان، حضرت والدة بيان جلسات دعم نفسي واجتماعي إلى جانب دورات الخياطة في أحد مراكز لجنة الإنقاذ الدولية الممولة من الاتحاد الأوروبي، كما شاركت ابنتها في نشاطات مخصصة للأطفال وذلك لمساعدتهم على بناء ثقتهم بأنفسهم، وخضعت بيان لدورات في مجال مهارات التواصل والحاسوب والخياطة، إلى جانب تطوعها وعملها في مشاريع تعليمية مخصصة للأطفال، وعن ذلك تقول: "تعلمت كثيراً من اللجنة الدولية للإنقاذ حول كيفية التعامل مع الأطفال والتواصل مع الأهالي"، ولذلك تتعهد اليوم بعدم ترك بلدها بعد اليوم مهما حصل.

 

Al Qusayr, Homs, Syria. “We had imagined one thing, but when we arrived, we found something completely different. You come in with a sense of shock. Nothing about the situation was normal,” said Bayan on returning home.

بيان في بيتها بعد عودتها إلى وطنها

قرار محمد بإعادة البناء

رحل محمد، 38 عاماً، عن القصير بسبب النزاع، وعند وصوله إلى بر الأمان بلبنان، عمل بدوام يمتد لـ12 ساعة مقابل أجر زهيد ليعيل أسرته، وعن ذلك يقول: "كنا بالكاد نتدبر أمورنا كل شهر"، إلا أن ذلك كان قبل أن يعود محمد وأسرته إلى مدينتهم حمص التي استحالت إلى ركام اليوم. وبعد أن هاله منظر الشوارع الخاوية في مدينته التي فقد فيها كثيرين من أحبائه، عمل على ترميم بيت شقيقه الراحل، كما افتتح متجره من جديد، وساعد في بناء ملعب كرة قدم للأطفال وذلك إحياء للمجتمع الذي يعرفه.

 

Al-Qusayr, Homs province, Syria. Mohammad, 38, balances a football on the field he helped restore with other returnees for local children.

محمد في ملعب كرة القدم الذي ساهم بإعادة بنائه

 

تحدثنا والدة محمد عن وضعهم، فتقول: "إننا نتجمد من البرد، إذ حتى الآن لم نؤمن الوقود أو المدفأة". في لبنان، شاركت زوجة محمد في ورشات تربوية مخصصة للآباء والأمهات تقدمها اللجنة الدولية للإنقاذ، وهذه الورشات علمت الأهالي طريقة التعامل مع الأبناء وإدارة التوتر بعد النزوح. ويتذكر محمد الأثر الإيجابي لذلك لأنهم ساعدوا الأسر النازحة على استعادة استقرارها، ولهذا يقول: "قدمت اللجنة الدولية للإنقاذ برامج مثل تعليم الأهالي أسلوب التعامل مع الأبناء، فاستفاد منها كثير من الناس، وسوريا الآن بحاجة لوقوف العالم بأسره معها".

 

Al-Qusayr, Homs province, Syria. Bayan's mother puts old textiles into the stove for heat. Since fuel remains scarce and costly, families like Bayan’s  often have to burn whatever they can find to stay warm.

والدة بيان تحرق أقمشة بغرض التدفئة

تزايد الاحتياجات بين صفوف العائدين

خلق سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 حالة تفاؤل حذر بين السوريين والسوريات تجاه فكرة تحقيق سلام دائم أخيراً، إلا أن المشهد الأمني للبلد مايزال متقلباً، والاحتياجات الإنسانية فيه كبيرة. فإلى جانب انهيار الاقتصاد، مايزال 90% من الشعب السوري يعيشون في فقر، و16.5 مليوناً منهم يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء. وفي الوقت ذاته، تراجع التمويل الإنساني والتنموي المخصص لسوريا، إذ في عام 2025 لم يمول سوى 36% من خطة الاستجابة الإنسانية لهذا البلد.

وعلى الرغم من هذه المصاعب، فإن آلاف الأسر والعائلات مثل عائلة بيان ومحمد عادت إلى حمص اليوم بعد سنوات طويلة أمضتها في النزوح سواء داخل سوريا أو خارجها. ومع عودة مزيد من الناس إلى بيوتهم القديمة، زاد الطلب بشكل كبير على الرعاية الصحية وعلى الدعم المخصص للصحة النفسية وعلى خدمات الحماية. إلا أن تجهيزات المشافي السوري ماتزال ضعيفة كما لا يوجد لديها سوى عدد ضئيل من الأطباء، ونقص كبير في المستلزمات الطبية. ولا تتوفر مساحات آمنة للأطفال حتى يلعبوا فيها ويتعافوا من الصدمات التي أصابتهم. وتعيش النساء مخاطر متزايدة في مجال العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع عدم وضوح مسارات المساعدة في هذا المضمار. ولهذا تحاول اللجنة الدولية للانقاذ سد تلك الفجوات عبر التعاون مع الآباء والأمهات السوريين، إذ تعمل كوادرها على توفير الاستشارات الطبية، والولادات الآمنة، والدعم النفسي والعقلي والاجتماعي، ومايلزم من الأدوية غير المتوفرة في المجتمعات السورية.

 

Al-Qusayr, Homs province, Syria. Mohammad’s mother Halima sits with her grandson Taym, and an IRC caseworker during a home visit.

والدة محمد تحمل حفيدها تيم أثناء لقائها بإحدى العاملات لدى اللجنة الدولية للإنقاذ عند زيارتها لبيتهم

 

كيف تدعم اللجنة والاتحاد الأوروبي المجتمعات السورية

بدعم من برنامج المساعدات الإنسانية الأوروبي، تدعم اللجنة الدولية للإنقاذ 12 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء سوريا، كما هنالك تعاون بين اللجنة والمنظمات الشريكة مثل الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز) ومؤسسة الأمل الدولية للعمل الإنساني والتنمية. وتضم تلك المرافق ثلاث مستشفيات، وثمانية مراكز للرعاية الصحية الأولية، ووحدة طبية متنقلة. وتغطي الخدمات الرعاية الصحية الأولية وتلك التي تقدم في المشافي، والرعاية المخصصة للأمهات وحديثي الولادة، ودعم الصحة العقلية والدعم المقدم على المستوى النفسي والاجتماعي. وفي حمص وشمال غربي سوريا، تقدم اللجنة الدولية للإنقاذ عمليات إدارة الحالات بالنسبة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب جلسات الدعم النفسي والاجتماعي، وتدريب النساء على مهارات الحياة، وقضايا حماية الطفل، وبرامج مخصصة لتطوير مهارات الآباء والأمهات في رعاية الأبناء والبنات، مع تحسين روابط الوصل بين الصحة الجنسية والإنجابية وبرامج مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.

 

واليوم، تواصل اللجنة تعاملها مع العائلات العائدة مثل عائلة بيان ومحمد وذلك عبر نشر رسائل توعوية وأماكن تقديم الدعم الضروري لتلك العائلات. ففي حمص حيث تقدم اللجنة الدولية للإنقاذ خدمات الحماية والصحة، تسهم تلك المساعي في حصول العائلات على ما يحتاجونه ليندمجوا من جديد مع المجتمع.

ويمكن لمزيد من التمويل الأوروبي والدولي أن يدعم اللجنة في زيادة مساعيها بهدف الوصول لكل العائدين وتوفير ما يلزمهم من استشارات صحية، وحماية ومساعدات تقدم في فصل الشتاء، مع تمكينهم في الحصول على مصدر للرزق. ومع استمرار الدعم، تأمل بيان ومحمد بتحقيق حلمهما وهو سوريا مزدهرة حيث يمكن للأهالي إعادة بناء حياتهم بأمان.

 

المصدر: The International Rescue Committee