icon
التغطية الحية

بيانات سبقت المقاتلين.. هكذا خاطبت "الشؤون السياسية" مكونات سوريا في ردع العدوان

2025.12.06 | 06:39 دمشق

قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع يلتقي بوفد من الطائفة المسيحية في مدينة دمشق
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي وفداً من الطائفة المسيحية في دمشق (رئاسة الجمهورية العربية السورية)
تلفزيون سوريا - محمد كساح
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تبنت القيادة العامة لعملية ردع العدوان خطابًا سياسيًا وطنيًا يهدف إلى بناء سوريا جديدة خالية من العنف الطائفي، مع التركيز على حماية المدنيين ودعوة الشعب للابتعاد عن النظام.
- اعتبر المحلل السياسي عبد الله الحمد أن البيانات الصادرة تمثل مشروعًا وطنيًا جامعًا يركز على التسامح والروح الوطنية، حيث تم تأمين الاحتياجات الأساسية وحماية المكونات المختلفة في حلب.
- ساهمت البيانات المتسامحة في فتح باب التسويات مع النظام، مع التركيز على معركة نظيفة تقلل الخسائر وتطمئن الفئات المختلفة، مما ساهم في تقليل الفوضى والنزوح.

كان الخطاب السياسي الداخلي الذي تبنته القيادة العامة لعملية ردع العدوان عبر "إدارة الشؤون السياسية في المناطق المحررة" التابعة لـ"حكومة الإنقاذ السورية" آنذاك، بالتزامن مع المسار العسكري، لافتاً جداً، فقد وضع هذا الخطاب اللبنة الأولى للخطاب الوطني الجامع الذي ستبنى عليه سوريا الجديدة، وساهم في الوصول إلى معركة نظيفة بلا دماء أو عنف طائفي، وأرسل رسائل طمأنة تلقتها كافة مكونات الشعب السوري.

البداية من حلب

وكانت بداية هذا المسار، بالبيان الذي نشرته الإدارة الموجه إلى أهالي نبل والزهراء بريف حلب، الذي شدد على أن أهالي البلدتين كغيرهم من المدنيين السوريين يجب أن يكونوا بمنأى عن أي استهداف أو تهديد قائم على الانتماء المذهبي أو العرقي، داعياً أهالي البلدتين إلى عدم الوقوف إلى جانب النظام ومساندته في قتل الشعب السوري وتعميق معاناته الإنسانية.

ومع تمدد الثوار في مناطق عديدة، أرسل رئيس مديرية شؤون الطوائف في إدارة الشؤون السياسية بشير العلي رسالة طمأنة لجميع الطوائف، بما فيهم المسيحيون، بأن حياتهم وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم وحريتهم ستكون محمية، مخاطباً الأقليات الدينية، قائلاً: "سلامتكم وحقوقكم هي أولوية بالنسبة لنا تماماً مثل جميع السوريين الآخرين".
وفي بيان آخر، أكدت الإدارة أنها ملتزمة بشكل كامل بحماية القنصليات والمراكز الأثرية والثقافية والكنائس والمدارس المتنوعة في مدينة حلب، وحماية حقوق المدنيين من جميع الطوائف والمكونات السورية.

كما وجهت رسالة إلى أكراد سوريا في مدينة حلب، تؤكد الحق الكامل للأكراد السوريين في العيش بكرامة وحرية شأنهم شأن كافة أبناء الشعب السوري، على اعتبار أنهم جزء من الهوية السورية المتنوعة، وأن التنوع هو قوة وليس ضعفاً.

رسائل طمأنة أخرى

إلى ذلك، حمل البيان الموجه إلى أبناء الطائفة العلوية بريف حماة رسالة طمأنة مشابهة، فقد أكد أن الوقت قد حان لطي صفحة الآلام بعد استخدام النظام الطائفة العلوية في معركة صفرية عبر الشحن الطائفي الدموي الممنهج ما تسبب بجراحات مجتمعية وشرخ عميق في العلاقة بين مكونات الشعب السوري، ودعا البيان أبناء الطائفة العلوية إلى فك أنفسهم عن النظام والالتحاق بالرأسمال الحقيقي ليكونوا جزءاً من سوريا المستقبل التي لا تعترف بالطائفية.

وتلا هذه البيانات بيانان، أحدهما موجه لأبناء مدينة السلمية من أبناء الطائفة الإسماعيلية، والآخر موجه إلى المسيحيين في وادي النصارى وعموم مسيحيي محافظة حمص. وحمّل البيانان رسائل طمأنة لهذه المكونات، على غرار البيانات التي سبقتهما.

التمهيد لمشروع وطني جامع

ينظر المحلل السياسي عبد الله الحمد إلى البيانات التي أصدرتها إدارة الشؤون العسكرية في أثناء عملية ردع العدوان بخصوص المكونات السورية بمثابة التأسيس لمشروع وطني جامع يحمل طابع التسامح وتغليب الروح الوطنية ومحاولة الوصول إلى أهداف وطنية جامعة بعيداً عن روح الانتقام والثأر.

ويتابع خلال حديث لموقع تلفزيون سوريا أن هذا المشروع ظهر جلياً من خلال سلوكيات القوى الثورية التي دخلت إلى مدينة حلب والأحياء المسيحية داخلها إضافة للقرى ذات المكون الشيعي في الريف الحلبي، لافتاً إلى أهمية الأعمال التي قامت بها هذه القوى من تأمين الخبز والطعام والأدوية وحماية المكونات وعدم الاقتراب من مقدساتهم، والتي قدمت رسالة نموذجية وطنية حملت في طياتها الكثير من معالم المشروع الوطني الذي سيُرسم في سوريا الجديدة.

فتح بوابة التسويات

من ناحية أخرى، يلاحظ الحمد أن هذه البيانات المتسمة بنهج متسامح لافت جداً، فتحت بوابة التسويات باتجاه قوات النظام، وأوضحت أن الهدف ليس القتل وإسالة الدماء بل إسقاط النظام واحتواء جميع مكونات الشعب السوري، لا إقصاءها، وظهر ذلك من خلال التسويات الموسعة التي أجرتها القيادة العامة مع أفراد المؤسسة العسكرية للنظام المخلوع. 

ونظراً لأن نظام الأسد كان يعتمد على الأقليات في مشروعه العسكري والأمني الرامي إلى إقصاء الأكثرية والقضاء عليها، فإن مشروع التسويات وروح التسامح التي واكبت العملية، شكلا عاملين هامين جداً في دفع العملية العسكرية نحو التمدد وصولاً إلى دخول العاصمة، بالموازاة مع إعطاء انطباع للمكونات السورية التي ما تزال خارج نطاق إدارة الحكومة السورية الجديدة مثل قسد وغيرها بأن العملية الوطنية في البلاد تسير على قدم وساق وبخطى واثقة دون وجود عمليات انتقامية وأن الدولة السورية قطعت شوطاً كبيراً في ردم هذه الهوة بين المكونات السورية، التي خلّفها النظام المخلوع.

أكثر المعارك نظافة

كان الخطاب الموجه للمكونات السورية في أثناء عملية ردع العدوان استراتيجية منسجمة مع أهداف المعركة، حيث كانت القيادة العامة تحاول خوض معركة نظيفة، تتميز بتقليل عدد الخسائر والدماء وعدم فتح معارك جانبية مع إرسال تطمينات لفئات الشعب الأخرى بأنها غير مستهدفة، وبالتالي تقليل حدوث الفوضى وحالات النزوح والهروب، وفقاً لحديث الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي لموقع تلفزيون سوريا.

يضيف علاوي أن القيادة العامة كانت تعمل على إيجاد بيئة ملائمة لإدارة هادئة في هذه المناطق بعد تحريرها، معتبراً أن كل هذه الرسائل والمؤشرات شكلت عاملاً مهماً في تطمين الأقليات.

ومن جهة أخرى، يلاحظ علاوي الضغط والتعليمات الصارمة التي وُجهت للمقاتلين بعدم ارتكابهم أي خطأ خلال العملية يمكن أن يحرف أنظار الإعلام المراقب للعملية، نظراً لأن العملية كانت مراقبة إعلامياً بدقة، وأي خطأ ممكن أن يؤثر على سير العمليات العسكرية، التي أرادتها القيادة دقيقة ومنظمة وخالية من الخطأ، وفي ذات الوقت معركة سريعة وخاطفة ولا تحمل أي مؤشرات أو رسائل أو انعكاسات سلبية. وهذا ما حدث فعلاً، فقد نجحت العملية نجاحاً كبيراً ولافتاً.