بين الجريمة الفردية والجريمة الجماعية: خاشقجي والمقتلة السورية!

تاريخ النشر: 31.10.2018 | 23:10 دمشق

وكان أن حظيت جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي باهتمام دولي منقطع النظير، وصل إلى حدود نشوء أزمة دولية بسبب بشاعة ملابسات اختفائه ومقتله.

الجريمة التي نالت اهتماما إعلاميا واستنكارا شعبيا متصاعدين، تستحق أن تشجب على أعلى المستويات الحقوقية والشعبية والحكومية، وقد كان من الطبيعي أن يتضامن مع هذه القضية كل طالب للحقيقة والعدالة على هذا الكوكب.

أما الغريب فهو أن يثير هذا التعاطف استنكار البعض ليبدؤوا في عقد مقارنات ومقاربات لاتمت للحقيقة والعدالة بصلة من الصلات.

فمقارنة الاهتمام الذي ناله مقتل خاشقجي كفرد، بالاهتمام الذي نالته مجازر جماعية في المقتلة السورية لا تصح بحال من الأحوال، فالجريمة تبقى جريمة سواء كانت فردية أم جماعية.

أما أن يعزو البعض الاهتمام الذي نالته الجريمة لغايات سياسية، فهذا لا يخفف من بشاعة الجريمة، وهي ككل جريمة دولية، قتل ضحيتها على أرض غريبة، تستحق أن تسيس، ومن الطبيعي أن تسيس، خصوصا مع اتهام موظفين كبار بالضلوع فيها.

البعض الآخر ذهب إلى أن مقتل خاشقجي نال ما نال من اهتمام بسبب ثراء الرجل أو عمله في صحيفة دولية، أو لإقامته في الولايات المتحدة، وصولا إلى اتهام الرجل بالعمل مع العديد من الأجهزة الاستخباراتية الدولية، إلى غير ذلك من الاتهامات اللاأخلاقية التي توجه لضحية عملية قتل بشعة أصبح أساسا عاجزا عن الرد عن كل هذه الاتهامات!

إن كل هذه المقارنات والمقاربات إنما تستنكر هذا الاهتمام أو تقصد استنكاره، فيما هي في الواقع تخفف من

إن المنطق الأخلاقي والحقوقي يفترض أن الجريمة هي الجريمة سواء راح ضحيتها شخص واحد أم آلاف الأشخاص! وأن من يقتل شخصا يسهل عليه قتل العشرات

وقع الجريمة وتذهب أبعد من ذلك لتجد تبريرات للقاتل الذي أعطى الأوامر وخطط ونفذ جريمة بهذا القدر من البشاعة تستحق وقفة من الوقت لاستنكارها دون أي كلمة لكن!

المنطق ذاته كان يستخدمه البعض للحديث عن أن المجازر والقتل الجماعي يجعلنا نعتاد الجريمة ونعتبر من قُتِلوا أرقاما! في حين أن المنطق الأخلاقي والحقوقي يفترض أن الجريمة هي الجريمة سواء راح ضحيتها شخص واحد أم آلاف الأشخاص! وأن من يقتل شخصا يسهل عليه قتل العشرات من مبدأ اشغال الناس دوما بجريمة أكبر لينسوا الجرائم الأصغر!

دينيا يقال: من قتل نفسا كمن قتل الناس جميعا، وفي الإعلان العالمي لحقوق الانسان تصدر حق الحياة كأول الحقوق التي يتمتع بها الإنسان من الحقوق الأساسية! فبأي منطق نستطيع المقارنة بين قتل فردي وقتل جماعي!

وإذا كانت معاناتنا كسوريين قد طالت وأصبحنا خبرا ثانيا بعد خبر مقتل خاشقجي

قوى الظلم في العالم متحدة، وقوى التضامن من أجل العدالة يجب أن تبقى متضامنة أيضا، ولا ينقض من تضامننا مع القضية السورية أن نتضامن مع قضية مقتل خاشقجي أو قضية التمييز العنصري أو الروهينغا!

فمن قال إن أحد الخبرين أقل بشاعة من الآخر؟ وهل يمنعنا ذلك من استنكار جريمة بهذا القدر من البشاعة؟

ومن قال تضامننا مع هذه القضية أو سواها ومع كل قضية ظلم قائمة على ظهر هذا الكوكب ومع كل قضايا الظلم التي ستطرأ فيما بعد، ينقص من عزيمتنا في العمل لقضيتنا وفي التضامن مع شعبنا، فقوى الظلم في العالم متحدة، وقوى التضامن من أجل العدالة يجب أن تبقى متضامنة أيضا، ولا ينقض من تضامننا مع القضية السورية أن نتضامن مع قضية مقتل خاشقجي أو قضية التمييز العنصري أو الروهينغا!

الجريمة الفردية هي جريمة كاملة، والجريمة الجماعية هي جريمة بحق عدد من الأفراد أيضا، لكل منهم عائلة وأحباء وذكريات، أما الحديث عن المجزرة باختصارها برقم، فتلك بحق جريمة أخلاقية كاملة!

لا تشبه معاناة أم الضحية معاناة أي أم ضحية أخرى، لكن الجريمة متعادلة في القتل، سواء تم في شارع ما أم في معتقل أم في قنصلية!