بين إنسان وإنسان!

بين إنسان وإنسان!

الصورة
05 شباط 2019

يتراوح تعريف الإنسان لذاته ما بين حدّين، يأخذ أوّلهما تعقيدات العلاقات البشريّة ومتطلّبات الحياة كأساس ومنطلق، مما ينجم عنه النظر إلى الذات البشريّة كجزء معقّد من كلٍّ أكثر تعقيداً، بينما ينطلق الثاني من مبدأ نقاء جوهر البشر أصلاً، ليصل إلى تعريفٍ أكثر بساطة وتسامحاً وجمالاً.

قد يُعطي التعريفُ الأوّل تفسيراً ومن ثمّ تبريراً للحروب والصراعات التي رافقت هذا الإنسان منذ لحظة وعيه لذاته ولكينونته، بينما يُعطي التعريفُ الثاني الانطباع بأنّ الإنسان يزدادُ رُقيّاً وجمالاً كلّما ابتعد عن هذا التعقيد.

 لكن أين يمكن إيجادُ هذا الإنسان على أرض الواقع، هل نجده في السهول والبراري، أم في حقول الزراعة، أم في المعامل والمصانع، أم في قاعات الدراسة ومراكز البحوث، أم في مناصب الحكم والإدارة وعلى كراسي النواب والقادة والزعماء؟ هل يوجد الإنسانُ أساساً بشكلٍ مجرّد عن مهنته أو عن عمله، وبالتالي عن بيئته ومجتمعه؟

ليست هذا الأسئلة معاديةً للفلسفة، فهي تنطلق من أرضيّة فلسفيّة أيضاً. كما أنّها ليست دعوة إلى تبسيط أمور الحياة، لدرجة استسهال إطلاق الأحكام القيميّة ذات الصيغة العموميّة المجرّدة، فهي لا تُنكرُ أنّ التعقيد في مجمل العلاقات البشريّة هو الميزة الأكثر تطوّراً ونماءً يوماً بعد يوم.

لا شكّ بأنّ التوصل إلى نظريّات عامّة لمحاولة فهم العالم، ووضع مناهج تفكير وبحث مختلفة

قلّة قليلة من البشر من تحاول فهم العالم، والأقّل من يحاولون تفسيره، وأقلّ الأقل من يحاولون تغييره

للاقتراب من جوهر الحقيقة، كانا دأب الإنسان المتواصل، منذ أن بدأ يتحسّس وجوده الواعي ككائن اجتماعيّ متميّز عن مملكة الحيوان. هذا الأمر بحدّ ذاته، هو ما يصنع الفارق في النظرة عن البشر لمجمل حياتهم ووجودهم كنوع متفرّدٍ بالتفكير المنظّم، وعن غيرهم من الكائنات الحيّة الأخرى.

لكنّ الحياة تسير بكلّ بساطة ويُسر وسهولة، أو هكذا على الأقلّ بالنسبة لعموم الناس، فقلّة قليلة من البشر من تحاول فهم العالم، والأقّل من يحاولون تفسيره، وأقلّ الأقل من يحاولون تغييره. أغلب البشر يعيشون الحياة دون أن يضطرّوا إلى فهمها حتّى، وقد يكون هذا المسلكُ خاطئاً من جهة، كما قد يكون مدعاة لراحة البال وطمأنينة النفس من جهة ثانية.

قد يكون الاكتفاءُ بالمسلّمات خاصيّة العقل الاعتيادي للبشر، وقد يكون الإيمانُ بالغيبيّات جزءًا من تكوين الإنسان بصفته كائناً اجتماعياً، وقد يكون كلا الأمرين مصدر راحة واستقرار، كما قد يكونا الحافز لدى القلّة من الناس، كي تفكّر في قيادة عمليّة التطوّر البشري.

إطلاق الأحكام العموميّة غالباً ما يُصيب المرء في مقتل، فما المقياس المُقنع مثلاً لحساب مؤشّرات السعادة عند البشر عبر مختلف مراحل السيرورة البشريّة؟ هل هناك معايير محدّدة للقول بأنّ الإنسان قبل اكتشاف البنسلين واستعماله مثلاً، كان أقلّ أو كان أكثر سعادة منه بعد اكتشافه؟

قد يكون الطرحُ صحيحاً لو قلنا: لقد كان أثر اكتشاف البنسلين كبيراً، بل حاسماً في إطالة عمر الإنسان، نتيجة ازدياد فرص مكافحة الأمراض ذات المنشأ الجرثومي. لكن هل يعني ذلك تلقائيّاً ازدياد مؤشرات سعادة البشر؟ ألا يمكن القول إنّ سعي الإنسان المستمرّ لمحاربة قانون الاصطفاء الطبيعي قد أضرّ بالبيئة وبالإنسان ذاته، رغم أنّه وفّر له المزيد من أسباب العيش بصحّة أفضل؟

هل يمكن إطلاقُ الأحكام عن مكانة المرأة في المجتمع البشري في عهد الأمومة المُفترض، مقابل دورها الراهن في عهد الذكورة السائد في الألفيّة الثالثة بعد الميلاد، بنفس الثقة والقدرة على مقارنة مستوى إشباع احتياجات الإنسان الماديّة من مأكل ومشرب في العصر الحجري، عنها في العصر الحالي؟

السؤال بحدّ ذاته غير متوازن، والمقارنات غير مقنعة، لاختلاف طبيعة المواضيع المطروحة للبحث والنقاش أساساً ومن حيثُ الجوهر. لا يمكننا ببساطة أن نستخدم مقياس ريختر المخصص لقياس قوّة الهزّات الأرضيّة والزلازل مثلاً، لتحديد مستويات نموّ الجريمة في المجتمعات العربيّة، بعد تسعة أعوامٍ على انطلاق ثورات الربيع العربي!

في معرض مقارنتها بين الماركسيّة والنسويّة ونقدهما على حدّ سواء، تقول كاثرين ماكّينن:

"الجنسانية للنسوية هي كالعمل للماركسية: أكثر ما يخص المرء وأكثر ما يؤخذ منه. تُجادل النظرية الماركسية بأن المجتمع يُبنى بشكل أساسي من العلاقات التي يُشكلها الناس أثناء عملهم وصنعهم لأشياء يحتاجونها للاستمرار إنسانياً. العمل هو العملية الاجتماعية التي تشكّل وتحوّل العوالم المادية والاجتماعية، خالقةً من الناس كائنات اجتماعية في خضمّ خلقهم هم للقيمة. العمل هو النشاط الذي من خلاله يُصبح الناس أنفسهم. الطبقات هي البنية التي يتموضع فيها هذا النشاط، والإنتاج هو غايته؛ رأس المال هو مادته المتخثرة، والسيطرة إشكاله.

تُضمر النظرية النسوية طرحاً موازياً: عملية تشكّل الجنسانية وتوجيهها والتعبير عنها تَنظم المجتمع في جنسين: النساء والرجال، وعلى هذا التقسيم تُبنى كل العلاقات الاجتماعية. الجنسانية هي العملية الاجتماعية التي تخلق، وتنظّم، وتوجّه، وتعبّر عن الرغبة، فتخلق من خلال ذلك الكائنات الاجتماعية كرجال ونساء، وهؤلاء يخلقون المجتمع بعلاقاتهم. وكما العمل للماركسية، الجنسانية هي منتَج اجتماعي منتِج بدوره، كوني الطابع وخاضع للتاريخ في نفس الوقت، ويَجمع في تشكيله بين المادي والعقلي. وكما أن التجريد المنظم لعمل البعض لصالح البعض الآخر يُعرّف الطبقة – العمال – كذلك فإن التجريد المنظم لجنسانية البعض من أجل استخدام البعض الآخر يُعرّف الجنس – النساء."

 هل هذا هو الإنسان؟ من يستطيع أن يعتبر هذه المقارنة بين الماركسيّة والنسويّة - كنظريّتين وكمنهجي عمل - أساساً يأخذه البشر العادييّن بعين الاعتبار عندما يعيشون الحياة؟ هل يفكّر الناس بهذه الطريقة حين يمارسون حياتهم الاعتيادية، أي حين يأكلون ويشربون، حين يدرسون في المدارس والجامعات، أو حين يعملون في الحقول والمصانع والمكاتب؟ أين نجد هذا الإنسان الذي يفكّر بهذه الطريقة، في الحقول أم في المصانع أم في مجالس النوّاب أم في سدّة الحكم؟

الحقيقة أنّ هذه الأسئلة وغيرها الكثير، تثار بسبب المقارنة بين مواقف بعضٍّ ممن يحسبون من المثقّفين، وأغلبيّة الناس العاديّين في مجتمعاتنا العربيّة، من موضوع ثورات الربيع العربي تحديداً.

لماذا لم نسمع لمارسيل خليفة أيّ موقف من هذه الثورات الشعبيّة، وهو الذي طالما غنّى للحريّة وللشعوب المقهورة وتغنّى بها؟ لماذا اختار أشخاصٌ مثل أدونيس ودريد لحّام وماجدة الرومي ويسرا، وغيرهم ممن لا تتسع لهم القائمة، الوقوف مع الطغاة ضدّ الشعوب التي طالما كانت جمهورهم الأدبي والفني؟ هل المشكلة في الثقافة والمثقفين؟

بالمقابل لماذا سمعنا صوت سميح شقير يصدح منذ الأيام الأولى للثورة مع حناجر الناس الثائرة، ولماذا اختار خالد تاجا وعبد الحكيم قطيفان وأحمد نسيم برقاوي وصادق جلال العظم وميّ سكاف وفدوى سليمان، وغيرهم ممن تتشرّف بهم القوائم، الانحياز إلى صفوف الناس الذين ملؤوا الشوارع والساحات بأجسادهم وأرواحهم؟

وفي مقابل ملايين البشر العاديين الذين كانوا رافعة الثورات ووقودها، كان هناك نسبة لا بأس بها ممّن وقفوا ضدّها رغم أنهم من أصحاب المصلحة الحقيقّين بالثورة، لما كانت ستحققه لهم من حريّة وانعتاق وكرامة؟

إن كان الوعي لوحده كافٍ لتفسير هذه الاصطفافات المتناقضة، فإنّه لن يفسر

إنّ المواقف الأخلاقيّة الكبرى لا تنصاعُ دائماً إلى اعتبارات المصالح، بل هي غالباً ما تكون على النقيض منها

مواقف من ذكرنا من مثقفين وفنّانين وشعراء وأدباء. وإن كانت المصالح وحدها كافية لتفسيرها، فإنها ستعجز عن تبرير موقف أولئك الفقراء المقهورين الذين وقفوا مع الجلّاد ضد مصالحهم وضدّ أبنائهم وأخوتهم، وضدّ ذواتهم حتّى.

الأمر بغاية التعقيد، إذا نظرنا إليه من زاوية تشابك الوعي بالمصالح والمعتقدات والخلفيّات التاريخيّة لكلّ من اختار هذا المسلك دوناً عن ذاك، وهو بنفس الوقت بغاية البساطة، إذا نظرنا إليه من زاوية الأخلاق البحتة المجرّدة.

إنّ المواقف الأخلاقيّة الكبرى لا تنصاعُ دائماً إلى اعتبارات المصالح، بل هي غالباً ما تكون على النقيض منها، لهذا كانت لها عبر التاريخ تلك المكانة الكبرى التي ميّزتها على الدوام عن المواقف الانتهازيّة التي تنحاز للقريب من المصلحة على حساب استدامة المكانة في ضمير البشريّة.

هذا هو الإنسان، هذا هو جوهره الذي يظهرُ في الحياة اليوميّة، وعند الاستحقاقات الكبرى. إنّه خليط من مجموعات متناقضة من المصالح والقيم والمعتقدات، ويعرّفُ ذاته في النهاية من خلال موقفه الأخلاقي في هذه الحياة ومنها.

شارك برأيك