بالتزامن مع المظاهر الاحتفالية التي شهدتها العديد من الدول الأوربية بسقوط النظام وانتصار الثورة، باتت فكرة العودة إلى سوريا أكثر ما يتردد اليوم بين اللاجئين السوريين في أوروبا، سواء عودة طوعية أو قسرية، وهذا ما يثير حالة من الترقب والقلق لدى السوريين في أوروبا بمختلف شرائحهم، وبحسب الوضع القانوني الذي يتمتعون به.
ومن المتوقّع أن ينعكس تأثير سقوط "الأسد" بشكل مباشر على واقع ومستقبل السوريين في أوروبا، في ظل تطورات الحالة السورية السياسية والإنسانية والقانونية داخل سوريا، التي تسعى إدارتها الجديدة إلى حالة من الأمن والاستقرار بعد أن انعدامها السبب الرئيس في هجرة السوريين نحو الخارج.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، أجبرت الحرب السورية أكثر من 13 مليون سوري على النزوح الداخلي والهجرة إلى دول الجوار وبقية دول العالم، وكانت وجهة شريحة واسعة من السوريين دولا أوروبية، حيث تعد ألمانيا الوجهة الأكثر استقطابا لهم، وقُدر عددهم في هذا البلد بنهاية أكتوبر/تشرين الأول 2024 بنحو 974 ألف.
وبعد سقوط النظام السوري، تتوقع الأمم المتحدة عودة نحو مليون لاجئ سوري إلى بلدهم في الأشهر الستة الأولى من عام 2025، داعية الدول إلى الامتناع عن إعادتهم قسراً، فهل تلتزم الدول الأوروبية بهذه التوصيات أم أن لها طرقها الخاصة للتعامل مع هذه القضية؟
نظرة إيجابية للإدارة السورية الجديدة
ومما يدفع باحتمالية سعي الدول الأوربية إلى التفكير بإعادة اللاجئين السوريين التصريحات والمواقف التي عبّر عنها عدد من القادة الأوربيين تجاه الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، إذ رحّب الموقف الأوروبي الرسمي بسقوط نظام بشار الأسد، داعياً إلى أن تكون سوريا القادمة دولة لكل السوريين، ولهذا جاءت عديد من الزيارات الأوروبية إلى دمشق ولقاء القيادة الجديدة.
وقد بدأ التواصل الأوروبي على مستوى رفيع مع الإدارة الجديدة في سوريا بزيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ونظيرته الألمانية أنالينا بيربوك إلى دمشق، حيث أجريا الزيارة منذ فترة بتفويض من الاتحاد الأوروبي، يوم 3 كانون الثاني الحالي، والتقى الوزيران أحمد الشرع، ووجها رسالة باسم الاتحاد الأوروبي أكدا فيها أن "بداية سياسية جديدة بين أوروبا وسوريا ممكنة".
ويأمل القادة الأوروبيون أن يتم تصنيف سوريا دولة آمنة مجددا في ظل القيادة الجديدة، مما سيعني أنه يمكن للدول الأوروبية رفض طلبات اللجوء السورية والبدء في عملية الترحيل.
من جهته، قال رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو إنّ بلاده "تحتاج للتعامل مع النظام الجديد في سوريا وتقديم كل أشكال الدعم"، مضيفاً أنه "يجب فعل كل ما بوسعنا لدعم استقرار سوريا حتى يتمكن الراغبون في العودة من القيام بذلك".
وفي هذا السياق دعت كلاُ من فرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا وفنلندا والدانمارك في 13 كانون الثاني الجاري إلى تعليق العقوبات المفروضة على سوريا مؤقتا، في قطاعات مثل النقل والطاقة والخدمات المصرفية، وذلك بحسب ما أفادت به "رويترز".
وحذّرت الوثيقة أيضا من أنه إذا لم تتم تلبية توقعات الاتحاد الأوروبي باحترام حقوق الإنسان والأقليات، فقد لا ترفع المزيد من العقوبات، وقد يتم تطبيق آلية إعادة فرض العقوبات بخصوص تلك التي جرى رفعها بالفعل.
تجميد طلبات اللجوء
بحسب بيانات أوروبية، فإن آلاف طلبات اللجوء لسوريين في أوروبا معلّقة بسبب التشديدات الأوروبية الجديدة في ملف اللجوء من جهة، والتطورات في سوريا من جهة أخرى، وهذا يفسر تعليق بعض الدول الأوروبية قرارات منح الإقامة للاجئين السوريين فور سقوط نظام بشار الأسد، وبحسب قناة "سي إن إن بالعربية"، فإن من بين هذه الدول ألمانيا، والنمسا، والنرويج، وإيطاليا، وهولندا، وبريطانيا.
ونقلت القناة عن وزارة الداخلية البريطانية أن المملكة المتحدة أوقفت مؤقتا القرارات بشأن طالبي اللجوء من المواطنين السوريين، ووفقا لوزارة الداخلية الألمانية والنمساوية فقد أوقفتا أيضا إجراءات منح اللجوء للسوريين، في حين قالت إدارة الهجرة النرويجية إنها علقت طلبات اللجوء من السوريين حتى إشعار آخر.
من ناحيتها قالت الحكومة السويسرية، إنها علّقت إجراءات لجوء السوريين حتى تتمكن من تقييم الوضع هناك بشكل أفضل بعد سيطرة مسلحين من الفصائل المسلحة على العاصمة دمشق ومغادرة بشار الأسد إلى روسيا، وفي فرنسا قالت وزارة الداخلية إن "السلطات تعمل على تعليق ملفات اللجوء الحالية القادمة من سوريا".
وتلقّى الاتحاد الأوروبي هذا العام، 513 ألف طلب لجوء، تقدم السوريون بنسبة 14% من إجماليها بزيادة قدرها 7 نقاط مئوية مقارنة بعام 2013، في حين ما يزال نحو 101 ألف طلب لجوء سوري معلقا في دول الاتحاد، وفق تقرير منتصف العام الذي أصدرته وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في سبتمبر/أيلول الماضي.
وبموجب القانون الدولي، فإن الدول ملزمة بالحكم بسرعة وكفاءة على طلبات اللجوء، ولا يمكن إعادة الأشخاص الذين هم في طور التقدم بهذا الطلب أو تم الاعتراف بهم كلاجئين مهما كانت الأسباب في بلدهم استنادا على المبدأ الأساسي لحق اللجوء، وهو مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي تحميه اتفاقية جنيف.
تحذيرات من إعادة اللاجئين قسرياً
ترافقت عودة النقاشات في أوروبا عن ترحيل السوريين إلى بلادهم، مع اعتراض هيئات ومنظمات دولية وأممية، حيث كشفت العديد من الأبحاث بأن الإعادة القسرية مع عدم توفر الدعم المخصص لإعادة الاندماج يمكن أن يدفع العائدين للنزوح من جديد أو التعرض للتهميش، ثم إن التسرع بإعادة اللاجئين إلى بلدهم قد يهدئ من روع الأصوات المناهضة للهجرة، لكنه بالمقابل يمثل خرقاً لحقوق اللاجئين وقد يتسبب بمفاقمة حالة انعدام الاستقرار في الدول الأصلية وفي دول الجوار أيضاً.
ويأتي ذلك بعد دعوات وجهتها العديد من الأحزاب اليمينة في أوروبا لإعادة اللاجئين قسراً، وفي هذا السياق قالت زعيمة حزب "البديل من أجل ألماني" أليس فايدل إنّه "من الواضح أن أي شخص يحتفل بسوريا الحرة ليس لديه سبب للفرار ويجب أن يعود إليها على الفور".
وفي فيينا، سلّط مستشار النمسا كارل نيهامر الضوء على إعادة تقييم الوضع الأمني في سوريا لجعل عمليات الطرد ممكنة في المستقبل، فيما أعلن وزير الداخلية غيرهارد كارنر عن "برنامج إعادة وطرد إلى سوريا" للمواطنين الذين حصلوا بالفعل على اللجوء.
من ناحيته أكد الاتحاد الأوروبي إنه لا يمكن حاليا إعادة اللاجئين السوريين في دول الاتحاد قسرا إلى بلدهم في ظل الظروف الراهنة "المتغيرة" بسوريا، وجاء ذلك على لسان عضو مفوضية الاتحاد الأوروبي المسؤول عن العلاقات الداخلية والهجرة ماغنوس برونر، في تصريحات صحيفة في 13 ديسمبر/ كانون أول الماضي.
وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة قد دعت في الثاني من كانون الثاني إلى إظهار "الصبر واليقظة" بشأن قضية عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بعد إسقاط بشار الأسد واتخاذ عدّة دولٍ أوروبية قراراتٍ تتعلق بترحيلهم أو رفض استقبالهم.
المحامي المختص بقضايا اللجوء وحقوق الإنسان في المملكة المتحدة بسام طلبية يوضح لـ موقع تلفزيون سوريا أنه إذا لم تستقر الأوضاع في سوريا ولم يكن هناك عدالة ومشاركة لكل أطياف المجتمع السوري، فإن أي محاولة لإعادة اللاجئين ستكون مخالفة للقانون الدولي ومعاهدة اللاجئين.
وعليه -يتابع طلبية- أنه يمكن للاجئ أن يطعن بقرار سحب لجوئه أو قرار ترحيله، بحيث يستطيع هذه اللاجئ أو طالب اللجوء أن يثبت أمام المحكمة أن الأوضاع الأمنية غير مستقرة، وأن البنية التحتية غير مستقرة، وأن هناك انتهاكات ضد حقوق الإنسان، وبالتالي فإن إعادة طالب اللجوء إلى سوريا سوف يؤدي إلى انتهاك تلك الدولة الأوروبية إلى التزاماتها أمام معاهدة اللجوء.
وبالتالي فسوف تخسر تلك الدولة الأوروبية سمعتها، وقد تضطر هذه الدولة إلى دفع تعويضات باهضة إذا تعرص هذا الشخص إلى التعذيب أو القتل بسبب انعدام الأمن أوعمليات الانتقام، بحسب المحامي طلبية.
مكافآت مالية للتشجيع على العودة
على عكس ألمانيا التي تخشى تأثيراً سلبياً لعودة السوريين إلى بلادهم على سوق الوظائف في أكبر اقتصاد أوروبي، بدأت حكومات دول أوروبية مجاورة فعلًا بصياغة برامج ترحيل طوعي وتقديم عروض مالية مغرية لإبعاد السوريين إلى بلادهم.
حيث أعلنت حكومة النمسا أنها ستقدم للاجئين السوريين فى البلاد "مكافأة عودة" قدرها 1000 يورو للعودة إلى سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ يشكّل السوريون أكبر مجموعة من طالبي اللجوء في النمسا، وهذا ما يعرض الحكومة لضغوط من اليمين المتطرف لاتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الهجرة.
وفي ذات الاتجاه كشف وزير الاندماج والهجرة الدنماركي، كاري ديوبفاد، إن الدنمارك ستقدم للاجئين من سوريا ما يصل إلى 25 ألف يورو مقابل العودة إلى وطنهم، قائلاً: "بالنسبة لأولئك الذين يريدون العودة إلى وطنهم، نمنح نحو 20 إلى 25 ألف يورو حتى يتمكنوا من العودة".
وحتى في ألمانيا بدأت الأحزاب اليمينية بالضغط على الحكومة لإعداد برامج عودة للاجئين السوريين، حيث اقترح النائب عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ينس سبان "استئجار طائرات" و"منح مكافأة" لأولئك الذين يرغبون في العودة إلى سوريا.
وفي هذا السياق يرى المحامي طلبية أن فكرة الحوافز المادية قد تكون فعالة جداً، لأنها ستساعد اللاجئين في بناء منازلهم المدمرة، وستساهم في الاقتصاد المحلي من خلال فتح بعض المشاريع الاقتصادية.
ويلفت "طلبية" إلى أن هذه الخطوة قد يكون لها بعض الآثار الجانبية السلبية على الأشخاص الذين رفضوا العودة؛ باعتبار أن هناك أناس قد عادوا، ولم يتعرضوا لأي مكروه، وهذا يعد وفق التقارير الدولية المنبثقة عن المنظمات الدولية أن البلد آمن، ولا يوجد خطر على حياة الناس، وهذا بدوره -يضيف طلبية- سوف يشجع وزارات الداخلية للدول الأوروبية وغيرها بأن تساهم بإعادة بعض اللاجئين وإنهاء وجودهم.
تجارب أوربية سابقة بإعادة اللاجئين
سبق لألمانيا أن رحّلت لاجئين أفغانيين إلى بلدهم بعد وصول حركة "طالبان" إلى السلطة رغم عدم وجود علاقاتٍ دبلوماسية بين برلين وكابول، بعدما لعبت قطر دور الوساطة، كما أن هناك تجارب مماثلة لهولندا مع اللاجئين العراقيين، عام 2010، وهو الأمر الذي يخشى السوريون أن يتكرر مرة أخرى معهم.
إلا أن الاستشاري في شؤون اللاجئين والاندماج فادي موصلي يوضح لـ موقع تلفزيون سوريا أنه "لا يمكننا اليوم إسقاط المثال العراقي على الواقع السوري، الذي لا يمكن أن نقارنه بأي دولة في العالم".
يشرح "موصلي" ذلك بالقول: إن سوريا اليوم مدمرة بفعل النظام المجرم، الذي لم يخرج منها إلا بعد أن دمَّر 90% من البلاد، وهي تعاني من انعدام البنية التحتية، والشعب تحت خط الفقر، لذلك يجب على الدول الأوروبية قبل البدء في عملية إعادة السوريين، أن تفكر بإعادة الإعمار، ودعم الشعب السوري من خلال رفع العقوبات المفروضة عليه، بسبب نظام المخلوع بشار الأسد.