تحولت ظاهرة اقتناء واستخدام النشرة الضوئية المخصصة لسيارات الشرطة والأمن، إلى معضلة تحمل في طياتها أبعاداً سلبية، وذلك بعد أن أصبحت متاحة (لمن يريدها من عامة الشعب) بل وتُباع في محلات الزينة كـ (إكسسوار)، ما جعل التفريق بين السيارات الأمنية وغيرها أمراً بالغ الصعوبة، الأمر الذي يفتح الباب أمام ظاهرة خطيرة تتجسد في سهولة انتحال الصفة الأمنية.
ويرمز مصطلح النشرة الضوئية إلى (الوامضات/الفليشر الحمراء والزرقاء التي يتم تركيبها في سيارات الأمن والشرطة المصحوبة بصافرة إنذار)، مع العلم أن القانون في غالبية دول العالم، يحظر اقتناء هذه الوامضات بأي شكل من الأشكال، ويجرم استخدامها لغير المصرح لهم.
سرفيس برتبة سيارة شرطة
لم يقتصر استخدام النشرات الضوئية على السيارات الخاصة فحسب، بل امتد لاستخدامها في بعض السيارات العامة، فكثير من المواطنين أكدوا استخدامها في بعض سيارات نقل الركاب، لتصبح مجرد (اكسسوار) يقتنيه من يرغب.
يقول غسان عرابي سائق سيارة أجرة لـ تلفزيون سوريا، أنه وبينما كان ينتظر على إشارة المرور في منطقة الفيض، لمح في المرآة أضواء وامضة زرقاء وحمراء، ولتشابه سيارات النقل العام الحديثة (ستاريكس) مع سيارات الأمن والشرطة الجديدة (ستاريا)، ظن في البداية أنها سيارة أمنية، فحاول إخلاء الجانب الأيسر لتسهيل مرورها، قبل أن يكتشف أن السيارة ما هي إلا سيارة نقل ركاب لا أكثر.
وأضاف: "لا أستطيع إنكار انزعاجي من الموقف، ليس لأنني أفسحت المجال لسيارة مدينة، الأمر يتعلق بما اعتبرته (خداعاً) للمواطنين، فهذه الأضواء مرتبطة بسيارات الشرطة والأمن فقط، ومن غير المعقول استخدامها من قبل أي شخص"، مشيراً إلى أن الوامضات توضع عادة على (التابلو) أمام السائق وخلف الزجاج، وفي الليل لا يمكن تمييز السيارة ما إذا كانت أمنية أم لا، نظراً لاستخدام بعض سيارات الشرطة والأمن للوامضات الداخلية، التي تختلف عن الوامضات الرسمية التي توضع على سقف السيارة.
وتساءل عرابي في حديثه ملمحاً لخطورة انتحال صفة رجال الأمن من خلال هذه الظاهرة، عن طريقة التعامل مع أية سيارة لديها هذه الوامضات خاصة في الليل، هل يجب الامتثال على أنها سيارة أمنية، أم يجب التعامل معها على أنها سيارة مدينة لديها وامضات فحسب؟
صافرات الإنذار.. حكاية أخرى
يبدو أن استخدام النشرة الضوئية لم يقتصر على الوامضات فحسب، بل امتد لاستخدام صافرات الإنذار المرفوقة معها المعروفة شعبياً باسم "الضابطة"، حيث ومن دون سابق إنذار ينطلق دوي الصافرات، التي من المفترض أنها مخصصة لسيارات الطوارئ، ليتبين أن تلك الصافرة خرجت من سيارة شخصٍ مولع بـ الاستعراض.
يعبر موسى العلو أحد قاطني حي شارع النيل عن استيائه من هذه الظاهرة في حديث لـ تلفزيون سوريا: "وسط الزحام تخرج الصافرة، نبحث عن سيارة إطفاء أو شرطة أو إسعاف، نجد سيارة من موديل 2009 يقودها متهور أحمق، يزيد الزحام بصافراته التي ليس لها داعٍ، والهدف الوحيد منها هو الاستعراض بأنه (شخص مهم)، وأنه فوق الجميع ومن حقه المرور ولو على حساب الأرصفة والمارة".
وأضاف: "هناك قانون يحظر استخدام مثل هذه الأمور، لكن هذا القانون مهمّش أو لا يتم تطبيقه بشكل فعّال، كان الوضع أسوأ العام الماضي إبان التحرير، مع مكافحة هذه الظاهرة تناقص العدد لكنه لم ينتهِ فعلياً، لا يكد يمر يوم إلا وأشاهد أو أسمع سيارة من هذا النوع، يجب مكافحة جذر المشكلة، المتجسّد في محال البيع".
السبب نفسه الذي أشار إليه حسن حلاق خلال حديث لـ تلفزيون سوريا، داعياً الجهات المعنية لمنع بيع النشرات الضوئية (الأضواء الفيدرالية) وصافرات الإنذار (الضابطة) في محال بيع قطع السيارات، وملاحقة المخالفين وتغريمهم.
وتابع: "إن منع استخدام هذه الأضواء والصافرات، يعتمد على ملاحقة باعتها المنتشرين في كل مكان، يمكن الدخول إلى أي محل لبيع قطع واكسسوارات السيارات، وستحصل على الضوء مع الصافرة بمبلغ لا يتجاوز الـ 100 دولار أميركي، مع جهاز تحكم عن بعد يمكنك من خلاله التحكم بسطوع الأضواء وشكل حركتها إضافة لميزات أخرى".
فخامة وباب رزق
وعلى الجانب الآخر، يخرج مقتنو الوامضات والصافرات لتبرير ذلك، تحت مسمى "الحرية الشخصية"، وعن سبب اقتنائها برروا ذلك بأن "الدنيا أذواق" وأن هذه الوامضات تحت فخامة وجمالية للسيارة وفق تعبيرهم.
ويرى الشاب معن ألمجي في حديث لـ تلفزيون سوريا، أن تركيب الوامضات والصافرات مجرد رغبة في إحداث فرق عن السيارات، أي أنه فقط يحدث من طراز سيارته ومزاياها وفق تعبيره، ولا علاقة للأمر بـ (الإحياء بأن هذا الشخص مدعوم أم لا).
في حين يرى توفيق العلي وهو أيضاً من مقتني الأضواء الفيدرالية، أن الموضوع حرية شخصية، وليس من حق أحد الاعتراض، ما دام تشغيل تلك الأضواء لا يؤذي أحداً ولا يدعي صاحبها (أي هو) أنه أمني أو له علاقة بقوى الأمن.
وعلى صعيد الباعة، اعتبر بهاء .أ وهو صاحب محل لبيع زينة السيارات في حي بستان الباشا خلال حديث لـ تلفزيون سوريا، أن بيع مثل هذه الأمور متاح على نطاق واسع حتى وإن كانت ممنوعة من ناحية المبدأ، مشيراً إلى أن غالبية المحال في حلب وريف حلب وإدلب وريفها تبيع مثل هذه الأمور، فما معنى أن يمتنع بائع أو بائعان عن بيعها؟… باب رزق مفتوح ومنتج مطلوب، ولا أحد أصدر قراراً ألزمنا بمنع بيعها.
مرور حلب: الملاحقات مستمرة
وعلى الصعيد الحكومي، تؤكد مصادر خاصة في فرع مرور حلب لـ تلفزيون سوريا، أن اقتناء مثل هذه الأضواء والصافرات ممنوع نهائياً، ويتم باستمرار تنظيم الحملات وملاحقة مستخدميها، حيث يتم إزالة المخالفة (فك الأضواء أو الصافرات ومصادرتها) مع تسجيل رقم المركبة واسم السائق، وفي حال تم ضبطه مرة أخرى يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة المتمثلة بغرامة مالية وقد يصل الأمر لحجز المركبة.
وأكدت أن استخدام هذا الطراز من الأضواء والصافرات، مصرح به لسيارات قوى الأمن الداخلي والوحدات الشرطية فقط، ولا يحق لغير المصرح لهم استخدامه، مشيرة إلى أن أي استخدام من جهات أخرى يعد مخالفاً ويعاقب عليه القانون.
وفيما تستمر شكاوى المواطنين من هذه الظاهرة، يكشف الواقع الحالي عن استمرار استخدام وبيع هذه المعدات، مع إعلانات وترويج مكثف لها على منصات التواصل من قبل أصحاب محال بيع اكسسوارات السيارات، ليبقى السؤال: كيف ستتعامل الجهات المعنية مع هذه الظاهرة، وما أول خطوة على طريق حظر الاستخدام الكامل؟

