icon
التغطية الحية

بين أغنيات فلسطين وثورة السوريين.. الوجه الآخر الجميل للغضب

2021.11.21 | 13:23 دمشق

aghany_althwrt-_tlfzywn_swrya.png
+A
حجم الخط
-A

هالةٌ صارخة من السلبية تحيط بمفردة (الغضب) عند إنسان الألفية الثالثة، وعلى وجه الخصوص عند الإنسان العربي على الرغم من كل دوافع الغضب المبررة التي يعيشها منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم، لكن قنوات ضخ هائلة تعمل كمهدئات مركزية من عيار (ديازيبام وغابابنتين) تحاول إقناعه بالهدوء والسكينة، وتشبعه برؤى وردية وأحلام تسليمية أكثر منها تفاؤلية، وتروض بشكل أو بآخر ردود فعله الانفجارية عبر تفريغها رقمياً.

فالواقع الافتراضي يشبه غرفة تكسير الأطباق الزجاجية في حالات القهر الفائض، وإذا كان الزمن الذي يفصلنا عن قول المتنبي:

 "ويزيدني غضب الأعادي قسوة.. ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع" طويلاً بما يكفي لتجاهله، فإن قول محمود درويش (أو صداه على الأقل) ما زال يرن في آذاننا:

"سجّل أنا عربي

أنا اِسمٌ بلا لقب

صبور في بلاد كل ما فيها

يعيش بفورة الغضب..... حذار حذار من جوعي ومن غضبي".

 

 

وكذلك عن قول نزار قباني إذا ما جردناه عن سياقه:

"اغضب فأنت رائع حقاً متى تثور

اغضب فلولا الموج ما تكوّنت بحور".

وبمراجعة بسيطة لأغاني الثورة الفلسطينية مثلاً نجد أمثلة كثيرة تمجد الغضب وحتى العنف، ومنها ما غناه مارسيل خليفة لعلي فودة في أغنية (إني اخترتك يا وطني) حيث يأتي في آخرها:

"جئت في زمن الجزر

جئت في عز التعب

رشاش عنف وغضب".

 

 

وعلى الرغم من أن مطلع القصيدة (إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية) يتوازى إلى حد كبير مع أغنية عبد الباسط الساروت في الثورة السورية (جنة يا وطنّا.. حتى نارك جنة)، فإن مفردات الغضب والعنف تغيب بصراحتها عن كلمات الأغنية السورية إذا ما اعتمدنا أغاني القاشوش والساروت الأكثر شهرة وانتشاراً من دون أن نسقط أسبقية وأهمية أغنية (يا حيف) لسميح شقير، وحين نقارن هذه الأغاني لا نضعها أمام (إني اخترتك يا وطني) وحدَها، فالأمثلة كثيرة، يمكن أن نذكر منها أغنية (الغضب العربي):

"وين الملايين الغضب العربي وين..".

كذلك أغنية (غضب الشعب) للثلاثي العربي (سوسن، أمل، جوليا) التي يرد فيها:

"غضب الشعب وطوفانه

يجرف كل الخيانة

لا يبايع ظالم لا يؤيد

يعلن حكم الشعب السيد..".

 

 

ألم يطرح هؤلاء غضباً إيجابياً وربما قيمياً بالمعنى الثوري العربي، فالقومية العربية كانت في ذروتها بين نظريتيها المصرية والعراقية وأصوليتها في الجزيرة العربية، والقضايا العربية وفي مركزيتها فلسطين كانت ساخنة بما يستلزم (ولا يبرر فقط) غضباً عارماً تقوده غاية واضحة وهي (الحرية)، لكن الحرية في ذلك الوقت كانت تعني (التحرير)، وعبارة (يعلن حكم الشعب السيد) ما هي إلا (يعلن حكم السيد) والشعب لفظ مضاف لضرورة التحشيد، حيث تدمج الأنظمة العربية شخصية القائد بإرادة الشعب وكأنه توالد وحيد وحتمي عنها، بينما في الثورة السورية كان للحرية معنى آخر، وهو الحرية بعينها، وفصل الالتصاق الفرضي للسيد بالشعب، ومن هنا لم تكن أغنية القاشوش تدعو إلى الغضب؛ لأن المطلوب ليس إلا رحيل شخص واحد، فاكتفى باختزال أغنيته بـ:

"يا بشار مالك منا

خود ماهر وارحل عنا

هي شرعيتك سقطت عنا

يلّا ارحل يا بشار..".

 

 

وأكثر من ذلك أنه كان متنبهاً إلى أن عائلة الأسد ليست وحدها في هذه المواجهة فقال:

"يا ماهر ويا جبان

يا عميل الأمريكان

الشعب السوري ما بينهان..".

ولعل عبارته هذه كانت الوحيدة في الثورة السورية التي توجهت إلى الدول الكبرى ومنها الإدارة الأميركية كشريك محتمل في الجريمة.

يوازي الغضب في الثورة الفلسطينية الكفاح المسلح، وهي دلالة إيجابية بنظرة المُستعمَر للمُستعمِر، لذلك لم يتورّع علي فودة عن قول: (رشاش عنف وغضب) ومن بعده لم يتورع مارسيل بغنائها، فهما أمام شارع عربي يتفق –وإن أبطن قادته غير ذلك- على معركة التحرير كواجب مقدس، لكن الساروت في الثورة السورية يقف أمام شارع تفاوتت ردات فعله إزاء الثورة، ويعمل النظام جاهداً على ترسيخ شروخه الطائفية والإثنية، لذلك كان الغضب بالنسبة له صاعق الانفجار الكبير، فانصرف عن الغضب كضرورة لإسقاط النظام الحاكم إلى الرسالة الجامعة كضرورة في تعزيز الهوية الوطنية الواحدة مارّاً على ذكر المحافظات السورية كلِّها، ومنها أيضاً كان وقوفهُ مع فدوى سليمان في ساحات مدينة حمص ذات الحساسية الطائفية العالية، ولاحقاً نهج الكثيرون نهجه.

أما في أغنية (وين الملايين) فكانت تناجي جموعاً غائبة المتوقع منها أن يصحو غضبها متناغماً مع معركة التحرير، بينما في ثورات الربيع العربي ومنها سوريا لم يتفق الشارع العربي ولا قياداته في الموقف من الثورات، ومع الزمن انكشف عن مخاتلة وازدواجية منذ البداية، لذلك لم يكن هناك نداء مؤمن برجعه، فاقتصر على دعوات للفزعة ومناجاة للنخوة، وصرّح في حالات عن الخذلان من القيادات العربية كما في أغنية (سوريا ظلي واقفة) لفراس الرحيم وغناء الساروت:

"مدري طواغيت العرب ناموسهم شهوة وطرب

نسيوا إذا الشعب انغلب ما عاد سيف يفيد".

 

إلا أن الغضب كان يحضر في وجوه وتعابير المغنين، إذ كانوا ثواراً قبل أن يكونوا مُغَنِّي ثورة، فهم كما قال محمود درويش (في فورة الغضب)، ويتضح ذلك بجلاء في وجه الساروت حين يغني لإدلب وحين تتقلب ملامحه التعبيرية بين الحزن والغضب مع كلمات أغانيه، وكل هذا الغضب القديم والجديد الذي تحدثنا عنه يعبر عن زاوية إيجابية للغضب يتفق معها قول بيدي جاريت: "العالم يحتاج إلى الغضب، فهو عادة ما يسمح باستمرار الشرّ؛ لأنه ليس غاضباً بما يكفي"، ويذكرنا ما آلت إليه الأمور في سوريا بنبرة الساروت الحزينة في (سوريا ظلي واقفة) التي كانت بمنزلة وصيّة أخيرة، فعرّج على جرح سوريا ومصر واستبشر بثورات الجزائر والسودان، ويذكرني حال العملية السياسية السورية بقول الروائي المصري بهاء طاهر: "هم يريدون أن تموت الحكاية بالصمت كما ماتت جرائم أخرى، يريدون أن تموت الذاكرة ويموت الغضب ليستمرَّ اللعب في الخفاء".