بين أوهام الخلافة و روجافا .. بداية النهاية

تاريخ النشر: 21.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 28.04.2018 | 01:09 دمشق

لا يوجد شيء أكثر إيلاماً من اكتشاف زيف الأوهام، وبشكل خاص الأوهام "الوردية"، التي يعيش من خلالها أصحابها مراحل يتوهمون فيها أنهم وصلوا منتهى الأمل، وأنهم باتوا جزءاً من واقع لا يتبدل، أو أن  أحلامهم تحققت كلها حتى إذا كان ذلك على حساب الآخرين، وأنهم باتوا قاب قوسين أو أدنى ربما من سيادة العالم. هذا تمامأً ما حدث لأنصار دولة الخلافة الإسلامية ( داعش) والذي تكرر بحذافيره مع ضحايا أوهام مشروع روجافا الذي تبنته قوات العمال الكردستاني في سورية. سنحاول من خلال هذا المقال أن نلخص عبر خمس نقاط أوجه التشابه والالتقاء الكثيرة بين تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) و حزب العمال الكردستاني (PKK)، خلافاً لما هو مُعلن من  "عداوات" مفترضة، أو زيف معارك حدثت سابقاً بين الطرفين، و التي لم تتجاوز في واقع الأمر حدود لحظات تسليم واستلام كما يفعل حرس الحدود أثناء تبديل المناوبات، هي مسرحيات بالفعل شبيهة بتلك التي قام بها النظام مع العمال الكردستاني تارةً ومع داعش تارةً أخرى، كلما دعت الحاجة لذلك.

أولاً: النشأة: يكتنف الغموض نشأة كل من داعش التي أراد القائمون عليها تصويرها "كبعبع" جديد، إسلامي الهوى والهويّة، يهدد العالم ويجب تسليط الضوء عليه مقابل إبقاء الضوء خافتاً أشد ما يمكن على تنظيم القاعدة المُحال للتقاعد بعد مقتل أسامة بن لادن، وبالتالي ينتهي الجزء الخاص بها، ليبدأ الجزء الثاني بعنوان وشخصيات أكثر تشويقاً ( داعش، البغدادي).  وهكذا كانت مراحل الـ (PKK) ، ذلك الحزب الذي نشأ ضمن ظروف غامضة في تركيا، وتبنى شعارات ماركسية لينينية ضدّ الإمبريالية العالمية، استفاد منه نظام حافظ الأسد ضمن دائرة النفوذ السوفييتي حينها،  فأدخله إلى سورية وقام بتدريبه مع حركات يسارية فلسطينية، ثم تم نقله إلى محيط دمشق في معسكرات خاصة، ودعمه بالسلاح وشجّع أكراد سورية للانخراط في صفوفه، لتنفيذ عمليات ضمن الأراضي التركية، وبالتالي ضرب الأسد العديد من العصافير بحجر واحد، إلا أن الجزء الخاص بالعمال الكردستاني أيضاً سينتهي "سورياً" بضغوط وتهديدات تركية ، لينتهي مصير أوجلان بتسليمه، وتوقيع اتفاقية أضنة بين سورية وتركيا،  وسيبدأ نشاط الأوجلانيين في سورية مجدداً بطلب من النظام مع بدء الثورة السورية تحت مسميات مثل:  حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ، قوات حماية الشعب  (YPG)، وأخيراً: قوات سورية الديمقراطية ( قسد). وكلها مسميات لتنظيم واحد هو حزب العمال الكردستاني الـ (PKK)  الذي يتخذ من جبال قنديل قاعدة له، ومن عبد الله أوجلان زعيماً له.

الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذا التنظيم منذ نشأته يحظى برعاية محلية تمثلت بدعم النظام السوري

ثانياً: الدعم المحلي والدولي:  بالرغم من وجود حرب معلنة ضدّ الإرهاب وداعش " وريثي القاعدة"، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذا التنظيم منذ نشأته يحظى برعاية محلية تمثلت بدعم النظام السوري وإفساحه المجال لتنقلات التنظيم وصولاً لاستقراره بالرقة بجانب الفرقة 17، دون أن يكون هنالك أي مواجهات أو استهداف لهذا التنظيم، كذلك الأمر بالنسبة للدعم الإقليمي والدولي، ليس أولها تسليم المالكي للأسلحة الثقيلة لداعش في الموصل تحت رعاية الطيران والمراقبة الأمريكية، التي سمحت للتنظيم بنقل الأسلحة عبر الطرق البرية المكشوفة من الموصل إلى الرقة والبوكمال، خاصة أن المنطقة خالية من أي تضاريس جغرافية ( جبال ، وديان) أو غطاء نباتي كأحراج وغابات يمكن التخفي من خلالها، تمثل الدعم الدولي أيضاً بالتجهيزات الحديثة التي امتلكتها داعش على مستوى المعدات والآليات والأسلحة التي كان معظمها أمريكي الصنع. أما فيما يتعلق بدعم منظومة الـ (PKK) في سورية، فهو أمر معلن كما أوضحنا،  اعترف به نظام الأسد الراعي، وروسيا التي تفخر بحفاظ الحزب على شعاراته اللينينية ونجمته الصفراء وعلمه الأحمر، وتمثل الدعم الأبرز من القوى (الإمبريالية) ذاتها التي كان العمال الكردستاني يستهدفها بتصريحاته أي [ الولايات المتحدة الأمريكية]، ولم يمنع تصنيف العمال الكردستاني على قائمة الإرهاب الأمريكية من دعمها في سورية بشكل معلن تحت شماعة الحرب على الإرهاب، فكانت ( قسد) بالنسبة لأمريكا، بمثابة القوة البرية والإدارة الشكلية للمناطق التي تحتلها لإخضاعها لنفوذ الأمريكي، وقد وضع الأمريكان  نحو 10 قواعد عسكرية،  4 منها في محافظة الحسكة، و6 في ريف حلب الشمالي.

ثالثاً: البروبوغنده:  لعبت البروبوغنده الإعلامية دوراً كبيراً في صناعة أسطورة كل من داعش والقوات الكردية، فكلاهما ومنذ عام 2013 الذي مثل انطلاقتهما الفعلية، قام باستخدام الإعلام الذي يبدو أنه لم يكن في إطار جهود فردية فقط، فالتقانات المستخدمة في إنتاج الأفلام والمقاطع كانت بإمكانيات عالية تعجز بعض الدول عن إنتاجها. وقد تركزت البروبوغنده لإظهار صورة داعش التي تملك إمكانيات عالية، تعجز أكبر دولة في العالم عن تحديد المدة الكافية للقضاء عليها، وتستمر داعش ببث أفلام الإعدام ضمن سيناريوهات ( هوليودية)، في الوقت الذي تمثل فيه القوات الكردية المحارب الأقوى للإرهاب الذي يستطيع وحده دحرَ داعش، ويحرر المرأة من ظلم داعش، وغيرها من البروبوغنده التي تمجّد بطولة هذه القوات وتصورها على أنها قوات تدافع عن حقوقها وأرضها، وتهمل كل التفاصيل المتعلقة ( بأجنبية) هذه القوات الغريبة تكويناً وأهدافاً عن سورية وشعبها.

رابعاً: مشروع الكيان ( الدولة الإسلامية و روجافا):  يرضخ كل من داعش و الـ (PKK)  لقيادات ومرجعيات غير سورية ومتجاوزة الحدود السورية،ويرسم كل منهما  لنفسه حدوداً ويعلن عن ولادة دولته. فبينما بدأت داعش بالتبشير بالدولة الإسلامية في العراق والشام، سعت قياداتها التي يكتنف الغموض علاقاتها بدوائر الاستخبارات الغربية، بإقناع بعض الجهلة من أتباعها بأنهم باتوا بالفعل يعيشون ضمن "دولة خلافة"، فاستخدموا مصطلحات دغدغت مشاعرهم وأشعرتهم بأنهم يعيشون في زمن الفتح!  بيت المال، والخلافة، و الوالي، السبايا، الفتح، الجزية، حتى إنهم عرضوا فيلما للدينار الذهبي بمناسبة اقتراب صكه وإجبار العالم الكافر بالتعامل به بدلاً من العملة الورقية. كذلك الـ (PKK) ، أوهم أنصاره بأنه يمتلك فيدرالية ضمن سورية "روجافا" ، وبدأ بحملة لتغيير أسماء المدن والقرى والساحات والحدائق العامة وإطلاق أسماء كردية، فضلاً عن السيطرة على المدارس ونشر منهاج يتبنى رؤية  الـ (PKK)  ويشجع على العنف الثوري بين الأطفال، وقد تضمن مشروع روجافا هذا ثلاث مناطق سموها ( كانتونات) وهي الحسكة، عين العرب، عفرين، توسعت مناطقهم تحت شماعة الحرب على داعش بدعم من أمريكا لتصبح كل من الحسكة والرقة ونصف دير الزور وجزء كبير من ريف حلب الشمالي تحت سيطرة العمال الكردستاني ، بخلاف ما تخلل ذلك من عمليات تهجير وهدم للعديد من المدن والقرى العربية وبشكل خاص في الرقة، وكذلك تأمين خروج آمن لداعش. مما أبقى الباب مفتوحاً والتساؤلات باقية عن مصير داعش ؟ وإذا ما كانت أمريكا هي الراعي الحقيقي لكل من الـ (PKK)  وداعش معاً؟!.

خامساً: الفشل وخيبات الأمل : يبدو أن أبرز نقطة تشابه بين مشروعي  داعش و الـ (PKK)، تمثلت بكونهما أدوات لغايات دولية أكبر، وبأن هذه الأدوات التي لا تملك قواعد شعبية حقيقية يمكن التخلي عنها بسهولة بعد انتهاء الحاجة لاستخدامها، فكان يكفي مثلاً رفع غطاء الدعم عن داعش والإيعاز لقياداتها بالانسحاب [بمعرفة الأمريكان]، ليسقط مشروع داعش خلال أيام معدودة ويصبح جزءاً من الماضي، وليصاب كل الجهلة من أنصاره بخيبة الأمل، كذلك مشروع روجافا وفيدرالية صالح مسلم والكانتونات والأساطير التي تم بناؤها حول هذه المشاريع التي حملت شعارات عريضة أبرزها "الديمقراطية" في حين أن الواقع كان أشبه بسيطرة عصابة "مافيا" تقوم باستهداف كل من يعارضها، وبالتالي كان يكفي للأمريكان أن يحجموا عن التدخل بما يحدث في عفرين، مع رفض النظام السوري أيضاً تقديم أي شكل من أشكال الدعم لحلفائه السابقين من العمال الكرستاني، لتتهاوى قوات العمال الكردستاني في عفرين وتسقط كأحجار الدومينو، وبالتالي باتت هذه القوات التي تم تصويرها على أنها أسطورية عاجزة حتى عن التقاط أنفاسها، وفقدت توازنها بشكل كامل، وباتت القرى والنواحي المحيطة بعفرين تسقط تباعاً حتى بات مركز عفرين محاطاً تماماً بقوات الجيش الحر والجيش التركي مع توقعات بسقوطها قريباً. خاصة مع أبناء عن انسحاب لقيادات العمال الكردستاني من عفرين وعدم السماح للمدنيين بالتحرك. خلاصة القول إن الشعب السوري بمختلف مكوناته، مطالب اليوم قبل أي وقت مضى ببحث سبل خلاصه من الاستبداد وميليشيات الاحتلال والارتزاق، وعدم التعلق بالأوهام، ولا بالمشاريع الأحادية ذات الأهداف الإثنية أو المذهبية الضيقة عبر استثمار الظروف الآنية أو التعويل على مراحل الاسقتواء بدعم دولة أجنبية لها أجندة معينة. إن سقوط مشروع داعش، واقتراب سقوط وهم "روجافا" يمثل سقوط المشاريع الصغيرة وخروج "المقاولين" الصغار من اللعبة، ومؤشراً لبدء مرحلة ولعبة جديدة قد تكون أخطر من سابقتها عبر تقاسم نفوذ لدول أجنبية ذات سيادة للأراضي السورية، لكن تبقى ضمن إطار القانون الدولي دول أجنيبة على أرض سورية، وبالتالي تتخذ المواجهة المستقبلية للسوريين صفة قانونية إذا رفضت هذه الدول الانسحاب من الأراضي السورية، في حين أن الميليشيات التي تتشكل ضمن الدولة، أو تحاول أن تجعل لها موضع قدم أو تقدم نفسها على أنها ( قوة وطنية)، يجعل الأمر أكثر تعقيداً، وينعطف به نحو حرب أهلية في نهاية المطاف.