من مطاردٍ في اعزاز شمالي حلب، إثر خلافات مع قيادة "هيئة تحرير الشام" قبيل سقوط نظام المخلوع بأشهر، إلى مستشارٍ للرئيس السوري أحمد الشرع لشؤون العشائر، يعود اسم جهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور) إلى الواجهة مجدداً.
وجاءت عودة "الشيخ"، من خلال تحركات عشائرية مكثّفة يقودها شمالي وشرقي سوريا، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة حكومية لإعادة التموضع داخل المشهدين الاجتماعي والسياسي في الجزيرة السورية.
بين سوريا وتركيا.. "الشيخ" يقود حراكاً عشائرياً
خلال الأيام الماضية، نشط "الشيخ" في عقد لقاءات متكررة مع وجهاء وشيوخ قبائل من محافظات دير الزور والرقة والحسكة في منطقة رأس العين، بعد جولة أجراها في تركيا.
ووفق مصادر محلية، تهدف هذه التحركات إلى إعادة بناء الجسور مع المكوّن العربي شرق الفرات، وإيصال رسائل طمأنة بشأن مستقبل الإدارة والتمثيل السياسي والأمني في تلك المناطق.
يرافق "الشيخ" في جولته رئيس مجلس القبائل والعشائر السورية الشيخ عبد المنعم الناصيف، حيث عقد الاثنان سلسلة لقاءات موسعة مع شخصيات عشائرية سورية وعربية مقيمة في ولايات: كلّس وأورفا وماردين جنوبي تركيا، إضافة إلى شيوخ عشائر تركية من أصول عربية.
وبحسب مصادر قريبة من "الشيخ"، ركزت اللقاءات على تعزيز أواصر التعاون بين المكونات العشائرية السورية في الخارج، وتوسيع التنسيق المشترك خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية تهدف إلى توحيد الموقف العشائري ودعم جهود المصالحة المجتمعية في الداخل السوري.
أورفا.. محطة محورية في الحراك
شكّلت ولاية أورفا إحدى أبرز محطات الجولة، كونها تضم أكبر تجمعات للاجئين السوريين من أبناء العشائر العربية القادمين من الرقة ودير الزور والحسكة.
وخلال زيارته الموسّعة في أورفا، شدّد "الشيخ" على أهمية الحفاظ على الترابط الاجتماعي بين أبناء العشائر في تركيا ونظرائهم داخل سوريا، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات سياسية واجتماعية متسارعة.
وتوضح المصادر أنّ العشائر السورية والتركية من أصول عربية ترتبط بعلاقات وثيقة وامتدادات اجتماعية متشابكة، وهو ما يوفّر أرضية خصبة لفتح قنوات تواصل جديدة بين الجانبين، تمهيداً لإعادة دور العشائر إلى الواجهة ضمن عملية إعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري.
رأس العين.. رسائل وحدة وطنية
عقب جولته في تركيا، توجه الشيخ والوفد المرافق إلى منطقة رأس العين (إحدى مناطق عملية نبع السلام سابقاً) في ريف الحسكة، حيث التقى وجهاء محليين وعدداً من شيوخ العشائر العربية، إلى جانب زيارات لكنائس وشخصيات دينية واجتماعية مسيحية.
ووفق مصادر تحدثت لـ موقع تلفزيون سوريا، هدفت الزيارة إلى تعزيز التلاحم الوطني بين مختلف مكونات المجتمع السوري، والتأكيد على أن وحدة الشعب السوري تتجاوز الانتماءات الدينية والقومية.
وخلال اللقاءات، شدّد الوفد على أن الحوار والتفاهم هما السبيل لترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية، مؤكدين أنّ "سوريا لن تُبنى إلا بسواعد جميع أبنائها".
رسائل طمأنة.. استثمار حكومي وتوازنات جديدة
يرى مراقبون أن الحراك العشائري الذي يقوده مستشار الرئيس لشؤون العشائر يأتي في سياق جهود حكومية لاستثمار حالة التململ الشعبي في مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، خصوصاً وسط تصاعد الخلافات بين مكونات عربية وكردية داخلها.
تأتي الخطوة في إطار الضغط السياسي غير المباشر على قيادة "قسد"، بهدف دفعها نحو تطبيق "اتفاق 10 آذار"، الذي يتضمن تفاهمات حول تقاسم السلطة والإدارة والموارد.
وتسعى دمشق، بحسب مصادر عشائرية، إلى استقطاب شيوخ العشائر الكبرى مثل (الجبور والعكيدات والبكارة)، في محاولة لبناء توازن جديد في مناطق الجزيرة السوريّة الحسّاسة.
وتشير المصادر إلى أن الحكومة تعمل على إعادة تفعيل الدور الاجتماعي والسياسي للعشائر، عبر منحها مساحة أوسع لإدارة شؤون مناطقها، بما يضمن خلق توازن جديد في الجزيرة السورية.
العشائر بين الحكومة السوريّة و"قسد"
تؤكّد مصادر عشائرية أن العشائر العربية تشعر بأنها أصبحت "الحلقة الأضعف" داخل تحالف "قسد"، خصوصاً مع سعي قيادة "قسد" إلى ترسيخ مكاسب سياسية وإدارية لصالح المكوّن الكردي.
ولهذا، بات عدد متزايد من وجهاء وشيوخ العشائر منفتحين على الحوار مع حكومة دمشق، لضمان دور فعّال في إدارة مناطقهم، والحصول على مكاسب اقتصادية ووظيفية وتطمينات أمنية.
ووفق المصادر فإنّ "تحييد العشائر العربية أو كسب ودها ودعمها يصب في صالح الحكومة السورية ويضعف قسد، التي تحاول التملّص من (اتفاق 10 آذار)، وأنّه في كلا الحالتين، تطبيق الاتفاق أو الذهاب نحو مواجهة عسكرية، فإنّ قسد ستكون ضعيفة من دون العشائر العربية".
وترى الأوساط العشائرية، أن رهان دمشق على ورقة العشائر قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحالفات شرق الفرات، خاصة إذا نجحت الاتصالات في بناء ثقة متبادلة بين الجانبين.
"أبو أحمد زكور".. من صيدنايا إلى القصر الرئاسي
وُلد جهاد عيسى الشيخ في ثمانينيات القرن الماضي بحي الميسر في مدينة حلب، وينتمي إلى عشيرة "البوعاصي، إحدى فروع قبيلة البكارة العربية المعروفة.
قبل اندلاع الثورة السوريّة، كان "الشيخ" منخرطاً في شبكات تهريب المقاتلين إلى العراق، ما أدّى إلى اعتقاله، عام 2006، وسجنه في صيدنايا، حتى العام 2012، حيث خرج في إطار "العفو العام"، الذي أصدره الرئيس المخلوع بشار الأسد، مع بدايات الثورة.
بعد الإفراج عنه، انضم إلى "جبهة النصرة"، التي كانت في طور التوسّع حينذاك، واتخذ الاسم الحركي "أبو أحمد زكور"، وأصبح من أبرز قادتها الميدانيين، والمقرّبين من "أبو محمد الجولاني" (أحمد الشرع).
ولعب "الشيخ" دوراً محورياً في انفصال "النصرة" عن تنظيم الدولة (داعش)، عام 2013 ومبايعة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم "القاعدة".
ومع إعلان تشكيل "هيئة تحرير الشام"، في كانون الثاني 2017، عبر دمج عدد من الفصائل، أصبح "الشيخ" عضواً في مجلس الشورى، ثم تولّى لاحقاً ملف الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية داخل الهيئة، التي تدهورت علاقته بها وانشقّ عنها، أواخر عام 2023، ما دفع الهيئة إلى محاولة اعتقاله في مدينة اعزاز شمالي حلب.
وبعد فشل العملية وفراره، ظهر لاحقاً بصورة تجمعه بالرئيس أحمد الشرع داخل قصر الضيافة في مدينة حلب، ليعود بـ"عفو خاص" من الرئيس الشرع، إلى الواجهة السياسية مستشاراً له لشؤون العشائر، في تحوّل لافت من ممرات صيدنايا إلى أروقة السلطة الجديدة.