لا تتذكر زين عن سوريا سوى أمور بسيطة، مثل الياسمين، وشتلات الورد، والقطط، فتلك هي الشذرات التي بقيت لديها عن عائلتها التي ما تزال تعيش في سوريا.
وعلى الرغم من أنها تهاتف جدها كل يوم أحد، فإن آخر مرة رأته بشكل شخصي كانت بعمر الخامسة.
رحلت زين عن البلد برفقة أمها وأبيها عند قيام الحرب في سوريا، فتوجهوا إلى العراق قبل أن يستقر بهم المقام أخيراً في مدينة وولونغونغ على الساحل الجنوبي لولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية.
ومع بلوغها السابعة عشرة من العمر، أضحت زين جزءاً من الجيل الأول من الأستراليين البالغ عددهم ثمانية ملايين وستمئة ألف والذين اكتشفوا أنهم ينتمون لعالمين مختلفين، إذ تعتبر زين نفسها قد ولدت ضمن ثقافة وموروث عربيين، لكنها تعيش حياتها اليوم كأي أسترالية، ولهذا سننتقل للحديث بلسانها عن هذه التجربة:
آخر حافلة خرجت من سوريا
ثمة أمور لم تبارحني منذ ذلك الحين، ومنها أول قذيفة سقطت في حلب، إذ كان أبي قد أوصلني إلى بيت جدي لأمي، عندما سقطت قذيفة على بعد مئة متر تقريباً عن مكان عمله، ولم نستطع أن نصل إليه.
أتذكر كم بكيت إلى أن فتح أبي الباب ودخل، كما أتذكر الغارات الجوية قبل يومين من رحيلنا، وأتذكر كيف نمنا على الأرض في بيت جدي، وأخذنا نراقب القذائف وهي تسقط.
أتذكر أيضاً وجه جدتي وجدي ساعة رحيلنا.
صورة لزين وهي صغيرة في أحضان جدها
كان أبي قد سبقنا بالرحيل لأنه كاد أن يُختطف لكونه طبيباً، وأتذكر ما قالته أمي لي: "لا تتفوهي بحرف عن ذلك، لأنك إن نطقت بأي كلمة، فلن نخرج من هذه الحافلة أحياء".
وأتذكر أيضاً كيف انفجرت حافلة خلفنا أثناء عبورنا للحدود السورية، أي أننا كنا في آخر حافلة تغادر البلد بشكل قانوني ورسمي.
وحتى نصل إلى العراق، صعدنا على متن طوافة معدنية، لو سقط المرء منها، فلن يتمكن أحد من إنقاذه، فهي عبارة عن أرضية وجدران من الصفيح، حشرونا داخلها مع حقائبنا.
وأعتقد بأن الانزعاج الذين انتابنا وقتئذ تلاشى تماماً بعد الارتياح المطلق الذي شعرنا به فيما بعد، وذلك عندما استقبلنا أبي عند الحدود العراقية.
ماذا يوجد خلف ابتساماتنا في صورنا
بقينا في العراق خلال الفترة ما بين 2012-2016، وهناك، حماني أبي وأمي من رؤية الجوانب السلبية، ولهذا لم أعد أتذكر سوى ذهابنا لتناول العشاء في مطعم البيتزا الذي أحبه، كما أتذكر عيادة أمي، لكني لم أدرك كم تعبا من أجل تحقيق ذلك، فقد عمل والداي في مهنة الطب لصالحهما الخاص لأن الحكومة العراقية لن تعطيهما راتباً لقاء عملهما. والآن، عندما أسترجع تلك الذكريات، أستطيع أن أرى وجه أمي وأبي بكل وضوح، وأن أتلمس القلق والضغط الذي أثقل كاهليهما.
وعلى الرغم من أنهما يظهران في الصور مبتسمين، فإنه بوسعي أن أرى ما تخبئه عينا كل منهما، ويتلخص كل ذلك بالسؤال: كيف يمكنني أن أحمي ابنتنا من أي شيء يمكن أن يحصل؟
كيف تغيرت الأمور بعد الانتقال إلى أستراليا
اتخذ أهلي قرار السفر إلى أستراليا في أقل من ثانية، إذ كنا ندرك أن علينا الرحيل، وكان الاقتتال قد بدأ في العراق، وأخذت الأمور تتطور وتكبر ككرة ثلج في عموم الشرق الأوسط، ولذلك أصبحت أستراليا طوق النجاة بالنسبة لنا.
وبعد عامين، وبعد انتقالنا إلى ولونغونغ، رأيت الراحة أخيراً على وجه أمي وأبي، إذ لم يعد أي منهما يلتفت حوله مع كل خطوة يخطوها، ويفكر: "هل سنضطر للعودة؟ وهل ستضطر ابنتنا لتعيش الخطر مرة أخرى؟"
زين ووالداها على متن الطائرة التي حملتهم إلى أستراليا
ولكن، بعد أن أصبح لدي أصدقاء وصديقات من الأستراليين، وبعد أن خرجت من دائرة الجالية العربية ذات الأسوار المحمية، بات من الصعب دمج الرفاق في أسلوبي العربي في الحياة، كما أننا بقينا على مدار ثلاث أو أربع سنوات لا نتحدث بالعربية أبداً في البيت.
اضطر والداي لتعلم الإنكليزية من أجل الحصول على عمل، أما أنا فاضطررت لتعلم الإنكليزية من أجل المدرسة، وبسبب ذلك خسرت لغتي العربية، على الرغم من أنه مازال باستطاعتي فهم بعض الكلمات وتكوين بعض الجمل.
أصبحنا نتناول وجبة عربية مرة بالأسبوع، تعدها في بيتنا كلما سنحت لنا فرصة لذلك، لأن في ذلك وسيلة للاحتفاظ بتراثنا وثقافتنا.
ولكن عندما يزورني أصدقائي أطلب من أمي إعداد بعض الأطعمة الأسترالية، لأني لا أريد من أحد أن يصدر أحكاماً على أسلوب حياتي.
لا مجال للفصل بين العالمين
كان مدرسو اللغة الإنكليزية أول من شجعني على سرد قصتي، وهذا ما بدد إحساسي بالغربة، فأنا سورية وأسترالية أيضاً، وتلك هي تركيبتي، ولهذا لن أطلب من أمي أن تطهو طعاماً مختلفاً عن الطعام الذي تعرفه، لأنك إن همشت إحدى هاتين الثقافتين، فسيخلق ذلك لديك إحساساً بالنقمة على الثقافة الأخرى، ولن تكون سعيداً حقاً بذلك، لأن لديك جانبين في حياتك، وكلاهما فريد من نوعه.
في سوريا، رفع جدي فيديوهين على يوتيوب ليومياتي عندما كنت طفلة حتى أشاهدهما من جديد، أحدهما أظهر فيه وأنا في حديقة بيت جدي، حيث كان لديه بقعة مليئة بشتلات الورد، وكانت تلك البقعة رائعة الجمال.
ولهذا، كلما مررت بجانب ورود، أحس بأن جدي يخاطبني من خلالها، فعلى الرغم من أن جدي ما يزال على قيد الحياة، إلا أن عالمينا تحولا إلى خطين متوازيين لا يمكن أن يلتقيا.
ولكن، لدينا ورود هنا وهناك، فلم أحاول فصل هذين العالمين الملحتمين ببعضهما تمام الالتحام؟!
زين وهي تشاهد أحد فيديو لها وهي صغيرة حمله جدها على يوتيوب
ذكرياتي هي برهاني على أني كنت هناك
أتذكر الرائحة المميزة لسوريا، رائحة الياسمين والركام والتراب، رائحة أرض حقيقية، وعلى مدار عامين بعد رحيلنا عنها، بقيت أشم تلك الرائحة في ملابس أمي.
ولهذا كلما مررت بعريشة ياسمين، تعاودني تلك الرائحة التي لا يمكن أن أنساها.
والآن، أحاول أن أتوقف لحظة لأتأمل، وتلك الرائحة هي دليلي على أني عشت كل ذلك، ومن خلالها يمكنني أن أتنسم رائحة موطني الذي لم ولن أنساه.
زين تحمل وردة شامية بين يديها
المصدر: ABC