بعد داعش والنظام… سقوط "قسد" في حلب يفتح فصلًا جديدًا في شمال وشرق سوريا

2026.01.27 | 12:53 دمشق

آخر تحديث: 27.01.2026 | 12:53 دمشق

54525
+A
حجم الخط
-A

شهدت مدينة حلب تحوّلًا استراتيجيًا مع تحرير أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، آخر معاقل ميليشيا «قسد»، بعد سنوات من الحصار والقنص الذي أودى بحياة العشرات من الشهداء على جبهة الكاستيلو بين عامي 2012 و2016.

وقد شكّلت هذه الأحياء ثغرة أمنية استخدمتها «قسد» كمنصة ضغط سياسي وعسكري، ووسيلة ابتزاز مستمرة لأهالي المدينة. وما سقوطها اليوم إلا ضربة قوية تهدّد مشروع الميليشيا في كامل شمال وشرق سوريا.

نجاح الاستراتيجية العسكرية

نجح الجيش السوري في تحقيق أهدافه بدقة وفاعلية عبر عمليات محدودة ومدروسة، استهدفت المواقع الحساسة بعناية، مع انضباط عالٍ واحترافية واضحة من القادة والعناصر. ومع تحرير الأحياء، بدأت إزالة السواتر وتسوية الطرق الحيوية، مثل طريق الكاستيلو – دوّار الليرمون، لإعادة فتحها أمام المدنيين واستعادة الحياة الطبيعية، ما يعكس قدرة الدولة على الحسم عند الحاجة وبأقل كلفة ممكنة.

هجمات مستمرة تكشف هشاشة «قسد»

لم تتوقف الميليشيا عن أعمال العنف، إذ استهدفت الأحياء السكنية بطائرات مسيّرة إيرانية الصنع، انطلقت من محيط دير حافر، ضمن سلسلة هجمات متكررة خلال الأيام الماضية. وقد كشف ذلك هشاشتها وانكشاف نقاط ضعفها، فيما بدأت آثار الهزيمة بالانتشار في مناطق الجزيرة وشرق الفرات، ما يزيد من حالة الإحباط داخل صفوف قيادات «قسد» ومؤيديها.

توسّع السيطرة إلى الريف الشرقي والمفاصل الاستراتيجية

تتقدّم القوات السورية في ريف حلب الشرقي وصولًا إلى محيط مدينة الطبقة عبر ثلاثة محاور رئيسية، بالتوازي مع نشاط العشائر العربية في ريف دير الزور الشرقي ومناطق الجزيرة. ويشمل ذلك السيطرة على بلدات استراتيجية وحقول نفطية مهمّة، وصولًا إلى مشارف الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة. وفي هذا السياق، شهدت المعارك الأخيرة السيطرة على السدود الرئيسية، مثل سد الفرات، وسد تشرين، وسد قره قوزاق، التي تمثّل الرئة المائية والكهربائية لسوريا، وتربط الجزيرة بمحيطها السوري، بما يضمن الاستقرار الاستراتيجي ويقطع الطريق أمام أي محاولات ابتزاز أو تقسيم.

الحسم قادم في الجزيرة والحسكة

تعكس سيطرة الجيش على مدينة الطبقة وفتح الطرق أمام المدنيين، بعد سنوات من القهر والحرمان، تحوّلًا جذريًا في موازين القوة شمال وشرق سوريا. ومع فرض السيطرة على طرق الإمداد بين شرق سوريا والحدود العراقية، وامتداد النفوذ نحو السدود الاستراتيجية، يقترب الجيش من مشارف الحسكة، لتكون الساعات المقبلة حاسمة في تحديد النفوذ والسيطرة، وتهيئة المرحلة التالية لرسم خريطة النفوذ الجديدة على امتداد الجزيرة السورية.

هل تحمل الساعات القادمة حسمًا عسكريًا كاملًا في الحسكة؟

يشير الواقع إلى أن ما يجري ليس معركة تقليدية، بل مرحلة كسر توازنات استمرّت سنوات. فـ«قسد» لم تعد تتمتّع بالقوة السياسية السابقة، في حين تتحرّك الدولة السورية عبر ثلاثة مسارات متوازية:

  • عسكريًا: من خلال التمركز حول المدن والعُقَد الاستراتيجية.

  • أمنيًا: عبر استعادة مفاصل حساسة.

  • سياسيًا: بترك باب «التسوية والدمج» مفتوحًا بدل الاقتحام الشامل.

ويدلّ ذلك على أن الهدف لا يقتصر على معركة مدينة بعينها، بل يتجاوزها إلى إعادة هندسة السيطرة شرق الفرات بالكامل. أمّا الحسكة نفسها، فالأرجح هو تآكل تدريجي لنفوذ «قسد» داخل المدينة عبر الضغط والتطويق والتفاهمات، لا مشهد سقوط خاطف كما يتخيّله البعض، ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية والحسم في تحديد موازين القوة في شمال وشرق سوريا، وربط الجزيرة ببقية الأراضي السورية بصورة كاملة.