بورصة لا ضوابط لها.. أسعار الدروس الخصوصية تحلّق في مناطق النظام قبيل الامتحانات

تاريخ النشر: 19.05.2022 | 06:39 دمشق

آخر تحديث: 19.05.2022 | 12:51 دمشق

إسطنبول - هاني العبد الله

مع تبقي عشرة أيام على بدء امتحانات الشهادات العامة، شهدت أسعار الدروس الخصوصية في مناطق النظام ارتفاعاً جنونياً، ما جعل الطلاب في حالة قلقٍ واستياءٍ في ظل حاجتهم الماسة لتلك الدروس، وعدم قدرة ذويهم على تأمين تكاليفها.

وحدّدت "وزارة التربية والتعليم" في حكومة النظام موعد امتحانات الشهادة الإعدادية في 29 من أيار الحالي، بينما تبدأ امتحانات الشهادة الثانوية بفرعيها العلمي والأدبي في 30 من الشهر ذاته.

استغلال موسم الامتحانات

يزداد إقبال الطلاب على الدروس الخصوصية قبيل الامتحانات، بغية إجراء مراجعة سريعة للمنهاج للتأكد من جاهزيتهم للامتحان، والحصول على توقعات الأسئلة والإجابة على كل استفساراتهم.

أصيبت "أم راما" بصدمةٍ حين اتصلت بمدرس رياضيات ثانوي في حي الفرقان بحلب من أجل ابنتها، ليخبرها أن كلفة الساعة الواحدة 20 ألف ليرة سورية.

وفي حديثها لموقع "تلفزيون سوريا"، تقول أم راما: "تحتاج ابنتي لخمسة دروس على الأقل، ما يعني أن الكلفة تصل لـ 100 ألف ليرة، أي ما يعادل راتبي التقاعدي بالكامل!. الواضح أن المدرسين يستغلون حاجة الطلاب للدروس والمراجعات قبيل الامتحانات، ويطلبون أرقاماً جنونية مع غياب الرقابة، ونحن كأهل مضطرون للدفع خوفاً على مستقبل أولادنا".

يلجأ بعض الأهالي للاستعانة بمدرسين ليلة الامتحان، لإجراء ما يسمى بالمراجعة النهائية، وهنا تصل كلفة الساعة الواحدة إلى أرقامٍ خيالية، بسبب الضغط الكبير الذي يكون على المدرس، وربما تصل كلفة الدرس إلى 30-35 ألف ليرة للساعة الواحدة.

أرقام فلكية

تقلّب "أم صفوان" في صفحات جريدة الوسيلة بحثاً عن مدرس خصوصي لابنتها، وتبدأ بالاتصال بالمدرسين واحداً تلو الآخر، لتختار الكلفة الأقل، لكنها تقول: "شعرت أن الأمر أشبه بالبورصة، فكل مدرس يطلب مبلغاً أعلى أو أقل من الآخر".

تضيف "أم صفوان" من حي الزاهرة بدمشق، والتي تستعد ابنتها لامتحان البكالوريا العلمي: "أحد المدرسين طلب 30 ألف ليرة للدرس الواحد، مبرراً ذلك بأنه ذو خبرة طويلة، وهذا دفعني للبحث أكثر إلى أن وجدت معلمة تعطي الساعة بـ 17 ألف، صحيح أنه ليس لديها خبرة، لكن الرمد أحسن من العمى".

موقع "تلفزيون سوريا" تواصل مع عدة مدرسين في مناطق النظام للاستفسار عن أسعار الدروس الخصوصية قبيل الامتحانات، وتبيّن أن كلفة الساعة لطالب التاسع تتراوح بين 5-10 آلاف ليرة لكل مادة، عدا الرياضيات التي تصل كلفتها بين 12-15 ألف، نظراً لصعوبة تلك المادة.

أما الدروس الخصوصية لطلاب البكالوريا، فتختلف كلفتها ما بين الفرعين الأدبي والعلمي، وتعتبر مادة اللغة العربية الأعلى كلفةً في الفرع الأدبي، والرياضيات الأكثر كلفةً في العلمي، نظراً لضخامة المادتين وتعقيدهما، حيث تصل أجرة الساعة الواحدة لـ 25 ألفا.

كذلك تعتبر الدروس الخاصة للفرنسي والإنكليزي في الفرعين الثانوي الأدبي والعلمي باهظة الثمن، وتصل الساعة لـ 20-25 ألفا، وسبب غلائها أن النظام قام هذا العام بتغيير منهاج هاتين المادتين إلى جانب مادة القومية، وبالتالي أصبحت مواد جديدة على الطلاب، وليس لها أسئلة دورات سابقة.

باقي مواد الثانوية العامة تختلف أسعارها حسب المادة، حيث تتراوح أجرة مادتي الفيزياء والكيمياء بين 17-20 ألف ليرة، أما مواد الفلسفة، التاريخ، الجغرافيا، القومية، والعلوم، فتتراوح كلفتها بين 10-13 ألفا للساعة الواحدة، لكونها مواد نظرية، ولا تحتاج للشرح وتكون الغاية من الدرس الخصوصي، مراجعة الأفكار المهمة وإعطاء أسئلة متوقعة.

تنخفض تلك الأرقام السابقة بنسبة 20-30% في باقي أيام السنة، كما أن تلك الأرقام تنخفض لنحو 50-60% في حال كانت الدروس مشتركة وفي بيت المدرس، أو بحسب خبرة المعلم وسمعته بين الطلاب، وأحياناً يمتد الدرس لساعتين بدل ساعة وبنفس السعر.

"الدروس الخصوصية أصبحت سوقا سوداء"

غلاء أسعار "الدروس الخصوصية" جعلها أشبه بسوقٍ سوداء، وخلق حالةً من الاستياء لدى الأهالي، الذين تساءلوا عن سبب هذا الارتفاع الجنوني.

"منصور" مدرس لغة إنكليزية، يعيش في حالة استنفار هذه الأيام، بسبب الضغط الكبير من الطلاب قبيل الامتحانات، وعزا غلاء الدروس الخصوصية إلى ارتفاع كلفة التنقّل.

يقول "منصور" (42 عاماً) من سكان حلب: "قبل ساعات صدر قرار برفع سعر ليتر البنزين الحر إلى 4 آلاف ليرة، وأضطر أحياناً لشراء الليتر بـ 6-7 آلاف من السوق السوداء، عدا أن حلب مدينة كبيرة، وأحتاج لقطع مسافات طويلة بالسيارة، وكل ذلك يتطلب تكاليف باهظة للتنقّل، كما أن أقرب مشوار بالتكسي لا يقل عن 10 آلاف، لهذا من الطبيعي أن ترتفع أسعار الدروس الخصوصية".

ويشتكي المعلمون من تدني رواتبهم، حيث لا يتجاوز راتب المدرس الـ 120 ألف ليرة، يقول "غسان" مدرس فرنسي من مدينة حمص: "ضعف الراتب الذي لا يكفي لدفع أجرة منزل فقط، يُفقد المدرس الدافع لتقديم رسالته التعليمية بأمانة، ويدفعه للدروس الخصوصية التي هي حبل النجاة بالنسبة له".

حلول بديلة

الدروس الخصوصية أصبحت ضرورية لمعظم الطلاب، ويعود ذلك لتدني مستوى التعليم وغياب المقومات الأساسية للعلم في مدارس النظام، وكثافة عدد الطلاب في الصف الواحد.

يقول "أنس رمضان" (اسم مستعار)، طالب ثالث ثانوي علمي من جرمانا بريف دمشق: "البكالوريا العلمية، وخاصةً مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء مرتبطة بمنهاج صفي العاشر والحادي عشر عكس الأدبي، لكن جائحة كورونا في العامين الماضيين تسببت بانقطاعنا عن التعليم، وبالتالي أصبح من الصعب فهم البكالوريا دون دروس خصوصية".

يضيف رمضان: "إمكانيات والدي لا تسمح لي بالتسجيل على دروسٍ خاصة، فلجأت إلى حلٍ بديل، عبر متابعة شرح المنهاج وحل المسائل على اليوتيوب، واستفدت منها كثيراً، ووفّرت على أهلي مئات الآلاف، كما أن هناك ملخصاتٍ PDF تُنشر على الإنترنت من بعض المدرسين أصحاب الخير".

"ريم" طالبة تاسع تعاني من فهم مادتي الرياضيات والعربي، اتفقت مع مدرس للحصول على دروس خصوصية في بيته برفقة صديقاتها.

تقول "ريم" من الغوطة الشرقية: "حضور الدروس مع مجموعات مشتركة من الطلاب، حل مجدي يُوفّر الكثير من الأموال على الطالب، فبدلاً من أن أدفع لوحدي 15 ألف ليرة مقابل ساعة، أصبحت أدفع 3 آلاف فقط، حيث نحضر خمسة طلاب في درسٍ مشترك، وهو عدد مقبول يتيح لنا فهم المنهاج جيداً".

النظام السوري لايحرك ساكناً

أما "غيداء" طالبة بكالوريا أدبي من درعا، فكان الحل الأمثل بالنسبة لها، شراء نوطة (ملخص)، مع الأسئلة المتوقعة من أستاذٍ خبير، حيث اشترت نوطة العربي مع أهم الأسئلة بـ 25 ألفا، ووزعتها على كل أصدقائها، بحيث دفع كل شخص ألفي ليرة.

كذلك يُجري بعض الطلاب مراجعة للمنهاج في المعاهد الخاصة، التي تستمر الدورة فيها عدة أشهر، وأسعارها تختلف حسب نوعية المدرسين فيها ومكان المعهد، لكنها أقل كلفة من الدروس الخاصة في البيوت.

رغم الغلاء الكبير في أسعار الدروس الخصوصية، فإن النظام لم يجد أي ضوابط لها، واكتفى بالتصريحات فقط، حيث أفاد مدير التوجيه بوزارة تربية النظام لإذاعة “شام إف إم” الموالية، بأن الوزارة تغرّم المدرّس الذي يعطي دروسًا خاصة بمبلغ 500 ألف ليرة سورية، في حال تم ضبطه.

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار