بعد نحو عقد من التوقف، عاد حقل كونيكو للغاز في ريف دير الزور إلى العمل تدريجياً، في خطوة تراهن عليها الحكومة السورية لزيادة إمدادات الغاز المخصصة لتوليد الكهرباء، وتقليل الاعتماد على استيراد المحروقات، ودعم النشاط الصناعي والاقتصادي.
وأعلنت الشركة السورية للبترول بدء تشغيل وحدة الإنتاج في حقل طابية كونيكو، بعد إعادة تأهيلها بجهود كوادر سورية، فيما دخل بئران من أصل خمسة آبار في الخدمة، بإنتاج يصل إلى نحو مليون ونصف مليون متر مكعب من الغاز يومياً.
ولا تقتصر أهمية عودة الحقل على كمية الإنتاج الحالية، إذ ترى الحكومة أن إعادة تشغيله تمثل بداية لاستعادة جزء من الخريطة الطاقية السورية، وفتح الطريق أمام إعادة تأهيل حقول أخرى، وصولاً إلى رفع الإنتاج المحلي من الغاز خلال السنوات المقبلة.
كونيكو يعود إلى العمل بعد عقد من التوقف
عاد حقل كونيكو إلى الإنتاج بعد سنوات طويلة من التوقف والدمار الذي طال أجزاء واسعة من منشآته خلال سنوات الحرب، وذلك بعد أعمال تأهيل نفذتها كوادر سورية خلال نحو ثلاثة أشهر.
وقال مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول محمد نور الأحدب، خلال مشاركته في برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، إن الإنتاج بدأ من بئرين من أصل خمسة آبار موجودة في الحقل.
وأوضح الأحدب أن الآبار الثلاثة المتبقية تعرضت لـ"تدمير كبير نتيجة أعمال تخريب خلال سنوات الثورة"، وتحتاج إلى عمليات إصلاح وتأهيل قبل إعادتها إلى الخدمة.
وبحسب المسؤول في الشركة، فإن استكمال تأهيل الآبار يمكن أن يرفع الإنتاج إلى ما بين مليون ومليون ونصف مليون متر مكعب إضافية يومياً، على أن تتبع ذلك مراحل أخرى تشمل تركيب ضواغط غازية لرفع القدرة الإنتاجية للحقل.
وتبلغ القدرة النظرية للحقل مستويات أعلى بكثير من الإنتاج الحالي، إلا أن تشغيله لا يزال جزئياً، إذ يعمل حالياً بنحو ثلثي قدرته التشغيلية، وفق الأحدب.
من بئرين إلى شبكة الكهرباء.. كيف يصل الغاز إلى السوريين؟
لا تتوقف أهمية إعادة تشغيل كونيكو عند استخراج الغاز، بل تمتد إلى إعادة تفعيل منظومة نقل الغاز وربط المنطقة الشرقية بشبكة الطاقة في وسط البلاد.
وقال الأحدب إن جزءاً كبيراً من البنية التحتية للحقل كان متهالكاً ومدمراً، معتبراً أن إعادة تشغيله خلال ثلاثة أشهر، وبالاعتماد على كوادر وشركات سورية، تمثل إنجازاً مهماً بالنظر إلى حجم الأضرار التي لحقت بالمنشأة.
وأشار إلى أن أعمال التأهيل شملت المعدات ولوحات التحكم والبنية التحتية اللازمة لبدء الإنتاج، مؤكداً أن العمل جرى حتى الآن بإدارة سورية كاملة، وبمشاركة مهندسين وفنيين وعمال وشركات محلية.
ولا تقتصر عملية إعادة التأهيل على الآبار، إذ شملت أيضاً ممرات نقل الغاز. وقال الأحدب إن الشركة أعادت تأهيل خط بقطر 18 إنشاً يمتد من حقل الطابية باتجاه منطقة تدمر، إضافة إلى استكمال نحو خمسة كيلومترات كانت مفقودة وإصلاح محطة للصمامات تعرضت للتدمير والسرقة.
وبحسب الأحدب، فإن إعادة تأهيل هذا الممر تعني عملياً إعادة وصل المنطقة الشرقية بشبكة الغاز في وسط سوريا، بما يسمح بنقل الإنتاج بعد معالجته إلى المنشآت الموجودة في المنطقة الوسطى.
وأوضح أن الغاز الخارج من الآبار يكون "غازاً طبيعياً رطباً" يحتوي على المياه والمكثفات الغازية، حيث تجري معالجته أولياً في موقع الحقل، قبل نقله إلى معامل المنطقة الوسطى في حمص لاستكمال عملية المعالجة واستخلاص الغاز المنزلي والمكثفات، بينما يتحول الجزء المتبقي إلى غاز جاف يمكن ضخه في شبكة النقل وتوجيهه إلى محطات توليد الكهرباء.
هل تكفي كميات كونيكو لزيادة ساعات الكهرباء؟
مع إنتاج يصل حالياً إلى نحو مليون ونصف مليون متر مكعب يومياً، تبدو مساهمة كونيكو محدودة مقارنة بحجم احتياجات سوريا من الغاز والكهرباء، لكنها قد تشكل خطوة أولى نحو زيادة الإنتاج المحلي خلال السنوات المقبلة.
وقال الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال سعيد، خلال مشاركته في برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، إن حقل كونيكو كان نظرياً قادراً على إنتاج نحو 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً عندما كانت جميع آباره تعمل بكامل طاقتها.
لكن سعيد أشار إلى أن جزءاً من الإنتاج كان يعاد ضخه في الآبار ضمن عمليات الاستخراج، موضحاً أن ما بين 30 و40% من الإنتاج كان يستخدم لهذا الغرض، وبالتالي لا يدخل بالكامل في الاستخدام النهائي.
ويرى الباحث الاقتصادي أن الإنتاج الحالي، رغم محدوديته، يمثل بداية جيدة، متوقعاً أن يستغرق الوصول إلى مستويات إنتاج أعلى فترة زمنية طويلة بسبب حالة الآبار بعد سنوات من التوقف.
ووفق تقديره، يمكن أن يرتفع إنتاج الحقل إلى نحو 3 أو 4 ملايين متر مكعب يومياً خلال سنة إلى سنتين، فيما قد يصل إلى نحو 7 ملايين متر مكعب يومياً خلال أربع إلى خمس سنوات في حال استكمال عمليات التأهيل والتطوير.
لكن سعيد يحذر من أن زيادة إنتاج الكهرباء لا تعتمد على توفر الغاز وحده، إذ تحتاج منظومة الكهرباء نفسها إلى إعادة تأهيل.
وأوضح أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لتحقيق الاستقرار في شبكات الكهرباء، قبل التركيز على زيادة ساعات التغذية، لأن عدم استقرار الشبكة قد يؤدي إلى خسارة قدرات توليد كبيرة حتى في حال توفر الوقود.
وأضاف أن خطوط التوتر العالي تعرضت للاهتلاك خلال سنوات الحرب، وبالتالي فإن زيادة إمدادات الغاز يجب أن تترافق مع إعادة تأهيل شبكة الكهرباء حتى يمكن الاستفادة منها بصورة مستقرة.
الصناعة والاستيراد.. الأثر الاقتصادي يتجاوز الكهرباء
لا يتوقع أن تكون استفادة المواطن من إعادة تشغيل كونيكو مباشرة وفورية فقط من خلال زيادة ساعات الكهرباء، بل قد تظهر آثارها بصورة أوسع مع استقرار منظومة الطاقة وعودة الإنتاج الصناعي.
وقال طلال سعيد إن توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج إلى توليد الكهرباء والقطاع الصناعي يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً أكبر، لأن استقرار الطاقة يسمح للمصانع والمعامل بالعمل بصورة أكثر انتظاماً.
وأوضح أن زيادة الإنتاج الصناعي تعني زيادة المعروض من السلع، وهو ما قد يساهم في خفض الأسعار، بالتزامن مع تقليص حاجة الدولة إلى استيراد الفيول والمحروقات لتوليد الطاقة.
ويرى سعيد أن تقليل فاتورة الاستيراد سينعكس على الميزان التجاري وسعر صرف الليرة، بما قد يحسن قيمة العملة بصورة غير مباشرة، وبالتالي يستفيد المواطن من انخفاض كلفة الإنتاج وتحسن توفر السلع والخدمات.
أما على المدى الأبعد، فمن المتوقع أن تنعكس زيادة إنتاج الكهرباء على الحياة اليومية للمواطنين من خلال زيادة ساعات التغذية وتقليل الاعتماد على البدائل المكلفة، مثل الاشتراك في مولدات الأمبيرات أو شراء الكهرباء من مصادر خاصة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في مرحلة إعادة الإعمار، إذ يشكل توفر الطاقة أحد الشروط الأساسية لإعادة تشغيل المصانع ومعامل الإسمنت والحديد وغيرها من القطاعات المرتبطة مباشرة بعملية البناء.
هل يقود كونيكو إلى اكتفاء سوريا من الغاز؟
رغم أهمية الخطوة، لا يبدو أن حقل كونيكو وحده قادراً على تحقيق اكتفاء سوريا من الغاز، إذ ترى الشركة السورية للبترول أن الوصول إلى هذا الهدف يحتاج إلى إعادة تشغيل حقول أخرى وتطوير عمليات الاستكشاف.
وقال محمد نور الأحدب إن كونيكو يمثل جزءاً من خطة أوسع، مؤكداً أن الشركة تعمل على إعادة تشغيل حقول أخرى بالتوازي، إلى جانب خطط للاستكشاف البحري.
وأوضح أن الاستكشاف البحري تحديداً يحتاج إلى خبرات وشركات أجنبية نظراً إلى طبيعة العمليات وتعقيدها، مع استمرار مشاركة الكوادر السورية فيها، بينما يمكن تشغيل بعض الحقول الحالية بالاعتماد على الخبرات المحلية عندما تكون الإمكانات الفنية متاحة.
من جهته، يرى الباحث الاقتصادي طلال سعيد أن إنتاج سوريا الحالي من الغاز يبلغ نحو 12 مليون متر مكعب يومياً، وهو ما يمكن أن يغطي نحو 3000 ميغاواط من الكهرباء، في حين تتجاوز حاجة البلاد 9000 ميغاواط.
وبحسب سعيد، تحتاج سوريا إلى ما بين 16 و18 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتغطية احتياجات توليد الكهرباء، ما يجعل تطوير كونيكو والحقول الأخرى ضرورة للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.
ويعتقد سعيد أن استمرار عمليات التأهيل والتوسع في الإنتاج يمكن أن يرفع إنتاج كونيكو إلى ما بين 4 و7 ملايين متر مكعب يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة، ما قد يسمح، إلى جانب الإنتاج الحالي من الحقول الأخرى، بتحقيق مستوى من الاكتفاء الذاتي.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة، وفق الباحث، يحتاج إلى "سنوات من العمل والصبر"، قبل أن تظهر نتائجه الكاملة على قطاع الكهرباء والاقتصاد.
في المقابل، تؤكد الشركة السورية للبترول أن نموذج إعادة تشغيل كونيكو لا يعني إغلاق الباب أمام الاستثمار الخارجي، وإنما يمثل محاولة للاستفادة أولاً من الإمكانات المحلية والأصول المتاحة.
ويقول الأحدب إن الشركة تعمل بالتوازي على مشاريع جديدة في المنطقة الوسطى، إلى جانب دراسة فرص استثمارية واستقطاب الاستثمارات، مع الحفاظ على أولوية الاستفادة من الكوادر والخبرات السورية.