icon
التغطية الحية

بيع الخبر في الطرقات.. مهنة الباحثين عن لقمة العيش

2025.07.11 | 05:06 دمشق

باعة الخبز في أحد شوارع منطقة مشروع دمر القريبة من العاصمة السورية دمشق، تموز/يوليو 2025 (تلفزيون سوريا)
باعة الخبز في أحد شوارع منطقة مشروع دمر القريبة من العاصمة السورية دمشق، 5 تموز/يوليو 2025 (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا - دمشق - مأمون البستاني
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تشهد دمشق انتشار بيع الخبز في السوق السوداء بأسعار مضاعفة بسبب غياب الرقابة، وهي ظاهرة تعود لفترة حكم النظام السابق حيث كانت البطاقة الذكية تُستخدم لتوزيع الخبز المدعوم بشكل غير كافٍ.
- يوضح محمد رعدون أن سوء الإدارة والخلل في بنية الاقتصاد السوري ونظام الدعم، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة، ساهمت في انتشار الظاهرة.
- يقترح رعدون تغيير سياسات الدعم إلى دعم نقدي مباشر، تحسين الإنتاج المحلي، تفعيل الرقابة، والسماح بتحرير جزئي للأسعار مع دعم الأسر الفقيرة.

رغم توفر مادة الخبز بصورة أفضل بكثير عما كانت عليه على خلال حكم نظام الأسد المخلوع، إلا أن محاولات عملية ضبط توزيع الخبز ما زالت تصطدم بظاهرة الطوابير أمام نوافذ الأفران في العاصمة دمشق، وانتشار ظاهرة بيع الخبز في أرصفة السوق السوداء.

تشهد دمشق بشكل ملحوظ تنامياً في ظاهرة بيع الخبز على الأرصفة أو في مواقع البيع المخالفة بأسعار مضاعفة، إذ ينتشر الباعة بشكل كثيف على مفارق الطرق وتحت الجسور القريبة من الأفران، وسط غياب الرقابة من قبل الجهات المعنية.

"ما بدها راس مال"

في منطقة مشروع دمر الراقية غرب دمشق، وعلى مقربة من أحد الأفران الحكومية، ينتشر العشرات من باعة الخبز، أطفال وشبان ونساء وكبار في السن، على الأرصفة ومفارق الطرق وأسفل الجسور، ينتظرون توقف سيارة عابرة ليتسابقوا إليها بهدف بيع ما لديهم من الخبز.

يجلس أبو أيهم (51 عاماً) على قطعة كرتون قديمة افترشها على الرصيف تحت ظل شجرة "الكينا" بالقرب من مفترق طرق في مشروع دمر، بينما يقف ابنه المراهق أحمد (14 عاماً) بجانب الرصيف حاملاً بين يديه 3 ربطات خبز، يترقب مع بائعين آخرين سيارة يريد صاحبها الحصول على ربطة خبز.

يقول الرجل الخمسيني، الذي تبدو على وجه ملامح التعب والإرهاق، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا": "نعمل في بيع الخبز مجبورين، ومثل ما يقول المثل ما جبرك على المر غير الأمر، أنا سائق، وشغل ما في حالياً، وإذا لقيت شغل الراتب ما بكفي أجار بيت".

ويضيف: "ابني أحمد السنة الجاية صف تاسع، وعندي شبين بالجامعة، وبيع الخبز أسهل الشي ومردوده جيد، يعني بكفي ما بدو راس مال، إذا انباعوا الربطات يلي معنا خير، ما انباعوا بناخدن عالبيت".

من شح "البطاقة الذكية" إلى وفرة

باعة الخبز باتت مشاهد مألوفة في معظم شوارع العاصمة وخاصة في أوقات المساء.

كما أن هذه الظاهرة ليست وليدة المرحلة الحالية، بل ظهرت أثناء حكم النظام البائد، وتنامت بعد إدراجه بيع مادة الخبز المدعوم عبر البطاقة الذكية في عام 2020، حيث كانت المخصصات للشخص غير كافية، عدا أن الحصول عليها كان شاقاً بسبب انتشار الطوابير.

بعد إسقاط نظام، حددت الحكومة الجديدة سعر الربطة (12 رغيفاً) بقيمة 4000 ليرة، وباتت مادة الخبز متوفرة بشكل غير محدود على عكس ما كان عليه الحال أثناء حكم الأسد، حيث كان سعر ربطة الخبز المدعوم رخيصاً (200 ليرة سورية ولاحقاً ارتفع سعرها إلى 400 ليرة) ولكنها الحصول عليها أشبه بالمعجزة.

سوء إدارة وفشل في التوزيع

يوضح مدير مكتب العلاقات العامة في نقابة الاقتصاديين السوريين محمد رعدون، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أن ظاهرة انتشار بيع الخبز على الأرصفة في دمشق، وبعض المدن الأخرى كاللاذقية وطرطوس، من المظاهر المؤسفة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الحرب طوال 14 عاماً، والتي ظهرت نتيجة لتراكم عوامل منها سوء الإدارة والخلل في بنية الاقتصاد السوري ونظام الدعم والتوزيع. وهي نتاج سوء في الإدارة ترافق مع أزمة اقتصادية عميقة.

ويرى رعدون أن سوء الإدارة تجلى من خلال الفشل في توزيع الخبز بشكل عادل واعتماد أنماط فاشلة من الدعم مثل البطاقة الذكية، مع غياب الرقابة على الأفران والموزعين، الأمر الذي مهد الطريق أمام بروز ظاهرة السوق السوداء.

ومن عوامل انتشار هذه الظاهرة الأزمة التي أصابت الاقتصاد خلال فترة الحرب من تدهور سعر صرف الليرة وارتفاع تكاليف الإنتاج لمادة القمح التي تراجعت زراعته بشكل كبير، وارتفاع أسعار الوقود، وأزمة الكهرباء.

ووفق ما ذكره رعدون فإن كل ما سبق ذكره من عوامل أدت إلى التحول للاعتماد على الاستيراد أو المساعدات لتأمين القمح، مشيراً إلى أنه من أسباب تراجع الإنتاج المحلي للقمح الحرب والجفاف وتدهور البنية الزراعية وتراجع الدعم الحكومي، والتي أدت إلى تراجع الدخل الفردي وارتفاع مستويات الفقر، ما جعل الخبز المدعوم أحد السلع الأساسية التي يكافح المواطن للحصول عليها.

إرث النظام البائد

قبل 9 سنوات نزح أبو أيهم إلى دمشق قادماً من محافظة دير الزور، ويعيش حالياً في منطقة دمر البلد، يروي بعضاً من صور المعاناة التي كان يعيشها خلال حكم النظام البائد، وكيف اضطر لبيع ممتلكاته لكي يؤمن تكاليف دراسة أبنائه في الجامعة حتى وصل به الحال إلى أن يعيش في منزل للإيجار بمنطقة عشوائية.

يشعل أبو أيهم سيجارة لفها من تبغ محلي، وأوضح أن دخله اليومي من بيع الخبز يتراوح بين 40 و50 ألف ليرة (ما يعادل 4 إلى 5 دولارات أميركية)، وهو مبلغ يراه كافياً لتأمين الاحتياجات الأساسية كحد أدنى، مشيراً إلى أنه يحصل في بعض الأحيان على إكرامية جيدة من الزبائن.

ويؤكد أن ظاهرة بيع الخبز ما هي إلا صورة من صور المعاناة التي خلفها النظام البائد، إلا أنه لا يمكنه الاستغناء عن العمل ببيع الخبز كونه مصدر رزق سهلاً وليس لديه بدائل.

وحول علاقة هذه الظاهرة بسياسات الدعم القديمة، يوضح رعدون أن "هناك ارتباطاً وثيقاً بينهما، إذ أن سياسات الدعم في عهد النظام البائد منذ حكم حافظ الأسد وحتى عام 2011 أسهمت في ترسيخ ثقافة الاعتماد الكامل على الدولة في تأمين مادة الخبز وبأسعار رمزية".

يضيف رعدون أن "هذه السياسات خلقت منظومة غير فعالة لا تشجع على ترشيد الاستهلاك أو تحسين الجودة. وأيضاً فتحت الباب على مصراعيه للفاسدين وارتفاع مستويات الهدر، كما أسهمت تلك السياسات في تراجع الإنتاج المحلي لصالح التركيز على الاستيراد المدعوم".

ومع اندلاع الثورة عام 2011، وتراجع الموارد وتدهور الاقتصاد، طفت سلبيات هذا النموذج على السطح، حيث بات عبئاً لا يمكن الاستمرار به، الأمر الذي قاد لظهور اختناقات وتلاعب وفوضى في تأمين مادة الخبز ومكّن من ظهور السوق السوداء وغيرها، وفق ما ذكره الاقتصادي رعدون.

طوابير مفتعلة

عن طبيعة العمل ببيع الخبز، يوضح أبو أيهم أنه يحصل على الخبز من الفرن بعد أن يقف على الدور، لافتاً إلى أن العاملين في الفرن يتغاضون في معظم الأحيان ويبيعونهم الخبز على الرغم من معرفتهم أنهم سيبيعونه للمارة.

ويستذكر حادثة وقعت قبل مدة في أثناء عمله ببيع الخبز، وذلك عندما منع المسؤول عن الفرن بيع الخبز للباعة في أحد الأيام، إلا أنه تراجع عن قراره في اليوم التالي، بعد أن رأى حالة الإحباط التي وصل لها الباعة بسبب توقف مصدر رزقهم.

ولا ينكر الرجل الخمسيني أن باعة الخبز يعملون على خلق طوابير أمام الأفران، خاصة في أوقات الذروة (انصراف الموظفين من العمل) بهدف بيع الخبز من قبلهم للناس بدلاً من وقوفهم في طوابير أمام الفرن.

وبحسب ما قاله "أبو أيهم"، يعمل في بيع الخبز باعة من مختلف المناطق السورية الذين يعيشون في دمشق، خاصة الذين ينحدرون من المناطق الساحلية والشرقية، ويشير إلى أنه رأى بأم عينيه طلاباً من الجنسين يدرسون في الجامعات قد لجؤوا للعمل ببيع الخبز.

مقترحات وبدائل متاحة

للتخلص من ظاهرة بيع الخبز في السوق السوداء دون تغيير جذري في آليات الدعم والتوزيع، يعتقد الاقتصادي رعدون أنه "لا بد من التغيير الجذري في سياسات الدعم القديمة واستنباط أساليب تتماشى مع الواقع الفعلي فما كان بالأمس لم يعد يصلح اليوم، لأن استمرار الدعم العشوائي سيقود إلى انتشار بيع الخبز في السوق السوداء وتنامي هذه الظاهرة المزعجة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. واستمرار الظلم في التوزيع بين من يستحق ومن لا يستحق. وتشكيل عبء مالي كبير على الدولة دون أي خدمة تريح المواطن".

ويرى أن "الإصلاح الحقيقي الفعال يستوجب التحول في عملية الدعم من السلعة إلى دعم المستهلك بشكل مباشر مثل الدعم النقدي بشروط تحقق العدالة، وأيضاً إسقاط الضوء على الفئات المستحقة بوضوح، وتفعيل دور الرقابة خلال عمليات التوزيع، وكذلك إفساح المجال للمخابز الخاصة مع ضمان عملية الرقابة عليها ضمن سقف سعري تحدده الدولة".

ويقترح رعدون بدائل متاحة لتأمين الخبز بسعر مناسب دون طوابير أو سوق سوداء، ومنها الدعم النقدي بشروط عادلة تمكن الأسر المستحقة من تغطية احتياجها الأساسية من مادة الخبز، الأمر الذي يسهم في تراجع الفساد والتلاعب بقوت الناس وعمليات الدعم.

كما يمكن السماح للمخابز الخاصة بتحرير جزئي للأسعار مع ضمان دعم الأسر الفقيرة ضمن رقابة ودعم من يستحق فقط. والعمل على تحسين الإنتاج المحلي لمادة للقمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتخفيف الاعتماد المستورد، عبر عدة آليات منها دعم الفلاحين بالسعر الجيد وتوفير مستلزمات الزراعة الحديثة والإرشاد الزراعي، بحسب رعدون.

ومن البدائل الأخرى، وضع ضوابط وآليات حديثة لعمليات توزيع الخبز. والتوجه لإطلاق مبادرات تعاونية مجتمعية لدعم الأسر في المناطق الفقيرة.