خلال الأسابيع الماضية، زار سوريا مندوبون أجانب رفيعو المستوى، وكان بينهم مسؤولون من فرنسا وألمانيا وقطر وروسيا والسعودية وتركيا وأوكرانيا والإمارات والاتحاد الأوروبي، ومعظم تلك الدول ترغب بأن يكون لها دور في إعادة بناء الدولة السورية، بيد أن التوجهات المختلفة للنصائح التي قدموها لم تكن متناغمة بالضرورة، ناهيك عن شكوكهم التي ماتزال قائمة حيال القيادة السورية الجديدة.
كان الانهيار المفاجئ لنظام بشار الأسد من أحدث الأمور التي غيرت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، والتي لم يتمكن أي أحد من التنبؤ بها، وذلك بعد أن رفضت إيران وروسيا أن تهبا لنجدته، كما أن صعود أحمد الشرع ترافق مع تدفق مطرد للرسائل والبيانات التي كان هدفها تطمين الشركاء الأجانب والبدء بعملية تطبيع معهم، على الرغم من السجل المريع الذي يحمله الشرع في مجال العنف بصفته قائداً لتكتل ثوري، كما عمد هذا الرجل خلال الأسبوع الماضي إلى تنصيب نفسه رئيساً لسوريا خلال المرحلة الانتقالية، وبالنتيجة، تلمست حكومات الدول الغربية الأمل في حكمه، بيد أن هذا الأمل ترافق مع شكوك أخرى.
إن الواقع الجديد الذي شكله تفسخ نظام الأسد الذي دام لمدة 54 عاماً خلق فرصاً أمام الدول الإقليمية والغربية، إذ سارعت إسرائيل لتدمير ما تبقى من الدفاعات الجوية والإمكانيات الصاروخية لدى القوات المسلحة السورية ضمن سلسلة من الغارات الاستباقية التي شنتها في مطلع شهر كانون الأول الماضي، أما تركيا فقد كثفت عملياتها التي تستهدف القوات الكردية في الشمال السوري كما أرسلت مبعوثيها إلى دمشق لتدعم أولوياتها هناك، في حين سعت دول الخليج لمساعدة هذا البلد في إعادة بناء نفسه من جديد إلى جانب القضاء على النفوذ الإيراني.
السباق الدبلوماسي
وفي خضم معمعة الزيارات، تحرك الاتحاد الأوروبي بسرعة نسبية، إذ شاركت كايا كالاس وهي أرفع مسؤولة أوروبية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في اجتماع العقبة الذي عقد بتاريخ 14 كانون الأول، في حين أجرى وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا زيارة مشتركة إلى دمشق في الثالث من كانون الثاني، عقب زيارة أجراها وزير الخارجية الإيطالي في العاشر من كانون الثاني وبعد زيارة للمفوضة الأوروبية المعنية بالمساواة والجاهزية وإدارة الأزمات في 24 كانون الثاني، وفي تلك الزيارة أعلنت المفوضة خديجة لحبيب عن حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 235 مليون يورو مخصصة لسوريا، كما ناقشت مسألة رفع العقوبات عن سوريا بهدف: "تشجيع السلطات الجديدة على بناء سوريا قائمة على التشارك تجمع بين كل مواطنيها، وكل التنوع الموجود فيها.. بما إننا نريد أن نرى مراعاة واحتراماً لحكم القانون ولحقوق الإنسان وحقوق المرأة".
ونتيجة لتلك المحادثات الدبلوماسية وغيرها من الجهود، نجحت كالاس في الحصول على اتفاق مبدئي من مجلس وزراء الخارجية الأوروبيين في 27 كانون الثاني وذلك لإلغاء قسم من العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا كبادرة حسن نية، وذلك بناء على فرض أن دمشق ستتخذ خطوات إيجابية، كما نوقشت ترتيبات ذلك بالتفصيل بهدف الموافقة على تلك الأمور في 24 شباط الجاري.
معوقات أمام رفع العقوبات
غير أن تراكم بعض الأولويات يعيق العمل على هذا الملف، فقد ركزت بعض الحكومات الأوروبية على احتمال عودة تنظيم الدولة الإسلامية في حال عدم تولي القوات الكردية السورية لأي دور في شرقي سوريا، وكذلك في حال قررت واشنطن أن تعجل من سحب قواتها من تلك المنطقة، فيما ركزت دول أخرى على حق استغلال النفط والغاز في شرقي المتوسط، وألحت كثير من الدول على استعادة دمشق للسيطرة على كامل التراب السوري، فيما أبدت كثير من الدول قلقها من دفع الاتحاد الأوروبي لفاتورة إعادة الإعمار في سوريا من دون أن يكون لها رأي بقضايا أساسية في ذلك البلد.
"استغلال اللحظة"
أما خارج الاتحاد الأوروبي، فقد حددت دول مثل إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة أهدافها، إذ تجلت المطامح التركية عبر تدفق الزوار على دمشق منذ مطلع كانون الأول 2024، وكان على رأسهم رئيس الاستخبارات، ولفيف من الوزراء بينهم وزير الخارجية، ومسؤولون عسكريون رفيعو المستوى، وهدفهم على حد وصف بعض الناس هو: "محاولة استغلال اللحظة"، وذلك لأن أنقرة ترغب بالتخلص من وحدات حماية الشعب الكردية، وإقناع اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا بالعودة إلى بلدهم، ومتابعة القوات الخاصة الغربية وهي ترحل عن شرقي سوريا، كما يرغب الأتراك أيضاً بالمساهمة في إعادة تشكيل الجيش الوطني السوري الموحد عبر رفده بالعتاد التركي، إلى جانب دفع قطاع الإنشاءات التركي للمشاركة في إعادة بناء البنية التحتية السورية والإسكان وذلك بتمويل أجنبي، مع احتمال عقد اتفاق يمنح تركيا حق استغلال المياه المجاورة لمياهها الإقليمية، وكل هذه الأهداف لا تعتبر محايدة بنظر الاتحاد الأوروبي.
مهمة جسيمة تنتظر القيادة الجديدة
إن القيادة السورية الجديدة هي من سيتخذ القرارات السياسية المفصلية في دمشق بنهاية الأمر، وهذه القيادة أمامها مهمة جسيمة، لأن عليها أن تعيد عملية إدارة الدولة إلى نصابها بكل ما فيها من تنوع، إلى جانب توفير الغذاء لكامل الشعب، وإعادة إعمار البنية التحتية والمساكن، وإصلاح قطاع الأمن، وتبني موقف واضح تجاه الإرهاب، واستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وتنظيم عملية العدالة الانتقالية، وخلق حالة توازن بين مطامح الدول الأجنبية الشريكة لسوريا.
مهمة حساسة تنتظر الاتحاد الأوروبي
في ظل هذه الظروف، أصبحت مهمة الدول الأوروبية دقيقة وحساسة، بما أنها بقيت غائبة منذ أمد بعيد عن الجدل السياسي والأمني بشأن سوريا، لكنها أبدت اليوم بادرة مبدئية وشرحت موقفها بالنسبة لمستقبل العلاقات، في حين احتل الدعم الإنساني ورفع كبرى العقوبات عن سوريا أولى المهام ضمن قائمة أولوياتها، ولكن ثمة مجالات أخرى يمكن من خلالها للاتحاد الأوروبي دعم قيادة سوريا وشعبها.
ومن تلك الطرق والمجالات الاعتراف بما عاناه الشعب السوري على يد نظام الأسد طوال السنوات الأربع عشرة الماضية، مع تقديم الدعم عبر الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المتخصصة بتوثيق هذه المأساة، فضلاً عن التأسيس لعملية التشافي، إلى جانب فتح تحقيق كامل عن المسؤولين على عمليات العذيب والقتل طوال فترة النزاع السوري، لأن كل ذلك يعتبر ضرورياً من أجل مستقبل سوريا والشعب السوري. وثمة إجراء مهم آخر على الصعيد الأمني، ألا وهو ضرورة قيام الاتحاد الأوروبي أو بعض الحكومات الأوروبية بتأسيس آلية للتعاون مع القيادة السورية الجديدة بهدف توثيق وجود الإرهابيين المعروفين والإشراف على تلك المهمة، ولاسيما هؤلاء الذين يحملون جنسية أوروبية والمحتجزين في المنطقة الشرقية بسوريا.
مايزال الوضع في سوريا غاية في التعقيد، ولكن، من منظور الاتحاد الأوروبي فإن الجدة تكمن في أن القيادة السورية أعربت وبشكل صريح عن عزمها على احترام ومراعاة التنوع والمشاركة وإقامة انتخابات حرة ونزيهة، ونشر السلم الأهلي، وهذه النوايا تتقاطع على الورق مع المبادئ الأوروبية، ولهذا فهي توفر قاعدة يمكن إعادة بناء العلاقة على أساسها ما بين سوريا وأوروبا.
المصدر: Carnegie Endowment