بيئتنا ونحن والمسؤولية الأخلاقية

بيئتنا ونحن والمسؤولية الأخلاقية

الصورة
11 أيلول 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

ما دفعني إلى تناول موضوع البيئة، التلوث الكبير الذي تعاني منه البيئة التي يعيش فيها السوريون في الوقت الحالي، ليس فقط بسبب انتهاك الحرب لمجالهم الحيوي كاملاً، برًا وجوًا وبحرًا، وما نجم عنه من أنماط سلوكية دافعها الرئيسي كان غريزة البقاء، وذلك بتأمين أسباب الحياة في الحد الأدنى بواسطة المتاح والممكن الوصول إليه من دون التقيد بأي معيار أخلاقي أو قانوني.

في الحقيقة فإن الأفراد الموجودين في الداخل السوري يغرقون في نفاياتهم ضمن المدن والتجمعات الكبيرة، فالشوارع تضيق بالحاويات التي تفيض منها أكياس الزبالة وتشكل هضابًا حولها تجذب النباشين من مختلف الأنواع الحية، إذ يبدأ النباشون البشريون أولاً بينما القطط تتلطى قريبًا منتظرة فرصتها للانقضاض وتمزيق ما عفّ عنه البشر، ثم تأتي بعدها القوارض والحشرات، الجرذان تكاثرت بطريقة خيالية وصارت تهاجم البيوت وتتسلق الجدران أو أنابيب الصرف إلى الطوابق المرتفعة، وما يسهل على القطط والجرذان عملية النبش وجود العديد من الأحياء أو الشوارع الضيقة أو الحارات التي لا تحظى بترف تسخير الحاويات لجمع قمامتها، فتلاقي الأرصفة وجوانب الطرقات فيها مفروشة بأكياس الزبالة المنبوشة والمبعثرة محتوياتها مفترشة الأرصفة والطرقات وأكوام الذباب والبعوض تشكل سحابات فوقها.

لا يسلم شاطئ مدينة كانت تسمى عروس الساحل "اللاذقية" من أبشع أنواع التلوث وأكثر أشكال الانتهاك، وأكثر ما يلفت النظر كميات البلاستيك بكل أشكاله الطافية على سطح الماء، بينما رواد المطاعم والمقاهي المطلة على البحر لا يأبهون بمناظر القبح أمامهم، ولا يرتدعون عن تكرار تلك الأفعال، صغيرهم وكبيرهم لا فرق، بل يستظرف الأهالي سلوك أطفالهم "الحبوبين" وهم يلقون علب الكولا والعصائر وأكياس الشيبس وغيرها إلى الماء ويتضاحكون فيصفق لهم الكبار.

لا يسلم شاطئ مدينة كانت تسمى عروس الساحل "اللاذقية" من أبشع أنواع التلوث وأكثر أشكال الانتهاك، وأكثر ما يلفت النظر كميات البلاستيك بكل أشكاله الطافية على سطح الماء، بينما رواد المطاعم والمقاهي المطلة على البحر لا يأبهون بمناظر القبح أمامهم

هذه التلال من القمامة عندما تجمع وترحّل إلى مكب النفايات في منطقة "البصة" حيث المدفن الذي فاض عن حده، تشتعل بفعل فاعل مجهول كل يوم، تحترق احتراقًا ناقصًا وتتصاعد سحب الدخان والأبخرة المشبعة بغازات من المعروف أنها تحوي العديد من المواد المسرطنة، وتترك نفسها للريح تسحبها وتبددها في فضاء المدينة، فيعبق الجو برائحة احتراق غريبة، وتبدأ المعاناة، كثير من المرضى بجهازهم التنفسي تنتابهم نوبات تدخلهم المشافي.

لا يقتصر الأمر على هذا النوع من التلوث، بل عوادم السيارات وموتورات توليد الكهرباء ومكيفات الهواء وغيرها الكثير مما يستخدم الناس في حياتهم من دون أي وعي أو توجه نحو تحصيل الوعي بمعنى المخاطر التي تهدد حياتهم تستخدم بطرق فوضوية ومن دون رقابة أو ترشيد. التلوث السمعي في أعتى درجاته، أبواق السيارات التي لا تكف عن الزعيق، أصوات المحركات، الآليات، الميكروفونات، المحال التي تفتح وتتكاثر مثل الفطور والأشنيات، يستبيح أصحابها المجال العام وكأنه ملكهم ويطلقون الموسيقى والأغاني الصاخبة والهابطة لترتج لها الجدران. صباحًا، وبدل زقزقة العصافير التي ما زالت تقيم أعشاشها في بعض الأشجار التي نفدت من الاحتطاب أو الحرق، فإن صوت الميكروفونات الصادحة من المدارس يثقب ليس طبلات الآذان وحدها، إنما يثقب الستارة الأخيرة من الإحساس بالذوق والكرامة لدى الإنسان، مكبرات الصوت في أيدي المشرفين أو المشرفات وهم ينظمون عملية الاصطفاف الصباحي وتحية العلم بخطاب صاخب عنيف وجمل واعدة تحقّر الطلاب.

تقول بعض الإحصائيات إن أكثر من ثمانين بالمئة من طعام السوريين غير مراقب ويفتقر إلى شروط الأمن الغذائي، أما المزروعات فتلك حكاية أخرى بسبب الاستخدام غير المسؤول للأسمدة والمواد الكيميائية، حتى الأدوية صار قسم كبير منها مشكوك في أمرها وفي احتوائها على المادة الدوائية.

يمكن الحديث كثيرًا عن التلوث المستشري في حياة السوريين، لكن لا بد من الوقوف عند قضية مهمة، تلوث الوعي والضمير. فبمراقبة سلوك الأفراد الذي يتكرر بشكل جماعي نرى أن هناك أزمة ثقافية رهيبة، هناك ثقافة مهيمنة تجعل من البيئة أمرًا خارج نطاق المدرك والمحسوس، ليس هناك مسؤولية أخلاقية، ولا نواظم تضبط العلاقة بين الأفراد وبيئتهم أو فيما بينهم، صحيح أن الحرب المدمرة التي شهدها الشعب السوري كانت شرسة ولم توفر أي جانب من حياتهم، لكن يمكن القول إن هذه الأزمة عرت الواقع وكشفت هشاشة البنيان الثقافي والانتماء الوطني، لقد تكون شعور خلال العقود الماضية لدى غالبية المواطنين بالعداء المضمر للدولة، حتى إن المواطن عندما يكون لديه مراجعة لدى الدوائر الحكومية فإنه مسبقًا يكون ممتلئًا بالنفور ومتحفظًا تجاه الموظف الحكومي لأن المتعارف عليه أنه منتهك الحقوق ومظلوم والموظف الحكومي يمثل الدولة التي لا تهتم بالمواطن، بل الفساد يجعله يتحكم بحاجات الناس، وهذا كان أحد الدوافع المختبئة خلف سلوك جمعي اتسمت به المرحلة منذ بداية الحراك السوري فكان الاعتداء على المرافق والأملاك العامة سلوكًا يمارسه الأفراد في كل المناطق لا فرق بين مناطق نظام أو معارضة.

يمكن الحديث كثيرًا عن التلوث المستشري في حياة السوريين، لكن لا بد من الوقوف عند قضية مهمة، تلوث الوعي والضمير. فبمراقبة سلوك الأفراد الذي يتكرر بشكل جماعي نرى أن هناك أزمة ثقافية رهيبة، هناك ثقافة مهيمنة تجعل من البيئة أمرًا خارج نطاق المدرك والمحسوس

عدم القدرة على التعايش أو العيش المشترك أيضًا ظاهرة واضحة مارستها شرائح كبيرة من الشعب ضد بعضها البعض، الخطاب والسلوك الاقصائي الناكر للآخر، وليست البيئة بكل مكوناتها خارجة عن هذا النطاق من الممارسات، لذلك كان انتهاك السوريين لمجالاتهم الحيوية أمرًا زاد في تردي حياتهم، وما زاد في تكريسه عجزُ مؤسسات الدولة عن القيام بجميع وظائفها وما نجم عنه من تردي البنية التحتية وسوء حالة المرافق العامة وكل المجالات المشتركة بين السكان، بالإضافة إلى تردي وضعهم المعيشي مع سيطرة مشاعر العجز والكآبة واليأس من إمكانية تغيير واقعهم والتفكير بمستقبلهم، فتحول المزاج العام نحو اللامبالاة وعدم الاكتراث بما هو أكثر من البقاء على الرمق، فمن المعروف أن الظروف المحيطة تلعب دورًا في التحفيز أو التثبيط.

إذا كانت الدول الكبرى والمؤسسات العالمية قد فشلت إلى الآن في مواجهة الأزمة البيئية المتفاقمة باستمرار، فهل تركن الشعوب وتستسلم لهذا الفشل؟ وإذا كانت الحروب تفرض نظمها وتجيز انتهاك كل شيء بلا خطوط حمراء، هل يصبح انتهاك البيئة أمرًا مشروعًا؟ يبدأ احترام البيئة من أضيق مكان، من الحيز الصغير الذي يشغله الفرد في الحياة، غرفته أو بيته قبل كل شيء، العمارة التي يسكن فيها، البنية التحتية التي يتشارك فيها مع بقية الساكنين، مكان عمله، أماكن تسليته، الحدائق العامة إن وجدت، الأراضي الزراعية وغير الزراعية، مصادر المياه وغيرها الكثير مما لا يمكن عده.

إذا كان الجيل الحالي غير مكترث ببيئته، ألا يترتب عليه واجب أخلاقي تجاه جيل أبنائه، جيل المستقبل، في بيئة طبيعية ونظيفة عندما يحين زمنهم؟

موضوع البيئة من المواضيع الهامة جدًا، وعلى المعنيين الاشتغال عليه بلفت اهتمام العامة إليه وإدراجه في منظومة قيمهم واهتماماتهم، فمثلما لهم حقوق عليهم واجبات ليس أخلاقيًا أمر تجاوزها أو إهمالها، ومفهوم المساواة والعدالة وغيرها من المفاهيم التي تطالب الشعوب بتحقيقها لا يمكن تجزئتها أو تطبيقها بشكل انتقائي، ليس فيما بين شرائح أي شعب، إنما فيما بينهم وبين بقية الكائنات التي يتشاركون معها مجالهم الحيوي. الحاجة الماسة لوقف التعدي على البيئة ووقف انتهاكها يبدأ بالسلوك الفردي البسيط، يبدأ من احترام المرافق المشتركة في الأبنية السكنية، في فرز القمامة من البيوت، في عدم رمي علب التبغ الفارغة أو علب المشروبات من نوافذ السيارات، في التفاصيل الصغيرة الصغيرة التي لا يمكن الوصول إلى الكبيرة إلا من خلالها، فلنبدأ من اليوم.

شارك برأيك