بين الدولة والأسرة

بين الدولة والأسرة

الصورة
13 شباط 2019

بدأ مفهوم الدولة في أوروبا ينفصلُ عن مفهوم الحاكم، سواءٌ أكان ملكاً أم قيصراً أم أميراً، بشكل تدريجيّ بعد ثورة البرلمانيين الإنكليز عام 1688 المسمّاة الثورة المجيدة (Glorious Revolution)، وبدأ معها إعلان الحقوق، الذي أصدره البرلمان الإنكليزي في العام التالي، يأخذ مفعوله في تحرير الدولة من وحدتها مع الحاكم، فقد نصّ هذا الإعلان على اعتبار أنّ حق الملك بالتاج مستمّدٌّ من الشعب الممثل بالبرلمان وليس من الله، وأنّه ليس للملك وقف تنفيذ القوانين أو إلغاؤها أو إصدارها دون موافقة البرلمان، كذلك الأمرُ بالنسبة للضرائب وتشكيل الجيش وإعلان الحرب. ثم أتت الثورة الفرنسيّة لتنشر مبادئها عبر أوروبا وأميركا ثم العالم بأكمله.

لقد كان لانفصال مفهوم الدولة عن شخص الحاكم، أكبر الأثر في تطوّر المجتمعات الغربيّة، فهذا الانفصال كان نتيجة حتميّة لتغيّر طبيعة علاقات الإنتاج التي بدأت تنتقل من مرحلة الزراعة والإقطاع، إلى مرحلة الصناعة ورأس المال، وكان -الانتقال- أيضاً سبباً في تعزيز سلطة الحكّام الجدد الذين بدأوا يشعرون بقدرتهم على الحكم مباشرة باسم الشعب لا باسم الله، ولا ضير من أن يأخذ الناسُ

تغيّر شكل الأسرة وتغيّر دورها في المجتمع وتغيّرت مسؤولياتها بالنتيجة، تغيّرت كذلك العلاقات الاجتماعيّة بين الناس بعضهم البعض، وبين الناس وأجهزة الدولة ذاتها

بعضاً من حقوقهم، في معرض استلام أصحاب رؤوس الأموال زمام السلطات، فقد ثبت لهم بالتجربة وعاماً بعد عام، أنّ هذا الأمر سينعكس بشكلٍ إيجابي بلا أدنى شك على مستوى الإنتاج ذاته.

أدّى هذا التحوّل عبر عشرات السنين، إلى تغييرات كبيرة في بنية المجتمعات الغربيّة، فتغيّر شكل الأسرة وتغيّر دورها في المجتمع وتغيّرت مسؤولياتها بالنتيجة، تغيّرت كذلك العلاقات الاجتماعيّة بين الناس بعضهم البعض، وبين الناس وأجهزة الدولة ذاتها. لقد بدأت تتقلّص مسؤوليات الأسرة شيئاً فشيئاً، وبالمقابل بدأت تزداد مسؤوليات الدولة والأعباءُ الملقاة على عاتقها.

لفهم نموذج الأسرة الأوروبيّة ومسؤولياتها الكبيرة قبل قرنين أو ثلاثة، يمكننا أن ننظر إلى الأسرة في دول العالم الثالث بكلّ بساطة. في أي بلد من بلداننا، تتحمّل الأسرة مجتمعة، وبالدرجة الأولى الأب ومن ثمّ الأم أي العنصر المنتج فيها، مسؤولية تأمين أسباب الحياة كلّها. ويمكن اختصار هذا الأمر بما شرحه فقهاء الشريعة الإسلامية في معرض تفسيرهم للنصوص المتعلّقة بالنفقة، فيتوجّب أن تتضمّن تأمين احتياجات المرء من الغذاء والدواء والكساء والإيواء، وهذا ما تتعهّد بتأمينه وتؤمّنه فعلاً الدولة الحديثة في أوروبا حالياً عند عجز الإنسان عن العمل.

تتلخص احتياجات الإنسان، حسب الرسم البياني الذي قدّمه العالم أبراهام ماسلو في بحثه المسمّى "نظريّة الدافع البشري"، في الاحتياجات الفيزيولوجية من مأكل ومشرب ومسكن، واحتياجات الأمان من استقرار وصحّة، والاحتياجات الاجتماعية المتعلّقة بالأسرة والصداقة، والحاجة للتقدير والاحترام من الآخرين واحترامهم، والحاجة لتقدير الذات.

يمكننا ببساطة القول: إنّ الدولة في المفهوم الاجتماعي التكافلي الحديث قد أمّنت للإنسان، أيّ إنسان مقيم على أراضيها وتحت سيادتها – وليس للمواطن فقط – كلّ الاحتياجات الأساسيّة حسب هرم ماسلو، كما يمكننا القول بكلّ ثقة إنّها -الدولة الحديثة – قدّ وفّرت للإنسان بلا أدنى شك أسباب إشباع الحاجة لتحقيق الذات، التي تتربّع على قمّة هذا الهرم، أي القدرة على الإبداع والابتكار وقبول الاختلاف والحقائق.

بينما في بلدان العالم الثالث، لم يعهد الناسُ التعامل مع الدولة ككيان إيجابي أبداً، لقد كانت الدولة وما زالت، رمزاً للسلطة وجهازاً للقمع وجابٍ للأموال، لم تتشكّل في أذهاننا للدولة صورة أخرى غير تلك. الدولة هي القادرة على احتكار العنف وممارسته، هي القادرة على كتم الحريّات والمعتقدات، هي القادرة على بناء السجون وتعليق المشانق، هي القادرة على مصادرة الأملاك أو استملاكها بأبخس الأثمان، هي رمزٌ لكلّ ما هو جبريّ وواجب على الإنسان القيام به. بينما لا يدخل في مفهوم الدولة خدمة المواطن أبداً، فليس ثمّة مواطن في الدول المحكومة بالاستبداد، هناك رعايا فقط، والرعايا يقبلون بما يمنّ عليهم به الراعي، والراعي مازال يحكم باسم الله، وفي بعض البلدان ينصّب نفسه مكان الإله.

لتعويض هذا النقص في تلبيّة الاحتياجات، يتضخّم دور الأسرة في مجتمعاتنا، فيصبحُ كلُّ جيل عالةً على الجيل الذي يسبقه، ولا يستطيع أفرادُ أية طبقة من طبقات الآباء أو الأبناء أو الأحفاد، العيش لتحقيق احتياجاته وتطلعاته الذاتيّة، بل نجد كل فئة من هذه الفئات، تعمل لتحقيق الحدّ الأدنى لاحتياجات الفئة المسؤولة عنها. فعلى سبيل المثال، يتوجّب على أي أب أن يؤمّن لأسرته إضافة إلى المسكن والمأكل وأسباب الرعاية الصحيّة، أسباب استكمال التعليم حتى أعلى درجاته الجامعيّة، كذلك عليه أن يتعهّدهم بالرعاية والإنفاق خلال فترة العطالة المطلقة المتمثّلة في الخدمة العسكريّة الإلزامية (خدمة العلم)، ثم عليه أن يؤمّن لهم أسباب مباشرة الحياة، أي مورد الرزق، فيساعدهم على إيجاد فرصة العمل أو الحصول على الوظيفة، ثم يتوجّب عليه أن يؤمن لهم أو يساهم بدور كبير على الأقل في مشاريع زواجهم، وهذا يتطلّب بالضرورة أن يساهم في تأمين المسكن وما يستلزمه من فرش واحتياجات ضروريّة أخرى. تتكرّر هذه الدورة الحياتيّة وتتابع بين الأجيال المختلفة، فلا الأجداد عاشوا ليحققوا احتياجاتهم ولا تيسّر ذلك للآباء، ولن يتيسّر للأبناء ولا للأحفاد.

يأتي هذا الحصادُ النهائي من حيث النتيجة، على شكل سلوكيّات اجتماعيّة تؤطر حياة الأفراد في مجتمعاتنا، فتتقلّص مساحة الحريّة الفرديّة بالضرورة لصالح مساحة العمل الجماعي المتمثّل في نظام الأسرة، فنجد الكثير من الاختلاف بين طبيعة الفرد في المجتمعات الغربية وبينها في مجتمعاتنا. الأب في الأسرة الغربيّة ليس إلهاً، ويمكن بكلّ بساطة الاستغناء عن دوره المادي في حال أراد أن يفرض سيطرته وآراءه وطريقة عيشه على الزوجة والأبناء، بالأساس لا تسمح مجمل الظروف الاقتصاديّة والاجتماعية ومجموعات القوانين والقيم السائدة لذلك أن يحدث.

بالمقابل، يتمتّع الأب في الأسرة عندنا بدور محوري لا غنى عنه، لذلك تترتّب له صفات وسلطات تتناسب ومسؤولياته الجمّة. من هنا يُطلق عليه باقتدار وصفُ ربِّ الأسرة، وهذه الصفة المُستنسخة من صفات الإله، تمنحه الكثير من الحضور المعنوي والسلطة الفعليّة المتحقّقة على أرض الواقع. يستطيع الأب – والأم بدرجة أقلّ مباشرة وأكثر مواربة – غالباً أن يقرر شكل حياة الأبناء، فإمّا أن يتابعوا الدراسة أو أن ينخرطوا في سوق العمل مباشرة. كذلك يستطيع أن يختار للأولاد شركاء حياتهم، أو على الأقل أن يعطّل اختيارهم أو يدفع باتجاه تبنّي اختيار ما، دوناً عن غيره.

بينما لا يستطيع الأب ولا تستطيع الأم في الأسرة الغربيّة – غالباً – التدخّل في اختيارات الأولاد هذه، فمساحة حياة الفرد هنا أكبر من مساحة حياة الجماعة، وقرار الفرد هنا وشخصيّته لا يمكن الاستحواذ عليها من قبل الأسرة أو غيرها من مؤسسات المجتمع. يتربّى الفرد هنا أساساً على الحريّة والفرادة والتألّق، فهو يشعر منذ الولادة بأنّه كائنٌ كامل الأركان وليس بحاجة لتكملة شخصيّته من قبل كيان خارجي أياً كان.

تحمل دولة المواطنة والتكافل الاجتماعي في مفهومها الغربي الحديث، الكثير من الأعباء الأساسيّة التي لا غنى عنها لاستمرار الحياة. تفرض الدولة من خلال قوانينها، احترام الحدّ الأدنى من الأجور، الذي يفي بغرض تأمين حياة كريمة آمنة لأي إنسان يعيش على أراضيها، كما تلتزم الدولة أساساً بتأمين البنى التحتيّة والمرافق العامّة اللازمة للإنتاج، وبالتالي توفّر فرص العمل لجميع الناس، كما تلتزم الدولة بتوفير أسباب تطوير قدرات الأفراد لتأهيل أنفسهم للانخراط في سوق العمل، وتؤمّن فوق ذلك كلّه أسباب العناية الجسديّة

الأسرة لبنة من لبنات المجتمع في دول المواطنة الحديثة، لها مساحتها المتوازنة مع دورها الوظيفي، بينما تشكّل وتحتلّ الأسرة في مجتمعات الدول المتخلّفة المحكومة بالديكتاتوريّات، أكبر من حجمها الطبيعي بكثير، بل تكاد تبتلع المجتمع بأسره

والنفسيّة، من خلال برامج التأمين الصحي والرعاية الطبيّة والعناية بالأطفال والمسنّين، كما من خلال برامج التأمين التقاعدي المكفولة بصناديق الدولة السياديّة. يتمّ ذلك كلّه من خلال نظام ضريبي متوازن ومن خلال عمليّة تخلو من شبهات الفساد والمحسوبيّات إلى أقصى درجاتها الممكنة.

بينما تتحمّل الأسرة في مجتمعاتنا العالم ثالثيّة هذه المسؤوليات، ويضيع الناتج الفردي، ضمن صحراء المتطلّبات الحياتيّة التي لا ترتوي، كما يضيع الناتج القومي للدول، ضمن وديان الفساد الهائلة، في سبيل تأبيد طغيان الاستبداد من حيث النتيجة والمحصّلة النهائيّة.

الأسرة لبنة من لبنات المجتمع في دول المواطنة الحديثة، لها مساحتها المتوازنة مع دورها الوظيفي، بينما تشكّل وتحتلّ الأسرة في مجتمعات الدول المتخلّفة المحكومة بالديكتاتوريّات، أكبر من حجمها الطبيعي بكثير، بل تكاد تبتلع المجتمع بأسره، خاصّة عندما ننظر إلها بمفهومها العائلي الأوسع، الذي يتداخل مع مفهوم العشيرة والقبيلة أكثر فأكثر، خاصّة كلّما اتجهنا إلى المناطق الريفيّة.

خلاصة القول، إنّ التداخل في بنية الأسرة ووظائفها مع بنية الدولة ووظائفها، لا ينقطع ولا يتوقّف، لكن ما يرسم حدوده وآفاقه وأشكال تجلّيه النهائية، هو طبيعة الحكم السياسي السائد بكلّ تأكيد، فكلّما اتسعت مساحة الحريّات العامّة والسياسية منها خاصّة، ومساحة مشاركة الناس في اختيار ممثليهم وحكّامهم، كلّما تقلّصت الحاجة لبناء مجتمع موازٍ ودولة مصغّرة تتمثّل في الأسرة، وكلّما قلّت أسباب هذه المشاركة، وانعدمت حريّات الأفراد، وتقلّصت مساحات وجودهم وحضورهم وإبداعهم، كلّما تغوّلت الدولة وتقلّص المجتمع وتفاقمت مسؤوليات الأسرة لتعوّض النقص وتسدّ الفراغ.

شارك برأيك