مع عودة أعداد كبيرة من السوريين المقيمين في مصر إلى سوريا، لم تتوقف آثار هذه العودة عند سوق العمل أو المحال والمشاريع، بل امتدت إلى المدارس التي كان يعتمد عليها السوريون في تعليم أبنائهم.
أغلقت عدد من المدارس السورية أبوابها بعد تراجع أعداد الطلاب، ما دفع عائلات سورية بقيت في مصر إلى البحث عن بدائل لأبنائها مع بداية العام الدراسي، بعدما كان استمرارهم في المدارس السورية خياراً مستقراً لسنوات.
وتقول "رولا" لموقع تلفزيون سوريا، وهي إحدى الأمهات السوريات، إن إغلاق المدرسة التي كان أطفالها يتعلمون فيها وضعها أمام ضرورة البحث عن مدرسة أخرى، في وقت لم تكن فيه الأسرة مستعدة لهذا التغيير، موضحةً أن المدرسة السورية كانت بالنسبة إليها خياراً معروفاً ومستقراً، بينما أصبح عليها اليوم البحث عن مدرسة تقبل أبناءها وتناسب ظروف الأسرة.
المدارس الخاصة... الخيار المتاح
مع تقلص عدد المدارس السورية، توجّه عدد من الأهالي إلى المدارس المصرية الخاصة، خصوصاً أن المدارس الحكومية ليست متاحة لجميع الطلاب الوافدين بالطريقة نفسها، وتختلف إمكانية الالتحاق بها بحسب وضع الطالب والأوراق التي يحملها. وبالنسبة إلى عائلات سورية، أصبح الانتقال إلى مدرسة خاصة يعني تحمّل أعباء مالية إضافية، إلى جانب البحث عن مدرسة لديها أماكن شاغرة، وتستطيع استقبال الطالب في الصف المناسب له.
وتشرح أم سورية أن الأسرة لم تكن تسعى، في الأساس، إلى تغيير مدرسة ابنها، لكن إغلاق المدرسة التي كان يدرس فيها وضعها أمام خيارين: إما البحث عن مدرسة سورية أخرى إن وُجدت، وإما الانتقال إلى مدرسة مصرية خاصة. وتقول إن المشكلة لا تتعلق بالعثور على مكان للطالب فحسب، وإنما أيضاً بالقدرة على تحمّل تكاليف المدرسة الخاصة، ولا سيما عندما يكون لدى الأسرة أكثر من طفل في سن الدراسة.
"إلحاق الوافد".. ورقة أساسية للتسجيل
وبينما تحاول العائلات إيجاد مدارس بديلة، تظهر أمام بعض الطلاب مشكلة أخرى تتعلق بإجراءات التسجيل، أبرزها ورقة "إلحاق الوافد"، وهي الورقة التي تطلبها المدارس لتسجيل الطلاب الوافدين، وخصوصاً في السنوات الانتقالية. ويُقدَّم طلب الإلحاق عبر المنصة المخصصة لذلك، لتبدأ بعد ذلك إجراءات تسجيل الطالب في المدرسة.
وبحسب الأهالي، فإن الحصول على هذه الورقة يرتبط بوجود إقامة سارية للطالب أو ولي أمره، وفق الحالة المطلوبة للتسجيل. وهنا تظهر مشكلة لدى بعض الأسر السورية التي تعتمد إقامتها على بطاقة اللجوء، أو ما يُعرف بين السوريين بـ"الكرت الأصفر"، عندما تكون الإقامة المسجّلة على البطاقة غير سارية في الوقت الذي يتوجب فيه تسجيل الطالب، رغم أن الأسرة لديها موعد، أو "دور"، لاستكمال الإجراءات أو تجديدها.
إقامة منتهية... وموعد لا يكفي للحصول على الإلحاق
بالنسبة إلى هذه الأسر، لا تكمن المشكلة في عدم وجود موعد أو عدم رغبتها في استكمال الإجراءات، وإنما في الفارق بين موعد الإجراء وموعد تسجيل الطفل في المدرسة. فقد يكون لدى العائلة بالفعل موعد محدد، لكنها لا تستطيع، وفق ما يواجهه الأهالي في هذه الحالات، الحصول على ورقة "إلحاق الوافد" ما دامت الإقامة الحالية المثبتة على البطاقة غير سارية.
وتقول سماح (اسم مستعار) إن لديها موعداً لاستكمال إجراءاتها، لكن ذلك لم يحل مشكلة تسجيل طفلها، لأن المدرسة طلبت ورقة الإلحاق، بينما لم تتمكن الأسرة من الحصول عليها بسبب عدم سريان الإقامة الحالية. وتوضح: "المشكلة أن لدينا موعداً؛ أي إننا ننتظر دورنا، لكن المدرسة لا تستطيع الانتظار، والطفل أيضاً لا يستطيع تأجيل بداية عامه الدراسي إلى أن يحين الموعد، ومن الممكن أن تضيع عليه السنة".
وتضع هذه الإجراءات بعض العائلات أمام حلقة يصعب الخروج منها في الوقت المناسب: فالمدرسة تطلب ورقة الإلحاق، والحصول على الورقة يحتاج إلى إقامة سارية، بينما لا تستطيع الأسرة التي لديها موعد لاحق إنهاء هذا الإجراء قبل حلول موعدها. وبذلك يصبح الطالب، رغم وجود أسرة تتابع أوراقه ولديها موعد لاستكمال معاملاتها، غير قادر على تثبيت تسجيله في المدرسة في الوقت المطلوب.
الخوف من ضياع العام الدراسي
وتزداد حساسية المشكلة عندما يكون الطالب في إحدى السنوات الانتقالية، إذ يحتاج إلى الانتقال من صف إلى آخر وتثبيت وضعه الدراسي ضمن المواعيد المحددة. وفي هذه الحالات، لا ينظر الأهالي إلى تأخر ورقة الإلحاق باعتباره تأخيراً إدارياً بسيطاً، بل يخشون أن يؤدي عدم تسجيل الطفل في الوقت المناسب إلى انقطاعه عن الدراسة أو ضياع عامه الدراسي.
وتشرح منى الزين أن أكثر ما يثير قلقها هو انتهاء موعد التسجيل قبل أن تتمكن من الحصول على الورقة المطلوبة، قائلةً: "ابني لا علاقة له بكل هذه الإجراءات؛ هو فقط يريد أن يكمل سنته الدراسية. إذا لم نستطع الحصول على الإلحاق، فأين سيسجَّل؟ وإذا تأخر التسجيل كثيرًا، فماذا سيحدث لسنته الدراسية؟".
العودة غيّرت المشهد التعليمي
ولا يمكن فصل هذه المشكلة عن التغير الذي طرأ على وجود السوريين في مصر خلال الفترة الأخيرة. فعودة عدد من العائلات إلى سوريا أدت إلى تراجع أعداد الطلاب في بعض المدارس السورية، ومن ثم إغلاق مدارس كانت تمثل خياراً أساسياً للأسر السورية. وفي المقابل، بقيت عائلات أخرى في مصر، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى الانتقال إلى خيارات تعليمية مختلفة.
وجعل هذا التغير بعض الأسر تبدأ العام الدراسي من نقطة مختلفة تماما فبدلا من الاستمرار في المدرسة السورية التي اعتاد عليها الطفل، أصبح عليها البحث عن مدرسة جديدة، ومعرفة شروط التسجيل فيها، وتأمين الرسوم إذا كانت مدرسة خاصة، ثم استكمال الأوراق المطلوبة للطالب الوافد.
وفي ظل استمرار تغيّر أعداد السوريين في مصر، تبدو خريطة التعليم نفسها في حالة تغيّر؛ إذ تُغلق مدارس كانت تستقبل أعدادا كبيرة من السوريين، بينما تنتقل عائلات أخرى إلى المدارس المصرية الخاصة أو تحاول استكمال إجراءات الالتحاق بالمدارس المتاحة لها. وبين هذه التحولات، يبقى ضمان استمرار الأطفال في التعليم واحدا من الملفات التي تحاول الأسر السورية التعامل معها، في مرحلة تتغير فيها ظروف الإقامة والاستقرار من عائلة إلى أخرى.