ضربت أربع غارات جوية، فجر الثلاثاء، مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، وأكد مصدر عسكري خاص لتلفزيون سوريا أن الطائرات المنفذة إسرائيلية، وأنها استهدفت مدرج المطار وحظائر طائرات مهجورة، من دون سقوط ضحايا مدنيين، فيما اقتصرت الخسائر على الأضرار المادية.
وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين الغارات بأشد العبارات، ووصفتها بأنها عدوان غير مبرر وانتهاك للسيادة السورية. وقالت الوزارة إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، في وقت تلتزم فيه الدولة السورية بضبط النفس، يكشف محاولة إسرائيلية لجر المنطقة إلى مزيد من التوتر. وحمّلت إسرائيل مسؤولية التصعيد، ودعت المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إدانة الهجوم واتخاذ موقف منه.
وجاء الموقف الأميركي أكثر مباشرة من عبارات التهدئة المعتادة. فقد قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إن واشنطن تشعر بـ"قلق بالغ" إزاء الغارات المؤكدة على قاعدة أبو الظهور، واعتبرها "تصعيداً غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي"، وحث جميع الأطراف على تقديم الحوار المنطقي على أي اشتباك عسكري جديد.
لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها رسمياً، لكن غياب الإعلان لا يغير هوية المنفذ، أما في الإعلام الإسرائيلي، فانصرف النقاش سريعاً إلى السؤال عن الهدف. ونقل موقع "عرب 48" عن مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كدوش أن تنفيذ ضربة بهذا العمق، في ظل علاقات السلطة السورية الجديدة بواشنطن، يوحي بوجود هدف استثنائي، وطرح احتمال وصول شيء إلى القاعدة أو الرغبة في منع طائرة من الهبوط فيها.
ثمانية أيام بين المناورة والقصف
يكتسب توقيت الغارات ثقله من مشهد سبقها بثمانية أيام. ففي 10 آب، نفذت مقاتلات سورية من طراز "سوخوي-22" طلعات تدريبية في شمال البلاد. وقالت هيئة البث الإسرائيلية "كان" إن المؤسسة الأمنية رصدت ما وصفته بتسارع جهود إعادة تأهيل سلاح الجو السوري، بما يشمل تجنيد طيارين وتدريبات بطائرات تدريب ومروحيات، ثم إجراء أول مناورة بمقاتلات سوخوي في الشمال.
ونقلت "القناة السابعة" الإسرائيلية عن المصدر نفسه أن القلق يتركز على أثر هذا المسار في حرية عمل الطيران الإسرائيلي، ولا سيما إذا ترافق مع تمركز تركي أو نشر منظومات دفاع جوي. وفي التوقيت نفسه، عاد اسم الطيار عبد الله العبيدو، ابن كفرنبل، إلى التداول بعد ظهوره في قمرة "ميغ-23" وتنفيذه طلعات فوق إدلب وحلب عقب انقطاع دام 21 عاماً.
بعد الغارات، ربط موقع "JDN" العبري بين الاستهداف وتلك الطلعات، وقال إن القاعدة كانت تضم طائرتين من طراز "سوخوي-22" أعيد تأهيلهما، إلى جانب طائرات تدريب "L-39" ومروحيات قديمة. فيما قال المصدر العسكري لتلفزيون سوريا إن الحظائر التي أصابها القصف مهجورة.
قاعدة أضعف من أن تهدد إسرائيل وأهم من أن تُترك
يقع المطار على بعد نحو 27 كيلومتراً شرقي سراقب، في نقطة تصل إدلب بحلب وحماة والبادية، ويبعد نحو 70 كيلومتراً بخط مستقيم عن الحدود التركية، ولا تمنحه هذه الجغرافيا قدرة هجومية تلقائية على إسرائيل، لكنها تجعله عقدة محتملة للطيران والتدريب والمروحيات والمسيّرات والإسناد اللوجستي في شمال سوريا، وقريباً في الوقت نفسه من المجال التركي.
قبل الحرب، احتضن أبو الظهور السرب 678 بطائرات "ميغ-23" وسرباً آخر من "ميغ-21". وتوضح الدراسة العسكرية التي أعدها موقع "Oryx" أن محيط القاعدة امتد قرابة خمسة كيلومترات، وأنها ضمت 13 ملجأً محصناً للطائرات. وخلال سنوات الحصار، استخدم النظام المخلوع طائرات "أنطونوف-26" ومروحيات "مي-8" و"مي-17" لإمداد الحامية بعد انقطاع الطرق البرية، بينما تضررت طائرات ومروحيات وأصبح تشغيل المقاتلات من الموقع أكثر صعوبة.
وقبل السيطرة على المطار في أيلول 2015، نُقلت المقاتلات القابلة للطيران من طرازَي "ميغ-23" و"ميغ-21" إلى مطار حماة، بحسب "Oryx"، ولهذا كانت غالبية الهياكل التي ظهرت بعد السيطرة عليه متروكة أو معطلة منذ سنوات. وانتهى حصار دام قرابة ثلاثة أعوام بسيطرة فصائل "جيش الفتح" على القاعدة في 9 أيلول 2015، وفق توثيق الذاكرة السورية.
واستعادت قوات النظام المخولع وحلفاؤها المطار في كانون الثاني 2018 بدعم روسي، قبل أن تنتزعه فصائل "ردع العدوان" في 30 تشرين الثاني 2024 خلال الهجوم الذي انتهى بسقوط الأسد.
ويمكن اعتبار المطار أقل أهمية من حيث الطائرات الموجودة فيه، إلا أنه أكثر أهمية من حيث ما يمكن أن يعود إليه. فالمدرج والملاجئ والموقع لا تعني وجود قوة جوية جاهزة، لكنها تختصر جزءاً من الوقت والموارد اللازمين لإنشاء قاعدة من الصفر. ومن هذا المنظور، يصبح ضرب منشأة قديمة في مرحلة التأهيل أسهل من انتظار اكتمالها، حتى لو لم تكن الطائرات المستهدفة موجودة بعد.
من تدمير الترسانة العسكرية إلى منع نشوء قدرة جديدة
لا تنفصل غارات أبو الظهور عن السياسة الإسرائيلية التي بدأت فور انهيار نظام الأسد. ففي غضون 48 ساعة من سقوطه، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ أكثر من 350 غارة على بطاريات مضادة للطائرات ومطارات عسكرية ومواقع تصنيع أسلحة ومقاتلات وصواريخ، إضافة إلى استهداف قطع بحرية، وفق "رويترز". وقدمت إسرائيل الحملة آنذاك بوصفها إجراءً لمنع الأسلحة الاستراتيجية من الوقوع في أيدي القوات التي أسقطت النظام.
غير أن ضربة أبو الظهور تأتي بعد نحو عشرين شهراً من تلك الحملة، وفي ظل سلطة مركزية جديدة تفاوض إسرائيل عبر قنوات ترعاها الولايات المتحدة، كما يوضح البيان الثلاثي الأميركي-السوري-الإسرائيلي. إلا أنه ومع هذا الاستهداف، يتحول "الخط الأحمر" من منع الاستيلاء على ترسانة الأسد إلى منع تشكل قدرة عسكرية سورية جديدة يمكن أن تقيد إسرائيل في المستقبل.
هذا التحول ينسجم مع ما نشرته هيئة البث الإسرائيلية "كان" قبل الغارات، إذ لم تركز على خطر طائرتين قديمتين بحد ذاته، بل على مسار أوسع يضم تجنيد الطيارين والتدريب وإعادة تأهيل سلاح الجو، وعلى احتمال أن تؤثر هذه العملية لاحقاً في حرية العمل الإسرائيلي. فالمقاتلات السورية القديمة لا تشكل، في وضعها الحالي، نداً لسلاح الجو الإسرائيلي، لكن القلق يبدأ من البنية التي قد تقود إلى رادارات ودفاعات جوية وقواعد محمية وشراكات خارجية.
وفي مقالها "دمشق تسيء قراءة دوافع إسرائيل في سوريا"، المنشور قبل الغارات بيومين، ترفض الباحثة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف اختزال السلوك الإسرائيلي في استراتيجية واحدة متماسكة. وترى أنه نتاج دوافع متنافسة تشمل صدمة هجوم 7 أكتوبر والخوف من تكرار اختراق الحدود، وضعف المعرفة بالتحولات التي طرأت على "هيئة تحرير الشام"، والنظر إلى السلطة الجديدة باعتبارها جهادية ووكيلة لتركيا، إلى جانب غطرسة القوة والشعور بالإفلات من العقاب والتضامن الإسرائيلي الداخلي مع الدروز وحسابات بنيامين نتنياهو السياسية.
وتذهب تسوركوف في مقالها إلى أن إبقاء الحكومة المركزية السورية ضعيفة يشكل هدفاً إسرائيلياً عاماً، حتى إذا اختلفت الدوافع التي تقود إليه. وتساعد هذه الزاوية على فهم أبو الظهور خارج فرضية "رسالة إلى تركيا" وحدها، إذا كانت استعادة دمشق أدوات القوة والسيادة مصدر قلق إسرائيلي في ذاتها، فإن عودة سلاح الجو إلى التحليق تصبح هدفاً محتملاً حتى من دون وجود تركي مباشر داخل المطار.
تركيا ودورها في تطوير الجيش السوري
يصعب استبعاد تركيا من الحساب، فمنذ سقوط النظام، أصبحت أنقرة أبرز شريك خارجي لدمشق في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية. وقال وزير الدفاع التركي يشار غولر إن بلاده تدرب القوات السورية وتقدم لها المشورة وتساعد في تحسين دفاعاتها، وفق "رويترز". وفي آب من العام الفائت، وقعت وزارتا الدفاع السورية والتركية مذكرة تعاون تشمل التدريب والاستشارات والدعم الفني وتوفير أنظمة سلاح وتجهيزات ومواد لوجستية، بحسب "أسوشيتد برس".
وسبق لإسرائيل أن استخدمت قصف المطارات لوقف مسار عسكري تركي قبل اكتماله. ففي ربيع 2025، عاينت فرق تركية مطارات "تي فور" وتدمر وحماة لبحث انتشار محتمل في إطار شراكة دفاعية، ثم ضربت إسرائيل المواقع الثلاثة. ونقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن الفرق التركية درست حالة المدارج والحظائر والبنية التحتية، وأن القصف دمّر أو أعطب مدرج "تي فور" وبرج المراقبة والحظائر وطائرات متوقفة. ووصف مسؤول استخباري إقليمي الضربة بأنها رسالة قاسية مفادها أن إسرائيل لن تقبل توسع الوجود التركي.
تصل الرسالة إلى أنقرة، إذاً، من خلال رعايتها للمشروع العسكري السوري لا من خلال استهداف أصل تركي مثبت. ومضمونها أن الدعم التركي لا يمنح المطارات السورية حصانة، وأن الانتقال من التدريب والتجهيز إلى بناء مجال جوي محمي سيواجه برد إسرائيلي. لكن الهدف المباشر يظل سورياً، مدرج تحتاج إليه دمشق لتشغيل طائراتها.
وساطة أميركية بلا مظلة حماية
جاء القصف في وقت قطعت فيه الاتصالات السورية-الإسرائيلية شوطاً أبعد من أي مرحلة سابقة منذ سقوط نظام الأسد. ففي أيلول من العام الفائت، نقلت "رويترز" أن واشنطن تضغط لتسريع اتفاق أمني تطلب دمشق من خلاله وقف الغارات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتُلت بعد انهيار النظام والعودة إلى ترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، بينما دفعت إسرائيل نحو منطقة واسعة منزوعة السلاح في الجنوب والاحتفاظ بهامش تدخل عسكري.
وفي 6 كانون الثاني الفائت، انتهت محادثات في باريس إلى إنشاء "آلية دمج مشتركة"، وهي خلية اتصال مخصصة للتنسيق الفوري والمستمر وتبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري، وفق البيان الثلاثي الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية. وأكدت "رويترز" أن الآلية جاءت بعد محادثات بوساطة أميركية وشملت التنسيق في ملفات الأمن والاستخبارات.
وتزداد حساسية التوقيت مع ما نشرته القناة "13" الإسرائيلية في 14 آب/أغسطس، قبل غارات أبو الظهور بأربعة أيام. فقد قالت إن إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة تنفيذ ضربة جديدة في سوريا على خلفية توسع نفوذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن ترمب أوقف العملية.
وقبل الغارات بيوم، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني المبعوث الأميركي توم براك في إسطنبول. وقالت وكالة "سانا" إن الاجتماع تناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والتعافي الاقتصادي ورفع العقوبات وإعادة الإعمار.
رسائل تتجاوز حدود المطار
تتجه الرسالة الأولى إلى دمشق والمؤسسة العسكرية السورية. فإعادة بناء سلاح الجو لن تُعامل إسرائيلياً باعتبارها شأناً سيادياً داخلياً فقط، حتى إذا اقتصرت بدايتها على طائرات سوفياتية قديمة وطلعات تدريب. وما أثار القلق الإسرائيلي، وفق "كان"، لم يكن مستوى القوة الحالي، بل اتجاه الحركة، تجنيد طيارين، واستعادة التدريب، وظهور المقاتلات مجدداً في السماء.
أما الرسالة الثانية فتصل إلى تركيا، لكن بوصفها راعياً رئيسياً لإعادة بناء الجيش لا بوصفها صاحبة قاعدة مثبتة في أبو الظهور. وتقول الضربة إن المظلة السياسية والعسكرية التركية لا تمنح المنشآت السورية حصانة، وإن أي انتقال مستقبلي نحو رادارات أو دفاعات جوية أو تمركز طويل الأمد سيصطدم بإصرار إسرائيل على حماية حرية عملها.
وتصل الرسالة الثالثة إلى واشنطن. فإسرائيل واصلت استخدام القوة في أثناء عمل آلية الاتصال الثلاثية التي أعلنتها وزارة الخارجية الأميركية، وفي ظل المفاوضات على اتفاق أمني أيضاً، وهذا يعني أن الوساطة الأميركية لم تنتزع من إسرائيل قرارها المنفرد بالضرب، ولم توفر لدمشق مظلة تحمي منشآتها العسكرية.