تكاد بيوت دمشق القديمة تصرخ: "أنقذوني"!. هكذا يخيل للزائر وهو يلجأ إلى أمه الحنون داخل السور، أملاً في الحصول على الطاقة الإيجابية وراحة البال. لكنه يُفاجأ بأن والدته شاخت، وأصبح الكثير من بيوتها، مسنوداً بقضبان حديدية تشبه العكّازات خشية السقوط.
هل يمكن الأخذ بيد الجدران، والتربيتُ على أكتاف البيوت، حتى ترتفع معنوياتها وتنهض لتتابع مهمتها في مقاومة الزمن؟ هل يكفيها أن نقرأ على مسامعها يومياً، جميع ما كتبه سعيد عقل ونزار قباني، حتى تشعر بالتحسن قليلاً؟. أم أن تلك الأجساد المتهالكة تحتاج إلى "كورسات" من الفيتامينات والدعم القانوني والمادي والثقافي؟.
الستائر المهترئة على بعض النوافذ، تؤكد أن السكان هجروها، خشية الانهيار المفاجىء. فكيف يمكن حماية أقدم عاصمة بالتاريخ، بحيث تواكب الحداثة، من دون أن تفقد الهوية؟.
آذار.. أقسى الشهور على الشام القديمة
تبعاً للأخبار التي نشرها الدفاع المدني السوري وفرق الإنقاذ، فقد كان شهر مارس/ آذار هو الأقسى على تلك البيوت، بسبب العواصف المطرية الغزيرة والمنخفضات الجوية المتتالية، حيث سجلت عدة انهيارات منها:
انهيار غرفة داخل منزل قديم، بحي الشاغور، تسبب بوفاة أب مع ابنه تحت الأنقاض. وفي حي العمارة والمناخلية، حصلت عدة انهيارات اقتصرت أضرارها على الماديات. وتكرر الأمر في ساروجة أيضاً، ما دفع كثيرين للتساؤل عما يمكن أن يحصل، إذا أُصبنا بموجة ثلوج طويلة تشبه "ثلوج الأربعين" التي أخبرنا عنها الأجداد؟.
يتخيل المرء، أن دقّاقات المنازل المصنوعة على شكل أيدٍ معلقةٍ منتصف كل باب، تطرق فكره مباشرة لتعاتبه مطالبةً بالحل.
دمشق القديمة من الناحية القانونية
تخضع دمشق القديمة قانونياً، للمرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 وتعديلاته، وبموجبه تُعتبر المباني التاريخية التي مر عليها أكثر من 200 عام "آثاراً ثابتة" يُمنع منعاً باتاً هدم أو إزالة أي جزء منها، دون موافقة مسبقة من المديرية العامة للآثار والمتاحف. كما يفرض المرسوم عقوبات بالحبس والغرامة على كل من يُلحق ضرراً أو يقوم بترميم الأثر دون ترخيص.
وتخضع المدينة القديمة، لنظام "ضابطة بناء" تشرف عليه مديرية دمشق القديمة التابعة لمحافظة دمشق. وتُصنف وفقه الأبنية بناء على درجة "الحفاظ" التي تحدد ما يُسمح به من أعمال صيانة أو ترميم.
كما تُفرض قيود معمارية في الترميم، تمنع استخدام مواد بناء حديثة "مثل الإسمنت المسلح الظاهر" في الواجهات أو داخل البيوت، ويُشترط استخدام المواد التقليدية مثل اللبن والخشب والحجر.
أما بالنسبة لتغيير وظيفة المكان، عبر تحويل البيوت إلى مطاعم أو فنادق، فيتطلب تراخيص خاصة تضمن الحفاظ على "أرض الديار" والبحرة والنقوش الخشبية والمعدنية.
يضاف إلى ذلك، وجود دمشق القديمة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1979، وهو ما يعني أن أية عمليات هدم أو تغيير واسع النطاق، قد تؤدي لسحب هذا التصنيف العالمي.
لماذا لا يرمم السكان منازلهم القديمة؟
يقول الباحث التاريخي الدكتور عبد الوهاب أبو صالح، إن كلفة الترميم مرتبطة بالوضع الاقتصادي للمواطن، ومدى قدرته على الالتزام بنصوص القوانين التي تجبره على استخدام المواد الأصلية في الترميم، ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: "الترميم يتطلب موافقات من المديرية العامة للآثار، ويتم تحت إشرافها، ويشترط الالتزام باستخدام نفس المواد التي بُني بها البيت الأصلي، مثل الخشب واللبن المصنوع من التراب، والأحجار بألوانها وأنواعها المختلفة".
ورغم أن الحصول على مواد بناء البيت الأصلي نفسها، مثل الخشب والتراب المناسب لصناعة "اللبن" والأحجار، لا يعتبر صعباً لأنها من منتجات البيئة السورية، لكن العثور على بنّائين مختصين يعرفون تنفيذ الأساليب القديمة في بناء الجدران والسقوف، ربما يشكل عقبةً في البداية، بسبب قلة توفر الخبراء.
هل نرمم البيت القديم أم نبني مكانه شقة حديثة؟
يحسب كثير من الناس تلك المسألة، من باب الجدوى الاقتصادية، رغم وجود القوانين الحاسمة التي تلزم بترميمٍ يعيد البناء القديم لسابق عهده، بنفس المواد ونفس الشكل وحتى نفس الطلاء.
وغالباً ما يفضل العديد من القاطنين، إشادة بيت حديث يدخل في بنائه الإسمنت والحديد بشكل أساسي، محاولين الوصول لذلك مداورةً عبر الالتفاف على القوانين بطريقة ما، وهو ما يفسر وجود مخالفات البناء في الشام القديمة.
كما تقف قضية إفراز البيت، ووجود كثير من الورثة في قائمة ملكية العقار، عقبةً أمام تنفيذ الترميم، لأنها تتطلب موافقة جميع الأشخاص، ما يدفع المالكين في كثير من الحالات، إلى بيعه لمستثمر يحوله إلى مطعم أو مقهى أو فندق.
لكن وجود البيت المتهالك والمهدد بالانهيار، في الطابق الثاني من البناء، يزيد الأمر تعقيداً، باعتبار أن ترميمه، مرتبط بترميمٍ لا بد أن يُجرى في الطابق الأرضي، ما يجعل المسألة تتشعب وتزيد كلفتها المالية، عدا كثرة الأسر والأشخاص الذين لا بد من الحصول على موافقتهم قبل الشروع بذلك.
ما يؤكد ذلك، أن معظم البيوت المتهالكة والمهجورة، تتركز في الطابق الثاني من أبنية الشام القديمة، ما يجعل المالكين يفضلون الانتظار حتى ينهار البناء تلقائياً، بعامل الزمن والظروف الجوية، ليشرعوا بعدها بالبحث عن حل إما عبر تسليمه لمستثمر، أو عبر إشادة بناء حديث بالاتفاق مع الجيران وبقية المالكين.
تأثير العامل الثقافي والوعي التاريخي بالمكان
تحتاج دمشق القديمة، إلى كثير من الوعي بأهمية المكان جمالياً وتاريخياً. فرغم تغنّي جميع الناس بمعالم الحارات والبيوت داخل السور، فإن تنفيذ ذلك على الأرض لا يحضر بشكل عملي، خاصة إذا تحدثنا عن شكل الجدران الخارجية للبيوت، التي لا يحتاج ترميمها إلى كثير من المال والجهد والموافقات. إذ تظهر فيها تهدمات مهملة لا تتم معالجتها، ما يجعلها تتفاقم مع الزمن وتنتشر لتشكل خطراً على البناء ككل.
الشام القديمة، تحتاج اليوم إلى حملات توعية حتى على صعيد نظافة الطرق ومنع انتشار النفايات في الأزقة الضيقة بشكل يسيء للمكان. عدا قيام كثيرين باستبدال أبواب المنازل القديمة بأبواب حديثة، غافلين عن أهمية النقوش والعلامات التي تحملها الأبواب والتي يرتبط بعضها بحضارات ما قبل الميلاد، مثل النقوش الموجودة على دقّاقات المنازل، حيث تظهر زهرة البابونج التي ترمز للآلهة عشتار إلى جانب رسوم تشير لإله الشمس، وهو ما جعل دقاقات المنازل تتعرض للسرقة بهدف الاتجار، ومرات أخرى قام الساكنون بدهن الباب والدقّاقة، غير مدركين أنهم يطمسون نقوشاً وعلامات تعود لفترات موغلة في التاريخ.
البيت السوري الدمشقي.. نظرة تاريخية
تبعاً للخبراء والموسوعات التاريخية، فإن تاريخ البيت السوري الدمشقي القديم، يعود للألف الأول قبل الميلاد، وقد سمّاه أحد المستشرقين بـ"النواة الذهبية في غلاف من الطين"، أما ابن عساكر فقال إن دمشق هي "إرم ذات العماد" أو "جنة الأرض".
واستناداً إلى تاريخها الموغل في القدم، فإن البيت الدمشقي، يبدو مرتبطاً بالبيئة السورية، أكثر من صفة "البيت العربي" التي يحملها كعبارة شائعة بين الناس، فهو يحمل معالم ونقوشاً تعود إلى العصور الآرامية واليونانية والرومانية ولاحقاً الإسلامية، حيث ظهرت في هذه المنطقة، أولى ملامح التخطيط العمراني.
هل تكتفي الشام القديمة، بمعلقات المديح التي تلقى على مسامعها يومياً؟ وهل تنقذها قصائد سعيد عقل ونزار قباني، من دون إجراءات تدعم جسد المدينة المتهالك، بفيتامينات تساعده على مقاومة الزمن؟
والأهم، هل تعلم الإدارات والناس تلك الحقائق وتعمل من أجلها فعلياً؟!




