"بوابات أرض العدم" بين المسرح والرواية

تاريخ النشر: 02.10.2021 | 06:16 دمشق

كيف يتشكل العدم في عمل فني أو أدبي؟ كتب جان بول سارتر في الفلسفة عن (الوجود والعدم)، ويمكن كذلك أن يرتبط العدم بمجال الفيزياء. لكن كيف يحتمل تكوين العدم في عمل فني أو أدبي؟ ذلك أن العدم يختلف عن العبث، وهو متعلق بالغياب أو عدم الوجود، فكيف يمكن لعمل مسرحي أو روائي أن يرسم معالم العدم؟.

في مسرحية (غداء عيد ميلاد طويل،1931) يقدم الكاتب (ثورنتون وايلدر) الحياة على اعتبارها رحلة في العدم بين الحياة والموت. يجعل الكاتب من الباب الأيسر للمسرح باب الولادة، والقدوم إلى الحياة، أما على خشبة المسرح فليس هناك إلا طاولة وكراسي وطقوس مائدة أعياد الميلاد، الشخوص كلها تأكل متخيلة وجود الأطباق وأدوات الطعام، لترحل الشخصيات تالياً من الباب الأيمن والذي يشكل باب الموت. تصبح الحياة هي رحلة من التقاليد البالية والمشاعر الزائفة بين أبواب الميلاد وأبواب الموت.

يشير الكاتب (وايلدار) إلى أن عنصر الزمن في المسرحية: "بهذه المسرحية ينقضي زمن مدته تسعون عاماً، والتي يجب أن يرى من خلالها وبإيقاع سريع تسعون غداء عيد في بيت آل البيارد. يتوجب على الممثلين من خلال أسلوب أداء مناسب أن يظهروا التقدم بالسن تدريجياً". كذلك، في رواية (بوابات أرض العدم، سمر يزيك) يتشكل وعي الراوية بالتدريج من البداية حيث تغلب الرؤية المثالية للحراك الثوري، ولكن الأحداث السياسية والاجتماعية المتتالية ورحلات الروائية إلى أرض العدم تضعها أمام أسئلة التسلح، الطائفية، الكراهية والعنف، وتزويج القاصرات، وحتمية الاختيار بين الاستبداد وبين التشدد الديني.

رحلة إلى أرض العدم

تشابه رحلة الروائية (سمر يزبك) في روايتها (بوابات أرض العدم) رحلة (دانتي أليغيري) بين الجنة والمطهر والجحيم. تبدأ الرواية مع قرار الكاتبة عبور الحدود من تركية نحو الأراضي السورية في الشمال بين عامي 2012-2013، رحلة تجوال روائية بين عديد المدن في الشمال السوري التي كانت تعيش مصائر مختلفة، ولكنها أيضاً رحلة ناشطة لتحقيق مشاريع تتعلق بحقوق المرأة وتمكنيها الاقتصادي والسياسي في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والمتحولة سياسياً إلى سلطات عسكرية أخرى، مرحلة تحول تصفه الروائية بين الاستبداد والتشدد الديني.

تتألف الرواية من ثلاثة أقسام، هي على شكل ثلاثة بوابات سردية لأماكن وأزمنة متفرقة من الشمال السوري: البوابة الأولى آب 2012 – البوابة الثانية شباط 2013 – البوابة الثالثة: آب 2013. ومنذ أسطر الإهداء الأولى تكشف الروائية عن دورها هي الكاتبة عن حياة الموتى وحكاياتهم: "أعيش الواقع، أكتبه فأختفي. أنا التي يمر الموتى عبر حنجرتها، واحداً واحداً، يجذفون في صعودهم الإلهي، ثم يتساقطون في دمي"، ويظهر من الإهداء أيضاً دور الحكاية في وعي الكاتبة: "أنا الحكواتية التي تتأمل حيواتكم القصيرة، تتأملكم بنظراتها، كما فعلنا في ليال طويلة ونحن نضحك، ونخمن من منا ستأخذ القذيفة التالية. افعل ذلك من أجلكم، لا مفر من استحضاركم، وتحويل قصصكم أعمدة تصل الأرض بالسماء. أكتب إليكم، من أجلكم، ومنكم: شهداء الثورة السورية المغدورة".

في المقطع الأول من البوابة الأولى تظهر فكرة العبور من تركيا إلى الشمال السوري، ومع هذه الرواية تتابع الكاتبة أسلوب الرواية التوثيقية الذي بدأته مع أحداث العام 2011 مع روايتها (تقاطع نيران). في الرواية الحالية يتقاطع الجحيم مع المنفى، تشرح الكاتبة عن مشروعها الروائي: "لقد دخلت طبقة جحيم أنهيت بها شهادتي الأولى في كتابي "تقطع نيران" عن بداية الثورة وشهورها الأربعة الأولى. والآن، وفي شهادتي الثانية هذه أخرج من طبقة، لأدخل الطبقة الأعمق من هاوية الجحيم. اختبرت هذا الشعور: المنفى من جديد، ولا شيء أضيفه". لكن ما هي خصائص الجحيم التي تقارب الروائية بين هبوطه وبين رحلتها التوثيقية الناشطية إلى المناطق السورية. ورغم أن الرواية توثيقية تماماً، إلا أن الروائية أرادت إضافة لعبة سردية تخييلية، فتجعل من نفسها أي الساردة، شخصية تخييلية: "كل ما يحصل في سرد هذه التفاصيل هو واقع. لا يوجد سوى شخصية واحدة متخيلة تلاعب السرد هنا. أنا الوحيدة التي تستيطع العبور وسط الدمار، وكأنني شخصية متخيلة في كتاب. أستعين على الواقع بالخيال. ولكن، افترض أنني شخصية روائية، أفكر في خيارات شخصية مفترضة في رواية، لأقوى على الاستمرار".

مصير الطفولة بين الحياة والموت

في المسرحية، ومن خلال بوابة الولادات تدخل المربية دافعة أمامها عربة أطفال، ملفوفة بأحزمة زرقاء وتتدافع الشخصيات على الطفل، إنه الأمل الجديد الذي لا يلبث أن يرسم له مصير تكرار حياة العدم لأجداده، تهيأ له مهنة، موظف في شركة، زوجة، وهكذا ترتسم حياته بتكرار ومن دون خيار. ذلك هو مصير النساء في رواية يزبك. ما تلبث أن تدخل المربية من باب الولادات إلى خشبة المسرح، حتى تتابع طريقها مباشرة للخروج من باب الموت، الحياة من المهد إلى اللحد تجسد مكانياً على خشبة المسرح في هذا النص: "تدخل المربية من جهة اليسار دافعة عربة الطفل أمامها، المربية لا تتوقف عن دفع عربة الطفل عبر الخشبة متجهة إلى الباب الأسود مباشرة". في البحث عن عناصر أرض العدم نجد في الرواية أن الحكاية الأولى متعلقة بالطفولة والتسلح والطائفية: "لا أعرف السبب الذي جعلني أبدأ الكتابة عن بوابات أرض العدم، بالحديث عن آخر حاجز مسلح قبل مغادرتي، سوى تأثري بالجندي المنشق الذي تحول طفلاً". وكذلك، وضع القطاع الطبي والمستشفيات توصف بمفردات جحيمية: "في ممر المشفى، وقبل الحدود بقليل، كانت كل أعضاء السوريين المتروكة خطأ في ترابها تفتقد الفراغ. الشباب الذين يرقدون أنصاف أجساد ممزقة ينظرون من نوافذ المشفى القريب من رائحة البلاد".

تتشكل أرض العدم من تلك السجون المليئة بأساليب التعذيب، وتتشكل أرض العدم مع ممارسات الاغتصاب، إن عالم أرض العدم أشبه بلوحة مرعبة بحسب وصف الكاتبة: "هذه ليست لوحة فقط، تستطيع أن ترى الرأس ناقصاً، والذراع تتدلى من جانب الشفة السفلى، ثم تلمح بضع قطرات من الدماء تنزلق ببطء أسفل اللوحة، تمتصها ذرات التراب. مشهد يبتدعه السوريون كل يوم. سوريون يأكلون سوريين، يمضغونهم ببطء، ثم يغذون المسير باتجاه سهوب أوسع للمجزرة". أرض العدم حيث يسود العنف ويصبح النزوح القسري هروباً من الموت، تقف الرواية عند واقع مخيمات اللجوء كجزء من عوالم أرض العدم، وفي أرض كهذه، تلجأ العائلات للعيش في الكهوف، وتعيد الحصول على الدفء من حطب الشجر: "في الكهوف الأخرى الوضع ليس مختلفاً. مجموعات بشرية هائمة في ظلام الأرض، مثل حيوانات تحفر قبورها في اللحظة الأخيرة"، وحيث تتهدم الأماكن الدينية، ويتحول المتحف من الفن إلى الثكنة العسكرية: "كان علينا رؤية متحف المعرة الذي كان يعد من أهم متاحف الفسيفساء في الشرق الأوسط. قبل الدخول إلى المتحف، رأيت رأس تمثال الشاعر أبو العلاء المعري مقطوعاً. كانت كتائب عسكرية تكفيرية هي التي دمرته. وفي باحة المتحف اختفت التماثيل، سرقت".

الخسارة والفقد وحقوق المرأة

في المسرحية يولد الأطفال دون أمهات، في إشارة إلى الفقد المستمر، تقول (ليونورا) في المسرحية: "انظر إلى التوأمين، يا للخسارة لو أن الوالدة لم تبق لتراهما"، تنهض (غينوويفا) عن الكرسي، بأسى، وبصوت عال، تقول: "لا استطيع تحمل ذلك". وفي الرواية تعتبر حقوق المرأة محوراً أساسياً ودافعاً مركزياً لعودة الروائية إلى الشمال السوري، تهتم الراوية بالاستقصاء عن حال النساء في المناطق الخارجة من سيطرة النظام، هي العائدة أساساً إلى الأراضي السورية لمشروع يتعلق بتمكين المرأة، وتبحث بعين سوسيولوجية عن وضع النساء بين تزويج القاصرات، السبايا والاغتصاب، قيود حرية الملبس والحركة، كلها حقوق ترصد الروائية الانتهاكات المتعلقة بها، والتي تفرضها السلطات المسلحة. ورغم أن الرواية ترصد العالم العنفي، فتصف بدقة مقبرة الدبابات في الأتارب، إلا أنها بالمقابل ترصد ظواهر ملونة في الحياة العدمية، فتشرح لنا الروائية عن تجربة فن الغرافيتي في سراقب، الصحف البديلة، صحف الأطفال مثل تجربة مجلة زيتون.

القبور أحجار المعرفة

تغرق مدن العدم بالموت: "نتجول في الشوارع، أصور الجدران وواجهات المحال، بينما المدينة غارقة في أصوات التكبير للموت، وجنازات الشباب والأطفال، النسوة وكبار السن. غبار وقحط، ولهيب الشمس الحارق، ونحن نمشي، وأزيز رصاص القناص لا يزال مسموعاً". في حين تمتلئ أرض العدم بالموت، فهي تمتلئ بالبطولات: "بقي أخي يقاتل حتى الرمق الأخير، كان يقول لي لن نموت كالجبناء، سنموت كما يليق بنا. أخي الثاني أيضاً قتلوه. حرقوا بيتي وهربنا من البيت". في مسرحية (وايلدر) ينتشر الموت وتصبح المعرفة منقوشة على أحجار النعوش، تقول غينوويفا: "هراء، لا يوجد هكذا كتب على الإطلاق، أنا آخذ معلوماتي من الحجارة المنقوشة على القبور، لكن يجد، واسمحوا لي أن أقول ذلك، يجب تفكيك كامل شجرة العائلة حتى نجد أحد أجدادنا القدماء". تحتل موضوعة المقابر حيزاً كبيراً من العناصر المكونة لأرض العدم: "إلى اليسار كان الشبان يحفران القبور الجديدة. الشاب الذي يحفر القبر قال من داخله وهو يفرغه من التراب: هذه المقبرة متنفسنا، سنوسعها ونهدم الحائط. هكذا ينام شبابنا بأمان تحت التراب".

التضحية والشهادة والانتهازية

لا تتشكل أرض العدم، سوريا في الرواية من المأساة وحسب، بل أيضاً هناك العناصر البطولية، التضحيات، النضال ومحاولات التغيير، فتتصارع الشخصيات في تكوينها الأخلاقية في رحلة الروائية الثورية، فهي تقدم الشخصيات البطولية الحقيقية والأخرى الانتهازية، وتتفكر الساردة في أحد الفقرات حول العلاقة بين الشر والعدم. وكذلك في المسرحية:

تقول ليونورا: "لدي ثلاثة أولاد، هناك بمكان ما.

كارول: نعم، أحدهم قدم حياته فداءاً للبلد.

ليونورا (بحزن): وأحدهم يتاجر بالألمنيوم بالصين.

في المسرحية تنتهك المعامل خصوصية المنزل، الحفارات تلتهم مكان المسرح في إشارة إلى العالم الصناعي، وتبدو الهجرة الخيار المطروح الوحيد

في المسرحية تنتهك المعامل خصوصية المنزل، الحفارات تلتهم مكان المسرح في إشارة إلى العالم الصناعي، وتبدو الهجرة الخيار المطروح الوحيد، تقول (غينوويفا): "لم يعد بإمكاني التحمل أكثر، لم أعد قادرة على أن أصبر على ذلك ولا للحظة واحدة، سأسافر إلى الخارج، ليست فقط الحفارات التي تخترق جدران هذا البيت، ولكن التفكير، بالذي كان، والذي يمكن أن يكون، بالسنين التي تمر، أمي توفيت البارحة، لا، كان ذلك منذ  سنة مضت، آآه، سأقطن بالخارج وهناك سأموت، نعم". لكنه موت الوحدة والمنفى كما تشرح الشخصية بعد ذلك.

المعنى الوجودي والموت

في الرواية يظهر العدم أيضاً في معناه الوجودي، مع رحلة الأهوال في بوابات العدم، تتفكر الكاتبة عن معنى التجربة، عن معنى مواجهة المستحيل أي حلول الموت: "لا أعرف لماذا أبحث عن معنى في كل هذا التكرار. بدأت أتلمس اللامعنى في بحر الدم هذا. هل أغرق فيه لأتخلص من معناه؟ هل أهرب إلى اللامعنى عبر الولوج في المعنى؟ هل أكرر حضوري هنا للوصول إلى الموت عبر حربي مع الموت". لكن التأملات التالية ما تلبث أن تتعمق أكثر في جدلية الحياة والموت، الوجود والعدم: "في لحظات الموت، يصير الجسد ملايين من مجسات حساسة تتوق للمسة ما. في الموت، تصير مهمة الجسد الالتحام بما يثبت له أنه موجود. فعل غريزي يتراوح بين الجنون، وبين غريزة حيوانية تتحرك بعدوانية ضد الفراغ".

رغم هذا الاستسلام للموت إلا أن الكاتبة تشرع في عدد من المشاريع لأجل الأطفال. لقد أصبح الحاضر رماداً ولم يعد من إنقاذ إلا الأطفال، لكن الجهات المسلحة جميعها أسست مدارسها ومعاهدها ومراكزها التدريبية لألدلجة الأطفال، يبدو السباق على أدلجة الأطفال أو إنقاذهم وفتح الأفق لهم صراعاً أساسياً، وكما في مسرحية ثورنتون وايلدر، تشكل الطفولة الأمل وتكرار المصير بالوقت عينه، دخول الطفل مع العربة يرمز إلى الولادة التي ليس مصيرها إلا الموت مجدداً. كذلك معسكرات تدريب الأطفال تهيؤ الطفولة للموت القريب.

الحكاية في مصير العدم

في أرض العدم، ترتفع مشاعر اليأس وفقدان القدرة على التحكم بالأحداث بالنسب للكاتبة، ومع ذلك، فإن الكتابة هي الفعل الوحيد المحتمل بالنسبة لها: "أنا راوية الحكاية، أنا جزء من الخيط الواهي للحقيقة الملتبسة في التاريخ". ويصبح السرد فعلاً وجودياً فاعلاً تؤمن به الكاتبة: "كنا نتبادل الأدوار أنا وهؤلاء الرجال المقاتلون، نتبادل أدوار الحكي في السرد. هكذا أقلب العالم رأساً على عقب، ألعب بالسرد، كنت استمر بالحياة لأني بحاجة إلى حيواتهم، وبحاجة إلى تحويلها إلى كلمات. الحكاية ستنعش الحياة، ستنقذ كل هذا الخراب. في أسوأ الأحوال ستبقى شاهداً". وتكشف الرواية تلك العلاقة بين الكتابة والموت: "الكتابة هي وعي بفعل الموت، وهي مهزومة أمامه. لكنها هزيمة شجاعة، لم أع هذا التداخل الحتمي بين الموت والكتابة قبل الآن"

المنفى والعزلة

في رواية يزبك ومسرحية وايلدر يحضر النزوح والمنفى أيضاً كعنصر من عناصر أرض العدم. تقول (الأم) في المسرحية: "هل تعرفي يا وتسيا، إنني أتذكر الزمن الذي كان الهنود لا يزالوا بعد هنا بهذه المنطقة، وقتها لم أكن صغيرة إلى ذلك الحد، أتذكر كيف كان يتوجب علينا عبور المسيسييبي على عوامة مائية، كانت هناك في سنات لويس وكاناس سيتي حشود مندفعة من الهنود". هذه الذكريات والصور البصرية التي ترويها عن تجربة النزوح والهجرة، تشغل باستمرار الساردة في رواية (سمر يزبك).

في مسرحية (غداء عيد ميلاد طويل) تصور مشاعر الوحدة والعزلة الوجودية، في الأسطر الأخيرة من النص المسرحي تصبح (إيرمينغادا) آخر الشخصيات هرمة رويداً رويادً، هرمة جداً، تشهق بالتنهد، الكتاب الذي تحمله يقع أرضاً، تجد بقربها عكازاً تستند عليه وبخطا مهزوزة تدخل بالبوابة المظلمة، تخرخر مدمدمة، وتنادي على الذين سبقوها في عبور بوابة الموت". وكذلك النهاية التي ترسمها الكاتبة في بوابات أرض العدم: " هنا في المنفى، تعلمت كيف أسير وأفكر وأنا نائمة، أو ربما ميتة، لا فرق، أنا في حالة غياب عن الواقع"، ويذكر أن إرشادات الكاتب المسرحي وايلدر تطلب من الممثلين والممثلات في المسرحية الأداء الذي يقارب حالة النوم أو الابتعاد عن الواقع.

جدلية العدم والوجود، الحياة والموت

تكتشف الكاتبة مع اقتراب تجربة رحلة الرواية إلى تمامها، عن علاقة عضوية بين الوجود والعدم: "هكذا يمكن القول إن العدم الذي ينفي صفة الوجود، هو الحياة أيضاً. أن أصف العدم، ألا يعني أن يكون هناك مقابل له؟ العدم كتلة الجزئيات التي تتوالد من موت بعضها، وتتسرب أمامي الآن على هيئة بشر تائهين، إنهم لا يفنون ولا يعيشون أيضاً، هم ظلال لأجسادهم فقط. تدفق الحياة وتسارع الموت، يعني اقتراب الحياة والموت، يتلاقيان ويصعب التمييز بينهما". ويبقى فعل الكتابة الخيار الأكثر رسوخاً كفعل النجاة في أرض العدم: "الرواية هي مكاني الوحيد الذي آمنت به، حصل هذا لأكثر من عشرين سنة، لكنني اكتشفت الآن وبعد سنة من المنفى الذي أعيش فيه، أن المنفى هو المنفى، ولا شيء آخر، وهو أن تمشي وتعرف أنك غريب".