بوتين في ذكرى هزيمة النازية يفشل في إعلان النصر على أوكرانيا

تاريخ النشر: 17.05.2022 | 06:44 دمشق

نجحت كييف في تمييع وإفشال مخطط إعلان انتصار موسكو عليها في يومهم التاريخي، ليخرج خطاب الرئيس الروسي دون الإعلان عن أيّ انتصار، ولتصبح واجهة الخطاب متقلّب التوقعات والتوجهات. إذ إننا في الشرق تعودنا أن تقوم كل الأطراف المتصارعة والمتحاربة بإعلان النصر وهزيمة الخصم، لكن الحال بين بوتين وزيلنسكي مختلفة الشكل والمحتوى؛ حيث عجز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إعلان النصر على من يصفهم بالنازيين الجدد، في يوم نصرهم على النازية وسقوط برلين وهزيمة الرايخ الرابع. ويبدو أن الانتصار الأبرز لروسيا في يومهم التاريخي لن يخلوَ من ذكريات المجازر ضد الأوكرانيين في ماريوبول وتحويلها إلى أرض محروقة لا تصلح للاستقرار حالياً، وفشلهم في السيطرة على مصنع "آوزوفستال" قبل الاحتفال باستحياء، إذ لم يقتنصوا سوى نصر مزيف لم يعوض هزيمتهم الفاضحة. التغني بماضي الاتحاد السوفييتي في لحظة حرب معاصرة ربما يعتبره كثيرون نقطة الفصل في معرفة حجم الهزيمة التي مُنيت بها روسيا حتى الوقت الراهن.

وجد الرئيس الورسي ضالته بالتوجه صوب الخطاب الشعبوي، مستحضراً سرديته حول حماية الأمن القومي والأمة والوطن الروسي

الخطاب الذي استمر 12 دقيقة فحسب لم يأت على ذكر إعلان النصر، ولم يبد أي إشارات لأي تغيرات في أخطر وأعمق أزمة للسياسة الداخلية والخارجية الروسية والتي تسببت بانعكاسات طالت أغلب دول العالم، وهناك أربعة أسباب لذلك، أولها: فقدان مزيد من القتلى ضمن صفوف القوات الروسية ونسبة ضخمة من المعدات المعطوبة والسلاح الثقيل المدمر، وثانيها: الرغبة في عدم استفزاز الأوروبيين والأميركيين في إعلان نصره على أوكرانيا، وثالثها: الابتعاد عن إعلان النصر أو الحرب كي لا يجيب عن الأسئلة الأكثر أهمية ماذا حصل طوال الأيام الماضية إذاً، هل العمليات الخاصة ضد كييف انتهت أم لم تكن قد بدأت بعد، وهذا ما سيعني اعترافاً بالهزيمة، رابعها: الرغبة في إظهار الخطاب على إنه شكلٌ راقٍ جداً للاتزان السياسي باحثاً عن أيّ فرصة لإسقاط العقوبات الغربية والأميركية على بلاده وهو الساعي إلى مزيد من المكاسب في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز ومنطقة البلقان.

ويبدو أن روسيا استشعرت ولو مؤخراً حجم الخراب الذي أصابها والعالم كله اقتصادياً وأمنياً بسبب الحرب. أمام هذه اللوحة وجد الرئيس الورسي ضالته بالتوجه صوب الخطاب الشعبوي، مستحضراً سرديته حول حماية الأمن القومي والأمة والوطن الروسي، والمقارنة بين حربه اليوم ومجريات الحرب العالمية الثانية وتشبيهه الأحداث آنذاك باستعدادات أوروبية لحرب ضد الشعب الروسي. وأن روسيا طرف مظلوم ومعتدى عليه، وهو ما يستلزم استنهاض همم الروسيين عبر أبرز شعارين يُستخدمان في الحروب، حيث التركيز على المواجهة القومية، وإظهار المبالغة في الاعتداء على القيم الروسية التي يسعى الغرب والناتو إلى القضاء عليها، لتبدو هذه الحرب وكأنها استعداد للدفاع عن نموذج اجتماعي قومي أخلاقي، ووجود عدو خارجي يسعى للنيل من التشبيك الاجتماعي-القيمي الروسي، وهذه كلها أكثر أهمية وتأثيراً في الداخل الروسي. وهذا النوع من الخطاب بحاجة إلى "فلسفة المكان القومي" حيث لم يغب عن الخطاب إظهار الدونباس على أنها أهمية استراتيجية قومية روسية، بالرغم من عدّم تحقيق أيّ انتصار واضح في أي منطقة أوكرانية فلا سيطرة كلية في الدونباس ولا فرض قوة ميدانية كاملة على ماريوبول الساحلية، لذا فإن نجاح القوات الروسية في السيطرة على شرق أوكرانيا، من المحتمل أن يدفع بها لإعلان النصر والتوقف عن الحرب.

أما زيلنسكي الذي تتأرجح التقييمات حول دوره وشخصيته ما بين وصفه بالرئيس الذي لم يرضخ للغلو والغطرسة الروسية، وما بين من وصفه بأنه قاد بلاده إلى الدمار حيث لا طاقة لقوته العسكرية في مواجهة روسيا دون سلاح الناتو، هو الآخر أثبت حنكته السياسية عبر خطابه في يوم النصر والذي فند وأعاد الكرة للمعلب الروسي عبر تركزيه على فقدان أوكرانيا لأكثر من ثمانية ملايين خلال الحرب العالمية الثانية، وأن الشعب لن يدعم هذه الإيديولوجية، بل إن وثبة الواثق من النصر المؤزر بدت في خطابه المسجل عبر سالة تحدٍ وثقة بالنصر "قريبا جدا سيكون هناك يومان للنصر في أوكرانيا. ولن يكون لدى شخص ما أي شيء" في إشارة واضحة إلى بوتين.

بالمقابل فإن أميركا ودول الاتحاد الأوروبي تتصرف وكأن روسيا تتجرع هزيمة نكراء قاسية، تمنعها من فرض أي شروطٍ للتسوية أو المصالحة. فوزراء خارجية ودفاع ومسؤولين وقيادات وازنة ومعتبرة من الصف الأول لدول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وواشنطن، يتجولون في شوارع كييف؛ كرسائل دعم واضحة. ويبدو أن تحصيل 2.6 مليار دولار من الدعم الأميركي والمزيد والكثير من التغير الملحوظ في العتاد العسكري من الأوروبيين للدفاعات الأوكرانية، تعتبر تغيرات ملحوظة في خطاب قادة دول الناتو تجاه أول وأخطر حرب من هذا النوع تشهده القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، لتدخل ضمن خانة أن فوز كييف على موسكو هو من الخيارات الاستراتيجية للناتو.

كيف لدولة تسعى لثنائية أقطاب العالم، أن تخطئ في حساب التوازنات العسكرية وموازين القوة والفوز والخسارة، ثم يلجأ رئيسها إلى شعبوية الحديث الرسمي لمخاطبة المواطن الروسي

وفي مقاربة خطاب بوتين الذي قال إن بعض أهداف العملية العسكرية تحققت وإن روسيا دافعت عن أراضيها من خطر غزو قادم، وأن كييف ودول الناتو كانوا يتحينون الفرصة المناسبة للانقضاض على أراضيهم التاريخية. في خلافِ أقواله السابقة حول حاجة روسيا إلى القليل جداً من الوقت للقضاء على عيش الأوكرانيين بسلام وإنهاء العملية العسكرية في أوكرانيا. فإذا كانت الحسابات العسكرية لموسكو لا تحتاج سوى لبضعة أيام فقط للزحف صوب كييف، فكيف لدولة تسعى لثنائية أقطاب العالم، أن تخطئ في حساب التوازنات العسكرية وموازين القوة والفوز والخسارة، ثم يلجأ رئيسها إلى شعبوية الحديث الرسمي لمخاطبة المواطن الروسي، والتذكير بأن سبب مشاركة المقاتلين الدونباسيين إنما من أجل وطنهم الأم. ويبدو أن الشعبوية مستمرة في خداع عقل المستمع، فبعد عقود على انتهاء الحربين العالميتين والحرب الباردة، عادت قضية تأكيد سيرورة اللامنطق وعقل الإلغاء، وهو يذكرنا بما جرى في سوريا من قتل ونفي وتشريد، وتدمير للبنية التحتية التي تحتاج لعقود للترميم، وإيران التي تتحكم بجملة من العواصم العربية، والجماعات الراديكالية المستعدة لفعل أي شيء بما فيها إراقة الدماء، كل هؤلاء يفعلون كل المحظورات والمجازر والكوارث باسم أمنهم القومي، حيث لا قوميات نالت حقوقها، ولا شعوب استراحت من هوس أنظمتها وتعطشها للتمدد والتوسع، ولا أمن قومي أو وطني في تلك الدول، ويبقى الشعار الأبرز المرفوع في وجه الشعوب لقمعها أو لتبرير كوارث الخيارات الخارجية وكسلاح فتاك في وجه رغبة العيش الكريم، لا يزال حماية الأمن القومي.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار