تبحث سوريا في هذه المرحلة، عن إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد سنوات طويلة من التحوُّلات العميقة التي أرهقتها. لذلك، من الطبيعي أن تتَّجه أنظار السوريين نحو أيِّ مؤسسة تحمل إمكانية إحداث تغيير حقيقي ذي أثر إيجابي على المواطنين، وفي مقدِّمتها يأتي مجلس الشعب الذي بدأ أعماله وسط آمال كبيرة، وتحدِّيات لا تقلُّ عن تلك الآمال.
ويبدو من الطبيعي أيضاً، أن ترتفع سقوف التوقُّعات في مثل هذه اللحظات المفصلية؛ لأنَّ المجتمعات الخارجة من الأزمات تتطلَّع إلى مؤسسات تعيد إليها الثقة، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة. غير أنَّ هذه التوقعات تثير تساؤلاً يستحق النقاش: هل يستطيع مجلس الشعب وحده أن يحقِّق ما ينتظره السوريون، أم أنَّ حجم التحدِّيات يتجاوز الدور الذي يؤدِّيه أيُّ برلمان، مهما امتلك من أدوات تشريعية ورقابية؟
ترتبط آمال السوريين بالمجلس الجديد نتيجة طبيعة الظروف التي تمرُّ بها البلاد أكثر من ارتباطها بالمجلس ذاته، فقد خلَّفت سنوات الحرب تحديات متراكمة شملت الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل، إضافة إلى الحاجة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة بها. وفي ظلِّ هذه المعطيات، أصبح المواطن يبحث عن مؤسسات قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياته اليومية، ومجلس الشعب يمثِّل، في التصوُّر العام، المؤسسة التي تنقل صوت المجتمع إلى دوائر صنع القرار، الأمر الذي يدفع المواطنين إلى تعليق آمال واسعة على أدائه. وتزداد هذه التوقعات مع إدراك السوريين أنَّ نجاح المرحلة الانتقالية يعتمد على قوة المؤسسات واستقرارها، لذلك ينظر كثيرون إلى المجلس بوصفه أحد أعمدة إعادة بناء الدولة السورية الجديدة.
البرلمان يشارك في صياغة التشريعات ويراقب أداء الحكومة ويناقش السياسات العامة، إلا أنَّ تنفيذ هذه السياسات يقع ضمن تخصص السلطة التنفيذية التي تمتلك الأدوات الإدارية والمالية اللازمة لتحويل الخطط إلى واقع.
تفرض طبيعة النظام المؤسسي حدوداً واضحة للدور الذي يؤدِّيه مجلس الشعب، فالبرلمان يشارك في صياغة التشريعات ويراقب أداء الحكومة ويناقش السياسات العامة، إلا أنَّ تنفيذ هذه السياسات يقع ضمن تخصص السلطة التنفيذية التي تمتلك الأدوات الإدارية والمالية اللازمة لتحويل الخطط إلى واقع. أمَّا معالجة القضايا الكبرى، مثل تحسين الاقتصاد وإعادة الإعمار وتطوير الخدمات وجذب الاستثمارات فإنَّها تعتمد على تعاون مؤسسات متعدِّدة تشمل؛ الحكومة والقطاع الخاص والجهات الاقتصادية المختصة.
لذلك، لا يستطيع مجلس الشعب بمفرده إحداث تحوُّل شامل في هذه الملفات، حتى وإن مارس صلاحياته بكفاءة عالية. ومن هنا فإنَّ ربط جميع التحدِّيات بالمجلس قد يقود إلى تقييم غير دقيق لأدائه؛ لأنَّ نجاح أيِّ مؤسسة سياسية يرتبط بحدود اختصاصاتها وبقدرتها على العمل ضمن منظومة متكاملة.
بالإضافة إلى أنَّ المؤسسات التي تنشأ في المراحل الانتقالية تواجه اختباراً يتجاوز قدرتها على إصدار القوانين، ويتمثَّل في قدرتها على استعادة ثقة المواطنين، إذ تحتاج هذه الثقة إلى ممارسات يومية تعكس الشفافية والوضوح والانفتاح على المجتمع والتعامل الجاد مع القضايا العامة. فالسوريون ينتظرون أن تتحوَّل جلسات مجلس الشعب إلى مساحة للنقاش المسؤول، وأن تركِّز على الملفات التي تمسُّ حياة المواطنين بصورة مباشرة، وأن تمارس الرقابة على أداء الحكومة وفق معايير واضحة.
ويسهم هذا النهج في تعزيز شعور المواطنين بأنَّ المجلس يؤدِّي دوراً حقيقياً في إدارة الشأن العام. كما تتطلَّب استعادة الثقة أيضاً تواصلاً مستمراً بين أعضاء المجلس ودوائرهم الانتخابية أو المجتمعية، بحيث تبقى القضايا المحلية حاضرة في النقاشات الوطنية، ويشعر المواطن بأنَّ صوته يجد طريقه إلى المؤسسة التشريعية.
يحتاج المجلس إلى تقديم رؤية واقعية حول طبيعة دوره، مع العمل على تحقيق إنجازات ملموسة ضمن نطاق صلاحياته.
وقد تتحوَّل التوقُّعات المرتفعة إلى مصدر ضغط على المجلس إذا انتظر المواطن نتائج سريعة في ملفات تحتاج بطبيعتها إلى سنوات من العمل والتخطيط والاستثمار. وتؤكِّد تجارب العديد من الدول التي مرَّت بمراحل انتقالية أنَّ اتساع الفجوة بين الآمال والنتائج يؤدِّي، غالباً، إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، حتى عندما تحقِّق هذه المؤسسات تقدُّماً تدريجياً. لذلك، يحتاج المجلس إلى تقديم رؤية واقعية حول طبيعة دوره، مع العمل على تحقيق إنجازات ملموسة ضمن نطاق صلاحياته. ويساعد هذا التوازن على بناء علاقة أكثر استقراراً بين المواطنين والمؤسسات؛ لأنَّ الثقة تنمو عندما ترتبط الوعود بقدرة فعلية على التنفيذ. ولا يعني ذلك خفض سقف الطموحات، بل يعني توجيهها نحو أهداف قابلة للتحقيق، مع وضع خطط بعيدة المدى لمعالجة الملفات التي تحتاج إلى جهود وطنية واسعة.
إنَّ تقييم السوريين لأداء مجلس الشعب سيرتبط بأثره في حياتهم اليومية، فالسوريون منذ فترة زمنية طويلة، لم يمارسوا الفعل السياسي، كما ينبغي، فإذا نجح المجلس في ترسيخ ثقافة الحوار وإشراك الرأي العام في القضايا الوطنية وتعزيز الثقة بالمؤسسات، فقد يشكِّل نقطة انطلاق لعودة المواطنين إلى المجال العام باعتباره مساحة للمشاركة وصناعة المستقبل.
وبذلك يشكِّل مجلس الشعب السوري الجديد فرصة مهمة لتعزيز العمل المؤسسي في مرحلة تحتاج إلى الاستقرار والتخطيط وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وتحمل هذه الفرصة مسؤوليات كبيرة، كما تحمل تحدِّيات لا يمكن تجاهلها.
ويستطيع مجلس الشعب أن يحقِّق نجاحاً حقيقياً إذا ركَّز على الأدوار التي يمنحه إياها موقعه الدستوري، وعمل على تطوير التشريعات، وتعزيز الرقابة، وتوسيع مساحة الحوار مع المجتمع. وفي المقابل، يحتاج الرأي العام إلى قراءة واقعية لطبيعة عمل المؤسسات؛ لأنَّ معالجة التحدِّيات الكبرى تتطلَّب تكامل جهود جميع سلطات الدولة ومشاركة المجتمع وتوفُّر الوقت اللازم لتحقيق نتائج مستدامة، هدفها خدمة المواطنين، وهو الهدف الذي ينتظره السوريون من هذه المرحلة الجديدة.
العائدون إلى سوريا.. بين واجب التكافل وحدود الاستحقاق
بين التوقعات والواقع... هل يُحمِّل السوريون مجلس الشعب الجديد أكثر مما يحتمل؟
مقابلات الشوارع وتحولات الخطاب الإعلامي
ثقافة الفهلوية.. استمرار للخراب غير المرئي في البنية الأخلاقية
عقلية السجان.. محاولة تفكيك الوعي المغلق