من باب تأكيد البديهيات، يمكن القول إن جوهر السياسة الإسرائيلية في سوريا ما بعد الأسد يكمن في منع إعادة بناء ما دمرته حقبة الاستبداد الطويلة، وتعطيل الشعور بالمكاسب الجوهرية التي ظفر بها المجتمع السوري بعد ثورته المضنية لتحقيق أهدافه في نيل الحرية والمواطنة والعدالة.
نقول ذلك من باب تأكيد البديهيات لا غير، لأن حتى البديهيات تحتاج إلى إعادة تفحص وتأكيد باستمرار، انطلاقاً من القول الشائع إن البديهية الوحيدة هي عدم وجود بديهيات. ومن هذا المنطلق، يجب النظر بجدية إلى السلوك العدواني الإسرائيلي في سوريا، وربطه بجوهر سياسة استعمارية لا تقف عند حدود إعادة احتلال الجولان والجنوب السوري، بل تمتد إلى مواصلة العدوان على سوريا.
الهوية الوطنية السورية المستعادة تتجلى فاعليتها في أثرها على الأحداث التي تمر بها البلاد منذ اليوم التالي لسقوط الأسد.
يخطئ من يعتقد، مهما كانت الاعتبارات التي تدفعه إلى ذلك، أن الرسائل المطمئنة للاحتلال والاستعداد لمد اليد لمصافحته، تحت شعار موازين قوى غير ملائمة، ستجلب الهدوء والطمأنينة اللذين يمكن الانطلاق منهما لبناء كل شيء في سوريا. والخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن تعطيل بقية البديهيات الداخلية والقطع معها، على حساب منح الأولوية للتباحث مع الاحتلال والوصول إلى نقاط تفاهم وترتيبات معه، يمكن أن يسهم في حل المشهد السوري، إذ إن ذلك يزيده تعقيداً في جوانبه الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
صحيح أن الحكومة السورية استطاعت، بعد كل عدوان إسرائيلي منذ سقوط نظام الأسد وحتى قصف مطار أبو الظهور قبل أيام، إدارة ردها على الاستفزازات الإسرائيلية بالأسلوب التقليدي، من خلال رفع الشكاوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والمطالبة بالضغط على الاحتلال وإدانة سلوكه، مع إدراك أن هذا التصرف لن يجدي نفعاً في مواجهة الاحتلال وأطماعه في سوريا والمنطقة.
كما أن الطريقة القديمة التي يُعاد ابتكارها اليوم، والمتمثلة في التواصل المباشر مع الاحتلال وتقديم الاستفسارات إليه بشأن كل شاردة وواردة يطلبها، لن تغير جلد المؤسسة الصهيونية وعظمها، ولا أطماعها العدوانية في المنطقة. إنما شكّلت هذه الطرق الملتوية اختراقاً نوعياً يُحسب في صالح المعتدي المحتل، ومثّلت حالة انهيار عربي رسمي فتحت الأبواب واسعة أمام إسرائيل للاستفراد بالنظام العربي، واحداً تلو الآخر.
وكانت حصيلة هذه التجربة واضحة في الوقائع الماثلة في فلسطين ولبنان وسوريا، وفي ضرب المرجعيات الدولية ونسف قرارات الشرعية الدولية التي كانت تشكّل سلاحاً بيد العرب، واستبدال الاتفاقات والتفاهمات والمكالمات الهاتفية بهذه القرارات، بما كسر أبواباً ظلت مغلقة زمناً طويلاً في وجه إسرائيل.
فهل يجدي نفعاً أسلوب شكوى إسرائيل إلى المجتمع الدولي؟ أم أن التعبئة المفتوحة للشارع السوري للاحتجاج على تدهور أمنه يمكن أن تسهم في التصدي لهذا التحدي، كما لبقية التحديات؟
قبل الإجابة عن السؤالين، تبقى الحاجة إلى العمل السياسي والحزبي في الشارع السوري ذات أهمية قصوى، ليكتمل نصاب التغيير والانتقال من حالة عدم المبالاة تجاه السياسة، وترك شأنها للسلطة كما كان في السابق، وهي الحالة التي كان لها أثر في التصدعات الاجتماعية المحكومة بهوية سياسية عكست رغبة الاستبداد في وهم البقاء إلى الأبد على سدة الحكم.
فالهوية الوطنية السورية المستعادة تتجلى فاعليتها في أثرها على الأحداث التي تمر بها البلاد منذ اليوم التالي لسقوط الأسد. وقد اتضح، من الأحداث التي وقعت في شقها الأمني والتفاعلات السياسية المرتبطة بها، أن هناك استقطاباً حاداً ميّز "الفترة الانتقالية"، ويحمل في طياته تعقيداً شديداً في واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي مأزوم.
وكان لا بد من ظهور هذه الأزمة على مستوى التعاطي الأمني والسياسي، بسبب غياب مؤسسات حزبية وسياسية بوصفها مشروعاً اجتماعياً يقود الإصلاح والتغيير المنشود، ويمكنه الإسهام في البناء ومواجهة التحديات.
إن القيام بالأعمال والخطوات التي تدعم قدرات الشعب السوري وقوته، وترص الصفوف، يبدأ بإطلاق عملية سياسية واضحة المعالم والأهداف، كما حددتها مطالب الشعب السوري خلال مراحل ثورته على نظام القمع والاستبداد الأسدي، وهي المطالب التي أهملها النظام وتجاهلها لعقود طويلة، مقابل الاستثمار في بديهية شعار العداء للاحتلال والإمبريالية، من دون تحرير الأرض، ومن دون تحقيق العدالة والمواطنة والديمقراطية والحرية، أو تحقيق نهضة اجتماعية واقتصادية وسياسية تليق بمكانة سوريا وشعبها.
لا أحد ينكر أن سوريا، والمنطقة كلها، تمر بمنعطف تاريخي خطير ومهم، وهذا يستوجب الوقوف والتأمل والحوار العميق لتدارك أسباب الأزمات الكبرى، بتجلياتها ومظاهرها ووسائل تجاوزها، حتى لا يبقى الجدل والحوار مستمرين إلى أن تداهمنا أزمة جديدة، فندخل في منعطف تاريخي وخطير جديد.
إن الرغبة الطبيعية في تجاوز التراجع الجديد الذي تفرضه تحديات العدوان الإسرائيلي، إلى جانب تحديات الخلاص من حقبة الدم والقهر والطغيان، تحتاج إلى جرأة عالية في مناقشة معظم القضايا الداخلية، وإلى إعادة نظر شاملة، لا جزئية، في قضايا العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، وإشاعة العمل السياسي والحزبي على مبدأ التعدد، والحق في إبداء الرأي على أساس المواطنة والديمقراطية والمساواة، وتجاوز الإكراهات الموروثة تاريخياً.
ما تخشاه إسرائيل في سوريا المنهكة، والمُحطمة قواعدها العسكرية وبنيتها الاقتصادية، ليس قاعدة أبو الظهور الجوية، ولا إعادة بناء القدرات الأمنية السورية كما تدعي، ولا تحالفات السلطة الجديدة، بل ما يقلقها حقاً هو سقوط المرتبة الزائفة التي تحتكر من خلالها ادعاء كونها "الديمقراطية الوحيدة" في المنطقة.
ونظراً إلى ثقل الموروث التاريخي لحقبة الأسدين من جهة، وتزايد المطامع العدوانية الإسرائيلية في سوريا، وثقل التحالفات الجديدة والتحديات الداخلية الراهنة من جهة أخرى، وفي لحظة حرجة من تاريخ سوريا، يجب الإبقاء على التفاؤل بالإنجاز الثمين الذي حققه الشعب السوري من تحت ركام اليأس والخيبة والدمار والقتل.
لذلك، ثمة مصلحة إسرائيلية وأميركية وغربية، وعربية رسمية بالطبع، في إرخاء أجواء التشاؤم على المجتمع السوري، بخلاف الحماس الظاهر لتحفيز السلطة ودعمها والتحالف معها، مقابل شرط إسقاط معادلة أن "الشعب هو الذي ينتخب السلطة ويقيّم أداءها ويصلحها"، وشرط ثانٍ يتمثل في تشييد بنية لا ديمقراطية عنوانها القمع الداخلي، لمنع بناء مجتمع مدني سوي وصحيح، فتبدو كل وعود التغيير وآمال الخلاص من الاستبداد وكأنها مزحة أو خديعة.
إن تخفيف الأثقال عن كاهل السوريين لا يعني إسقاط صخرة الطغيان التي جثمت فوق صدورهم فقط، بل يتطلب أيضاً مراجعة الطرح السياسي الذي ارتبط تاريخياً بحدوث تصدعات اجتماعية واقتصادية، والذي سعى، بشكل أو بآخر، إلى تغييب عنصر الوعي الذاتي بالمواطنة والانتماء، وسلب إرادة المجتمع عبر إخضاعه المطلق للسلطة القائمة ومنع أي تحول أو تغيير.
فما تخشاه إسرائيل في سوريا المنهكة، والمُحطمة قواعدها العسكرية وبنيتها الاقتصادية، ليس قاعدة أبو الظهور الجوية، ولا إعادة بناء القدرات الأمنية السورية كما تدعي، ولا تحالفات السلطة الجديدة، بل ما يقلقها حقاً هو سقوط المرتبة الزائفة التي تحتكر من خلالها ادعاء كونها "الديمقراطية الوحيدة" في المنطقة.
وما تخشاه أيضاً هو أن يُعاد بناء الإنسان السوري وفق بديهيات ترتقي بكرامته وحريته ومواطنته، وأن ترتبط قناعته بهذه القيم بإدراك وإيمان راسخين يوفران الثقة اللازمة لبناء متين لمصالحه، وفي مقدمتها وأساسها توفير ديمقراطية سياسية واجتماعية تؤدي إلى تحقيق مشاركة شعبية حقيقية في صنع القرار على كل صعيد.
الفعل غير المؤجل لحرية السوريين
مقتضيات المصلحة السورية وخطاب الرئيس
الموسوعة العربية أرابيكا نهضة ومعرفة وحماية للذات
بواعث القلق الإسرائيلي في سوريا
دروس سورية في "صداقة" أميركا