بعد ست سنوات من تدخلها في سوريا.. إعادة الإعمار مأزق روسيا الحقيقي

تاريخ النشر: 12.10.2021 | 07:04 دمشق

 بعد ست سنوات حقق التدخل العسكري الروسي في سوريا الكثير من أهدافه، إلا أن روسيا مازالت بعيدة عن تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية استراتيجية من وراء تدخلها العسكري في نهاية سبتمبر/ أيلول 2015، مما يبقي أهدافها تراوح في منطقة ضبابية.

لا يمكن إنكار أن أول تدخل خارجي لروسيا الحديثة تمكن من قلب المعادلة الداخلية السورية، وأعاد خلط الأوراق في المعادلتين الإقليمية والدولية، وهمش دور الأمم المتحدة، وأفرغ جهود المبعوثين الدوليين من مضمونها بعد أن عطلها لسنوات، وقوض إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية، ومنع محاسبة النظام على الجرائم التي ارتكبها، ومكَّن موسكو من الإمساك بخيوط لعبة جمعت بين متناقضات كان الجميع يعتقد أنه من الصعب جمعها في يد طرف من الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية.

تكتيكات روسية ناجحة..

في المعادلة الداخلية السورية غير التدخل العسكري الروسي موازين القوى العسكرية لصالح جيش النظام، ولعب الطيران الروسي دوراً حاسماً في مخطط القضم التدريجي للمناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة، وتحول ما يسمى بـ "مركز المصالحة في حميميم"، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية للنظام، إلى غرفة عمليات لإخضاع المدن والبلدات التي بقيت خارج سيطرة النظام، لاسيما في أرياف دمشق ودرعا وحمص، باقتراح "مصالحات مع النظام" مقابل وقف القصف عليها وتخفيف الحصار عنها، وتحولت المصالحات إلى تهجير قسري صبّ في مخطط التغيير الديمغرافي لصالح النظام وحلفائه الإيرانيين. وعلى الصعيد السياسي استطاعت روسيا شق صفوف المعارضة السورية باستغلال خلافاتها السياسية والأيدلوجية، ودفعت نحو تشكيل منصات متصارعة سياسياً، دخل بعضها تحت المظلة الروسية. وعلى الضفة الأخرى أمسكت روسيا بناصية النظام، وحوَّلت بشار الأسد إلى موظف يأتمر بأوامر موسكو، ويستدعيه بوتين متى شاء سواء إلى موسكو أو إلى قاعدة حميميم في سوريا.

المعادلة الإقليمية شهدت أيضاً تغيرات وتحولات كبيرة بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، بوضع القوى الإقليمية الفاعلة في الملف السوري أمام حسابات معقدة، وفرض موسكو لنفسها كعقدة وصل في التوازنات بين تلك القوى واللعب على تناقضاتها في الوقت ذاته، فرغم الخلافات العميقة والمتشعبة مع تركيا عملت موسكو على تبريد الخلافات مع أنقرة في الكثير المحطات، واستغلت الخلافات بين السعودية والإمارات وتركيا للضغط على الأطراف الثلاثة، وبفعل تلك الضغوط، إلى جوانب عوامل أخرى، تقلص عملياً دور السعودية في الملف السوري، وأعادت الإمارات تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد وأخذت تنشط لإعادته إلى الجامعة العربية وتسويقه دولياً كأمر واقع.

وتخوض روسيا منافسة محمومة مع إيران لتحجيم نفوذها السياسي والاقتصادي وضبط الميليشيات التابعة لها. لكن كل ما سبق لم يقف حائلاً أمام تقديم تركيا وإيران إلى جانبها كدول ضامنة لـ"مسار أستانا". كما عززت موسكو علاقاتها الأمنية مع إسرائيل وأبقت على خط ساخن بين تل أبيب ومركز القيادة العسكرية الروسية في قاعدة حميميم، وتغاضت عن الضربات الجوية الإسرائيلية على قوات النظام والقوات الإيرانية والميليشيات التابعة لطهران، ولم يمنعها ذلك من الاستمرار في الحديث عن تحالف ثلاثي الأضلاع يجمعها مع إيران ونظام الأسد.

التفرد بالملف السوري..

دولياً؛ استغلت روسيا إحجام إدارة الرئيس الاسبق باراك أوباما عن الانخراط بثقل في الملف السوري، وعدم فاعلية بلدان الاتحاد الأوروبي، فتدخلت عسكريا في سوريا، وصارت تتصرف كطرف متفرد بالملف، يجب المرور من بوابته في كل ما يخص الملف السوري بدءاً من التسوية السياسية، وصولاً إلى جهود التهدئة وإيصال المساعدات الإنسانية للمهجرين السوريين.

وأفشلت روسيا مهام المبعوثين الدوليين إلى سوريا، ووقفت سداً أمام مسار جنيف لتسوية الأزمة السورية على أساس النقاط الست التي طرحها الأمين العام الأسبق وأول مبعوث دولي إلى سوريا كوفي عنان، لأنه كان مقدراً لخطة عنان أن تفضي إلى تحول سياسي في سوريا، وهذا ما رفضته موسكو على الدوام. وكثفت بعد تدخلها العسكري في سوريا جهودها لإجهاض أي دور للأمم المتحدة، وفرض مسار أستانا كبديل لمسار جنيف.

نقاط تكتيكية مهمة ربحتها موسكو، أظهرت براعة وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف في اشتقاق التكتيكات وتنفيذها، لكنها أظهرت لاحقاً أنه كلما استنفذت موسكو بنك أهدافها العسكرية وتكتيكاتها السياسية تقترب أكثر من مأزق عدم قدرتها على قطف ثمار سياسية واقتصادية استراتيجية من وراء تدخلها العسكري في سوريا، لأن تدخلها سرَّع من تحول البلاد إلى دولة فاشلة، نتيجة عنف النظام ومن خلفه روسيا وإيران، وتغييب مؤسسات الدولة وارتهان النظام لروسيا وإيران، وسطوة المرتزقة والميليشيات، والانهيار الاقتصادي. وكلها من صفات الدولة الفاشلة.

البحث عن مخرج..

خشية روسيا من أن ترتد مكاسبها التكتيكية إلى خسارة استراتيجية تدفعها نحو استعجال الوصول إلى صفقة مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تحت مسمى "تسوية سياسية للصراع في سوريا"، من دون أن تجد حتى الآن آذانا مصغية لدى واشنطن أو العواصم الأوروبية، ولن تجد طالما تسوق نفسها كطرف منتصر في سوريا من حقه أن يفرض شروطه، أو على الأقل أن تُقدم له مقايضة مجزية. فعندما تضع الحرب أوزارها لن يكون هناك منتصر في دولة فاشلة، خاصة أن إعادة بنائها رهن بمواقف الدول الغربية المصنفة روسياً في قائمة من هزمتهم في سوريا.

ولن تفيد موسكو النجاحات التكتيكية في التعمية على خطأ حسابتها على المستوى الاستراتيجي عندما اتخذت قرار التدخل العسكري في سوريا، واستخدام سياسة الأرض المحروقة ضد السوريين، في استنساخ لحرب بوتين على جمهورية الشيشان ذات الحكم الذاتي، حيث مسحت عن الوجود المعالم التاريخية للعاصمة غروزني، وأعاد بوتين بناء المدينة لإخفاء جريمته، لكن إعادة إعمار بلد مثل سوريا أكبر من قدرات روسيا وحلفائها.

هذا يذكرنا بجملة قالها جيمس كارفيل مسؤول الحملة الانتخابية للرئيس الأسبق بيل كلينتون في مواجهة بوش الأب "إنه الاقتصاد يا غبي"، وبإسقاطها على المأزق الروسي في سوريا يمكن تحوير تلك المقولة "إنها إعادة الإعمار يا غبي"، فمهندسو السياسة الروسية لم يضعوا في حساباتهم أن استخدام جبروت ترسانتهم العسكرية في التدمير هزيمة لهم على المستوى الاستراتيجي، لأن من يستطيع إعادة الإعمار هو الرابح الأكبر في النهاية، وبالطبع روسيا خارج كل الحساب لأنها أضعف من تحمل على كاهلها، أو قيادة، مشروع لإعادة بناء ما دمرته هي ومرتزقتها بالتحالف مع جيش نظام الأسد والميليشيات الطائفية الإيرانية.