بغداد تحتضن زعماء بعد قطيعة في مؤتمر التعاون وتفتح الباب أمام لاعبين جدد

تاريخ النشر: 29.08.2021 | 11:23 دمشق

في زحمة الصراعات والانقسامات السياسية، ومحاولات ليّ الأذرع واستعراض القوة، من قبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. بغداد تستضيف مؤتمرا دوليا بمستوى تمثيل عال، جمع بين فرقاء الأمس وأصدقاء اليوم، وبين الأضداد والشركاء، لترتدي عاصمة الخلافة العباسية ثوبا كان بالأمس ثوبها المعتاد، واليوم تحاول جاهدة ارتداءه.

بغداد وعلى بُعد 42 يوما من إجراء الانتخابات النيابية المبكرة، استضافت مؤتمرا دوليا تحت مسمى (مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة)، شاركت فيه 10 دول من ضمنها العراق، وبتمثيل دولي عالي المستوى. وبالرغم من التركيز على ملفي الأمن والاقتصاد، فإن المؤتمر كان سياسيا بامتياز بحسب مراقبين، حيث أظهرت دول مشاركة في المؤتمر تصفير خلافاتها، في حين ظهرت فرنسا بدور القادر على ملء فراغ في المنطقة، لم تعد الولايات المتحدة الأميركية قادرة على شغله مجددا في ظل إدارة جو بايدن.

وقال نائب رئيس لجنة السياسات الخارجية في مجلس النواب العراقي، النائب ظافر العاني، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن "مؤتمر بغداد حقق فوائد سياسية وإعلامية للحكومة العراقية، وأن معظم كلمات الوفود كان فيها قاسم مشترك وهو دعم حكومة الكاظمي والسياسات التي اتخذتها في طريق استقلالية القرار العراقي".

وبشأن كيفية تمكن حكومة مصطفى الكاظمي، من تنظيم مؤتمر بهذا المستوى من الحضور الرسمي في بغداد بالرغم من الظروف الحالية التي يعيشها العراق، قال العاني: إن "للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دوراً في المؤتمر، وقد يكون هو الداعم الأول والأساسي للمؤتمر". وأوضح النائب العراقي، أن تدخل ماكرون في الشأن العراقي، وقربه من السلطة في البلاد له إيجابياته وسلبياته. مبيناً أن هناك إيجابية لوجود دولة مثل فرنسا لها عضوية دائمة في مجلس الأمن لدعم العراق، وأن تكون بغداد محلاً لاجتماع قوى كبيرة دولية وإقليمية. وتحدث العاني عن سلبية التدخل الفرنسي، قائلاً: "الأمر الذي يشعرنا بالشكوك هو أن فرنسا لم تستطع الحفاظ على أمن واستقرار لبنان وهي داخل دائرة نفوذها، فكيف يمكن أن تقدم خدمة كبيرة للعراق في ظل وجود نفوذ إيراني؟!".

مضيفاً "هذا يجعلنا نرتاب حول دوافع فرنسا من تشجيع العراق على عقد مثل هذا المؤتمر، ولو أن فرنسا قدّمت تجربة جيدة فيما يتعلق بلبنان لربما نظرنا بنظرة إيجابية حول دورها الآن في العراق".

وقال رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن "عقد مؤتمر بغداد لا يرتبط بالانتخابات، بقدر ما أن الظروف تهيأت ونضجت باتجاه اختيار هذا الموعد". وأوضح الشمري أن التحضير للمؤتمر لم يأت في وقت قريب، وأن التحضير استمر أربعة أشهر من الحوارات بين العراق وبين الدول المشاركة. 

ويرى رئيس مركز التفكير السياسي، أن المؤتمر حقق الكثير لبغداد، وأعاد العراق إلى لعب دور الريادة والوساطة، وأن العراق أثبت أنه دولة تحظى بثقة هذا الكمّ من القيادات الدولية.

وبشأن مشاركة فرنسا في مؤتمر بغداد، وعدم مشاركة دول أخرى كانت منفردة بالملف العراقي خلال السنوات السابقة، قال الشمري: "بريطانيا وأميركا أعطتا مساحة لعدم اتهام العراق بأنه أميركي أو بريطاني". مبيناً أن وجود فرنسا يعزز من صورة العراق في اتباع سياسة التوازن في علاقاته الخارجية، وأن فرنسا راغبة في الشراكة مع العراق على جميع المستويات وخصوصا الاقتصادية والأمنية.

وأضاف الشمري، أن "هناك دوراً جديداً لفرنسا في العراق، بعد الانكفاء الأميركي بسبب سياسات بايدن، وهو ليس ملء فراغ بقدر ما هو شراكة للعراق بما يحقق التوازن وفرنسا هي بوابة لأوروبا وهذا يخدم العراق كثيراً".

بغداد وطهران:

على عكس ما كان متوقعاً في بغداد، لم يشترك الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مؤتمر بغداد، بالرغم من علاقاته الجيدة في العراق ومصالح إيران الواسعة هناك، بالإضافة إلى تسلمه دعوة رسمية من يد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أرسلها رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، واكتفت إيران بتمثيل ضعيف تمثل بوزير خارجيتها، حسين أمير عبد اللهيان، الذي أثار جدلاً في العراق بعد عدم التزامه بالمكان المخصص له في الصورة الجماعية للمشاركين في المؤتمر، والوقوف بالصف الأول مع زعماء ورؤساء الدول المشاركة.

ولعل إيران فهمت النيّات والرسائل التي لم تعتَدْ عليها خلال السنوات الأخيرة، من الحكومة العراقية التي تجاهلت رئيس النظام السوري ولم توجّه له دعوة لحضور المؤتمر، بالإضافة إلى فهمها لمخرجات المؤتمر، خصوصاً بعد المصالحة الخليجية المصرية التركية. وبالفعل جاء البيان الختامي لمؤتمر بغداد، متعارضاً مع السياسات الإيرانية في المنطقة.

ونصَّ البيان الختامي للمؤتمر على "ضرورة توحيد الجهود الإقليمية والدولية وبالشكل الذي ينعكس إيجاباً على استقرار المنطقة وأمنها"، في حين " أقرّ المشاركون بأن المنطقة تواجه تحديات مشتركة تقتضـي تعامل دول الإقليم معها على أساس التعاون المشترك والمصالح المتبادلة ووفقاً لمبادىء حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام السيادة الوطنية". 

وقال رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، إن التمثيل الضعيف لإيران في مؤتمر بغداد عبر مشاركة وزير خارجيتها، ليس له علاقة بعدم توجيه دعوة إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد، للمشاركة في المؤتمر بالرغم من تركيز وزير الخارجية الإيراني في كلمته على ضرورة عودة سوريا. مبيناً أن " هناك رؤية إيرانية تتمثل بعدم الالتزام بمخرجات المؤتمر إذا كانت تتقاطع مع مصالحها، وأن كثيراً من الملفات لم تُحسم، بالرغم من أنها أبدت حماسة كبيرة في البدء بمصالحة من خلال إشارة وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان، إلى مدّ اليد".

وأضاف الشمري، أن "ما اتفق عليه المؤتمرون جاء بخلاف الرغبة الإيرانية، وأن جميع المؤتمرين أجمعوا على عدم التدخل بالشؤون الداخلية العراقية ودعم السيادة والقرار العراقي. إيران خسرت فرصة كبيرة جداً لتسوية ملفاتها وتحاول عدم الالتزام بمقررات مؤتمر بغداد".

من جانبه، قال نائب رئيس لجنة السياسات الخارجية في مجلس النواب العراقي، النائب ظافر العاني، إن "إيران لا تريد أن تبدأ مفاوضات مع فرقاء بينها وبينهم مشاكل على مستوى عال"، مبيناً أن طهران، "تترك مجالاً للعمل الدبلوماسي وتستكشف وتُرسي إجراءات بناء الثقة، بعد ذلك يمكن أن تعقد لقاءات قمة".

وأوضح العاني أنه بالرغم من وجود مشكلات مُعلنة بين إيران ومعظم الدول المشاركة في مؤتمر بغداد، لكن "هناك مسارات للمفاوضات غير رسمية وغير علنية جرت خلال الفترة السابقة بالذات ما بين طهران والرياض، وبين طهران وواشنطن".

ولفت العاني إلى أن "التمثيل المنخفض على مستوى وزير الخارجية بالنسبة لإيران في المؤتمر مقصود، لتضعَ إيران لنفسها مجالاً للتنصل من الالتزامات، وهذا ما ألِفناه عن السياسات الإيرانية السابقة".

الوساطة والمصالحة:

وشهدت بغداد على هامش مؤتمر التعاون والشراكة، لقاءات بين زعماء عرب أكدت المضي باتجاه تصفير الخلافات، حيث التقى أمير دولة قطر بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونائب رئيس دولة الإمارات محمد بن راشد آل مكتوم. بالإضافة إلى لقاء سريع جمع بين وزير الخارجية الإيراني والرئيس المصري، ولقاءات أخرى بين رؤساء الوفود المشاركة في المؤتمر. الأمر الذي يؤكد أن زمن القطيعة بين هذه الدول قد ولّى، وأن المنطقة مقبلة على إعادة علاقات لم تكن بالأمس القريب ممكنة.

وقال رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، إن "نجاح العراق بجمع السعودية وإيران وكذلك مصر وتركيا، حفّزه باتجاه مزيدٍ من لعب أدوار وساطة أخرى، ودفعه باتجاه محاولة الاقتراب المباشر ما بين الدول المتخاصمة، بما يحقق الاستقرار الداخلي". وأضاف الشمري "أن العراق تأثر نتيجة التقاطعات الدولية، وتحولت أرضه إلى ساحة صراعات وتصفية حسابات بين الولايات المتحدة وإيران، ولذلك يجد أن الوقت مناسب للعب هذا الدور لينعكس على استقراره الداخلي".

في حين استبعد نائب رئيس لجنة السياسات الخارجية في مجلس النواب العراقي، ظافر العاني، أن يكون العراق قادراً على لعب دور محوري في تصفية الخلافات والأزمات بين دول المنطقة، وقال العاني: "لا أعتقد أن العراق الآن في وضعه الحالي قادر على لعب دور واضح في التوازنات الإقليمية". مضيفاً، أن "هذا الدور ينبغي أن تقوم به قوة إقليمية لديها إمكانيات وقدرات كبيرة وواضحة، والعراق للأسف ما زال هشاً ومعظم قدراته معطلة بسبب التخبط السياسي وضعف الثقة بين الفرقاء السياسيين".

أما رأي الطرف المسلح في العراق، فيختلف كثيراً عن آراء القوى المؤمنة بالتقارب بين العراق ودول المنطقة، وخصوصاً العربية والخليجية منها. إذ قال المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة "الصادقون"، التابعة لحركة "عصائب أهل الحق"، محمود الربيعي، عبر حسابه على تويتر، مخاطباً زعماء الدول العربية المشاركين في مؤتمر بغداد: " توقفوا عن دعم التكفير الوهابي الذي قتل أهلنا في كل شارع وسوق ومسجد ومدرسة وملعب منذ سقوط الطاغية إلى يومنا هذا انطلاقاً من فتاوى منابركم، وحاسبوا دعاة قتل الشيعة واعتذروا عن جرائمكم وادفعوا تعويضات للضحايا الأبرياء، لنصدّق أنكم تدعمون العراق في حربه ضد الإرهاب". في إعلان صريح على عدم تقبل جناح قيس الخزعلي السياسي، لهذا المؤتمر ومخرجاته وضيوفه.


مخاوف والتزامات:

ولعل أبرز ما يثير المخاوف من عودة العراق إلى العزلة الدولية بعد الانفتاح الأخير، بالإضافة إلى عدم الالتزام بمخرجات مؤتمر بغداد، هي السلطة العراقية نفسها، حيث إن البلاد مقبلة على انتخابات نيابية في العاشر من تشرين الأول / أكتوبر المقبل، تحدد شكل الحكومة التي ستحكم العراق لأربع سنوات قادمة، ويترتب على ذلك سياسات محلية ودولية تتناسب وفكر الجهة الفائزة في الانتخابات.

وقال رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، إن "مخرجات هذا المؤتمر ستكون ملفاً يُسلّم إلى الحكومة أو المعادلة السياسية القادمة، وإذا كان هناك ثأر تجاه هذا المنجز، فإن العراق سينكفئ ولن يحظى بثقة جديدة، أما إذا كانت الحكومة العراقية القادمة مؤمنة بما يمكن أن نسميه منجزاً للدولة فسيكون هناك مراكمة لهذا النهج".

من جانبه، قال نائب رئيس لجنة السياسات الخارجية في مجلس النواب العراقي، ظافر العاني، إن "هناك مشكلة إذا تغيرت حكومة الكاظمي وجاءت حكومة أخرى، لا أحد يستطيع أن يمضي بهذا الاتفاق، خصوصاً أن ما صدر اليوم لا يوجد فيه إلزام، وإنما تعبير عن حسن نوايا، وشهدنا ذلك في حكومات سابقة وإذا انقلبت الحكومة المقبلة على اتفاقيات حكومة الكاظمي فلن يكون أمراً جديداً".

وفي ظل المتغيرات الدولية وعزم الولايات المتحدة الأميركية سحبَ قواتها العسكرية من العراق، ودخول فرنسا بقوة إلى العراق والمنطقة، لا يُخفي العراقيون تخوّفهم من صفقة فرنسية إيرانية تعزز من الوجود الإيراني في البلاد، لا سيما في ظل هيمنة قوى السلاح على الدولة العراقية.