icon
التغطية الحية

بعد اكتمال مجلس الشعب.. 10 قوانين ينتظرها السوريون؟

2026.07.12 | 09:09 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.12 | 09:12 دمشق

مجلس الشعب السوري
مجلس الشعب السوري في العاصمة دمشق
تلفزيون سوريا ـ سعيد اليوسف
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تشكيل مجلس الشعب السوري يمثل خطوة انتقالية هامة بعد إلغاء دستور 2012، حيث يضطلع المجلس بمهام تشريعية تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة.

- يواجه المجلس تحديات في تطبيق العدالة الانتقالية، بما في ذلك إنصاف الضحايا وإلغاء القوانين الاستثنائية، ويتطلب ذلك قوانين تفصيلية وآليات لحماية الضحايا والشهود لضمان عدم تحول العدالة إلى أداة انتقام.

- الإصلاحات السياسية والاقتصادية تشمل قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات والإدارة المحلية والخدمة المدنية والاستثمار والإعلام، بهدف بناء دولة مؤسسات تُحكم بقواعد واضحة وتُحمى فيها الحقوق والحريات.

مع اكتمال نصاب مجلس الشعب السوري، بعد تسمية الرئيس أحمد الشرع الأعضاء الـ70 المكمّلين للمجلس، وتحديد يوم الأحد 12 تموز 2026 موعداً لأول جلسة، تدخل سوريا اختباراً سياسياً وتشريعياً جديداً يتجاوز شكل المجلس وتركيبته ليصل إلى طبيعة الدور الذي سيؤديه في المرحلة المقبلة.

ويأتي هذا المجلس في سياق غير اعتيادي، بوصفه مؤسسة انتقالية تأسيسية تشكّلت بعد حلّ المجلس السابق وإلغاء "دستور 2012"، وفي ظل إعلان دستوري مؤقت صدر في 13 آذار 2025، وضع المرحلة الانتقالية على مسار يمتد لخمس سنوات تنتهي بإقرار دستور دائم وتنظيم انتخابات عامة وفقاً له.

وبموجب هذا الإطار، يتولّى مجلس الشعب ممارسة السلطة التشريعية خلال المرحلة الانتقالية، مع صلاحيات تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات السابقة أو إلغائها، إضافة إلى المصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة، والعفو العام.

وتبقى تركيبة المجلس جزءاً من النقاش العام حول طبيعة التمثيل وآليات تشكيله، إذ يتألف من 210 أعضاء، يُنتخب ثلثاهم عبر هيئات ناخبة محلية بصورة غير مباشرة، بينما يعيّن رئيس الجمهورية الثلث الأخير، أي 70 عضواً.

وقد جرت الجولة الأساسية من الانتخابات في معظم المحافظات السورية، بتاريخ 5 تشرين الأول 2025، لكنّها استثنت دوائر في الحسكة والرقة والسويداء وعين العرب في ريف حلب، قبل أن تُستكمل لاحقاً على مراحل، في حين بقيت مقاعد السويداء "الثلاثة"، خارج الاكتمال الانتخابي حتى الآن.

وبذلك يبدو المجلس مكتمل العدد من حيث التكوين السياسي بعد إعلان الثلث الرئاسي، غير أن اكتماله الشكلي لا يُنهي الأسئلة المرتبطة بوظيفته الفعلية، ولا يبدّد الاختبار الأعمق الذي يواجهه: هل يستطيع أن يتحوّل من مؤسسة انتقالية تشكّلت عبر ترتيبات مرحلية وجزئية، إلى سلطة تشريعية قادرة على إنتاج قواعد جديدة للدولة؟

ويكتسب هذا السؤال وزناً إضافياً، لأنّ الإعلان الدستوري وضع عناوين واسعة للمرحلة الانتقالية، تشمل: العدالة الانتقالية، إلغاء القوانين الاستثنائية، تجريم تمجيد نظام الأسد، صون الحقوق والحريات، تنظيم العمل الحزبي، ضمان حرية الإعلام، حماية الملكية والأموال العامة، تشجيع الاستثمار، مكافحة الفساد، تعزيز استقلال القضاء..إلخ، غير أن هذه العناوين تبقى في حاجة إلى تشريعات تفصيلية تنقلها من مستوى المبادئ العامة إلى أدوات تنفيذية قابلة للتطبيق.

اقرأ أيضاً.. هل ينجح مجلس الشعب في ترسيخ استقلاليته عن السلطة التنفيذية؟

من هنا، تتقدم نوعية القوانين على كثرتها في تحديد أولويات المرحلة، إذ يُنتظر أن تنقل البلاد من إدارة انتقالية تعتمد على "المراسيم والقرارات الرئاسية" إلى دولة مؤسسات تُحكم بقواعد واضحة، وتخضع فيها السلطة للمساءلة، وتصبح الحقوق والحريات محمية بموجب القانون وقابلة للإنفاذ أمام القضاء.

  • العدالة الانتقالية.. القانون الذي ينتظره الضحايا

تبدو العدالة الانتقالية من أكثر الملفات التصاقاً بذاكرة السوريين وجراحهم المفتوحة، وقد منحها الإعلان الدستوري موقعاً مركزياً، إذ تحدث عن إنصاف الضحايا، ونص على إلغاء القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالسوريين، وإلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة، إضافة إلى إحداث هيئة للعدالة الانتقالية تعتمد آليات تشاركية ترتكز على الضحايا، وتعمل على المساءلة، وضمان الحق في معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا والناجين.

وقد خُطت خطوة أولى عبر إحداث الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب "المرسوم رقم 20 لعام 2025"، ثم تشكيل لجنتها بموجب "المرسوم رقم 149 لعام 2025"، غير أن وجود الهيئة ولجنتها لا يكفي وحده لإتمام مسار العدالة الانتقالية.

ويبقى القانون الشامل ضرورياً لتحديد قواعد جمع الشهادات، وآليات الوصول إلى الأرشيف، وضمان حماية الضحايا والشهود، وتنظيم العلاقة بين الهيئة والسلطة القضائية، إلى جانب وضع إطار واضح للتعويض وردّ الاعتبار، بما يمنع بقاء العدالة الانتقالية في مستوى العناوين العامة من دون أدوات تنفيذية واضحة.

  • تجريم رموز النظام المخلوع.. من النص الدستوري إلى القانون التفصيلي

لم يترك الإعلان الدستوري مسألة "تمجيد نظام الأسد" خارج الإطار الانتقالي، إذ نص على أن الدولة تجرّم تمجيد نظام الأسد ورموزه، وأن إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها يُعد جرائم يعاقب عليها القانون، كما استثنى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وكل الجرائم المرتكبة من النظام المخلوع من مبدأ عدم رجعية القوانين.

غير أن هذا النص، على أهميته، يحتاج إلى قانون تفصيلي يحدّد بدقة نطاق التجريم، والأفعال المشمولة به، والعقوبات، والجهة المختصة بالملاحقة، إضافة إلى الضمانات التي تمنع تحوّله إلى أداة انتقام سياسي أو اجتماعي.

وفي هذا السياق، كشفت وزارة العدل عن إعداد مشروع قانون يهدف إلى تجريم إنكار جرائم النظام المخلوع وتمجيدها، بما يضع هذا الملف في مسار تشريعي واضح يمهّد لتحويل النص الدستوري إلى إطار قانوني قابل للتطبيق.

والقانون المنتظر ينبغي -وفق حقوقيين سوريين- أن يميّز بين المحاسبة على الجرائم والانتهاكات، وبين الانتماء الاجتماعي أو الوظيفي أو المناطقي، وأن يؤسس للمسؤولية على الأفعال والأدلة والأدوار الفعلية في التخطيط والتنفيذ والتحريض والتغطية والتبرير، مع توضيح الفارق بين البحث التاريخي أو الرأي السياسي، وبين التبرير العلني للجرائم أو التحريض على الضحايا.

وتزداد أهمية هذه الضمانات، لأنّ الإعلان الدستوري نفسه أكّد على مبدأ شخصية العقوبة، وعلى أنّه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ومن دون هذه الضمانات، قد يتحوّل مسار العدالة إلى عقاب جماعي يهدّد السلم الأهلي ويضعف فكرة العدالة ذاتها.

  • قانون الأحزاب.. السياسة تحتاج قواعد جديدة

بعد اندلاع الثورة السورية، صدر "قانون الأحزاب رقم 100 لعام 2011" في سياق سياسي اتسم بإعادة ضبط المجال العام أكثر من توسيع التعددية السياسية، ضمن بيئة كانت فيها المشاركة الحزبية محدودة والهامش السياسي خاضعاً لاعتبارات أمنية وإدارية صارمة.

ومع التحوّلات التي أعقبت الثورة وما رافقها من إعادة طرح لمسألة التعددية السياسية، برز هذا القانون بوصفه أحد أبرز النصوص، التي يجري إعادة تقييمها في المرحلة الانتقالية، خصوصاً في ظل ما نصّ عليه الإعلان الدستوري من ضمان حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفق قانون جديد يعيد تنظيم هذا الحق.

اقرأ أيضاً.. الأحزاب السورية من النشوء إلى الثورة: البُنى والتحولات والمصير

والقانون المنتظر -وفق حقوقيين سوريين- يُفترض أن يعيد تعريف العمل الحزبي بوصفه حقاً سياسياً منظماً، لا امتيازاً إدارياً يخضع لمنطق الترخيص الأمني، مع الانتقال إلى آلية تأسيس تقوم على الإخطار أو الترخيص القضائي المحدود، بما يحدّ من الطابع الأمني الذي حكم المجال الحزبي سابقاً.

كذلك، يُنتظر أن يضع القانون قواعد واضحة لشفافية التمويل السياسي، ومنع تشكل نفوذ غير معلن داخل الأحزاب، وحظر الارتباط بأي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص في الوصول إلى الإعلام والفضاء العام بين القوى السياسية المختلفة.

ويُعد تنظيم العلاقة مع الخارج أحد أكثر الملفات حساسية، إذ يُتوقع أن يتضمن ضوابط تمنع التمويل أو الارتباط الخارجي غير المعلن، مع الحفاظ على استقلال القرار السياسي الداخلي، على أن يرسخ مبدأ أن حل الأحزاب أو تعليق عملها لا يكون إلا بقرار قضائي، بما يمنع استخدام السلطة الإدارية أو الأمنية كأداة لضبط الحياة الحزبية.

  • الانتخابات.. من نظام مؤقت إلى قانون دائم

تشكّل المجلس الحالي وفق نظام انتخابي مؤقت (المرسوم رقم 143 لعام 2025)، لم يعتمد الاقتراع الشعبي المباشر، بل قام على هيئات ناخبة محلية اختارت ثلثي الأعضاء، فيما عُيّن الثلث الأخير بقرار رئاسي، وقد نص الإعلان الدستوري على هذه الصيغة بوصفها ترتيباً انتقالياً، وربط استمراريتها بانتهاء المرحلة الانتقالية عبر إقرار دستور دائم وتنظيم انتخابات عامة وفقاً له.

وعليه، فإن هذا النظام لا يمكن أن يشكّل بديلاً دائماً عن قانون انتخابي شامل، فالقانون المطلوب يُفترض أن يحدّد طبيعة المنافسة السياسية: هل تُعتمد النسبية أم النظام الأكثري؟ كيف تُرسم الدوائر الانتخابية؟ كيف يُنظّم تصويت اللاجئين والمهجرين؟ كيف يُضمن تمثيل النساء؟ وكيف تُصان العملية الانتخابية من المال السياسي والنفوذ المحلي والسلاح، مع ضمان استقلال الإدارة المشرفة عليها؟

وبحسب سياسيين وحقوقيين سوريين، فإنّ أي قانون جديد ينبغي أن يتجاوز إرث "قانون الانتخابات العامة رقم 5 لعام 2014"، الذي وُضع في سياق لم يكن يسمح بتداول السلطة أو بمنافسة انتخابية حقيقية.

  • الإدارة المحلية.. اللامركزية بين النص والتطبيق

لا يتضمن الإعلان الدستوري إحالة مباشرة إلى قانون جديد للإدارة المحلية، غير أنه وضع مبادئ عامة تجعل هذا الملف حاضراً بقوة، خاصّةً فيما يتعلق بوحدة الأرض السورية، والتعايش والاستقرار المجتمعي، وحفظ السلم الأهلي، وكفالة التنوع الثقافي والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين، إضافة إلى مبادئ الحكم الرشيد وإدارة الموارد العامة بفعالية وشفافية.

وما يزال "قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011" يشكّل الإطار الناظم الأساسي لهذا الملف، رغم صدوره في سياق سابق، وفي آذار 2026، بدأت وزارة الإدارة المحلية والبيئة مراجعة القانون بهدف معالجة تداخل الصلاحيات ونقص الموارد.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل تفاوت اكتمال التمثيل بين المحافظات داخل مجلس الشعب، إذ دخلت بعض المناطق متأخرة أو بقيت خارج المسار الانتخابي، كما في السويداء، لذلك، تُطرح اللامركزية هنا بوصفها أكثر من ملف إداري، إذ تمثل مدخلاً سياسياً لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي على أساس المشاركة لا التبعية.

  • الخدمة المدنية.. إصلاح الدولة من داخل الإدارة

لا يذكر الإعلان الدستوري "الخدمة المدنية" بالاسم بشكل مباشر، غير أنه يتضمن منظومة من القواعد التي تمس جوهر هذا الملف، مثل المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والحق في العمل، وإعادة بناء المؤسسات العامة، وتعزيز سيادة القانون والحكم الرشيد.

وفي تشرين الأوّل 2025، نشرت وزارة التنمية الإدارية مشروع "قانون الخدمة المدنية" الجديد، ما فتح نقاشاً واسعاً حول شكل الإدارة العامة في سوريا الجديدة، ومصير الموظفين، ومعايير الكفاءة، وآليات معالجة المحسوبيات والولاءات التي تراكمت في مؤسسات الدولة خلال المرحلة السابقة.

أمّا القانون المنتظر، فيُفترض أن يحقق توازناً دقيقاً بين إصلاح الجهاز الإداري وضمان حقوق الموظفين، عبر إنهاء المحسوبيات دون أن يتحول الإصلاح إلى أداة إقصاء جماعي أو تسريح غير منضبط، كما يُنتظر أن يرسخ مبدأ الكفاءة بوصفه معياراً أساسياً، وأن يضع نظاماً واضحاً للتقييم والمساءلة والترفيع والأجور، بعيداً عن الولاءات السياسية أو القرب من مراكز النفوذ.

  • الاستثمار.. الاقتصاد يحتاج قانون ثقة

يضع الإعلان الدستوري أساساً اقتصادياً عاماً حين ينص على مبادئ المنافسة الحرة العادلة، ومنع الاحتكار، وتشجيع الاستثمار، وحماية المستثمرين في بيئة قانونية جاذبة، إضافة إلى حماية الملكية الخاصة وصون الأموال العامة والثروات الطبيعية.

وفي حزيران 2025، صدر "المرسوم رقم 114" القاضي بإحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي تسمى "صندوق التنمية"، وتعديل بعض مواد "قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021".

ورغم أهمية هذا التعديل، فإنّ سوريا الخارجة من الحرب تحتاج إلى إطار أشمل يضمن وضوح إجراءات التراخيص، واستقرار العقود، ونشر العقود الكبرى التي تمس المال العام أو الموارد العامة، إلى جانب وضع قواعد صارمة لتضارب المصالح ومنع الاحتكار.

وبحسب اقتصاديين سوريين، فإنّ أي قانون للاستثمار لن يكون كافياً من دون بيئة قانونية متكاملة تقوم على قضاء مستقل، وإدارة شفافة، وسجل عقاري موثوق، وآليات واضحة لحل النزاعات، إذ إن الثقة الاقتصادية تُبنى ضمن منظومة قانونية يلمس فيها المستثمر والمواطن أن القانون يسمو على النفوذ ويعلو عليه.

  • استرداد الأموال العامة.. العدالة الاقتصادية للدولة والضحايا

يرتبط استرداد الأموال العامة بالعدالة وإعادة الإعمار وتعويض الضحايا، وقد أشار الإعلان الدستوري إلى هذا الملف من أكثر من زاوية، من بينها مكافحة الفساد، وصون الأموال العامة، وإدارة الموارد العامة بشفافية، إلى جانب إعادة الاعتبار للممتلكات المصادرة بموجب أحكام محكمة الإرهاب ضمن مسار العدالة الانتقالية.

وخلال عام 2025، أُحدثت "اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع"، ثم أُطلق برنامج الإفصاح الطوعي، بالتوازي مع تصاعد النقاشات حول الأموال المنهوبة والأصول الاقتصادية وقرارات الحجز الاحتياطي التي صدرت في عهد النظام السابق.

غير أن هذه الخطوات -على أهميتها- تحتاج إلى قانون واضح لاسترداد الأموال العامة والمنهوبة، يحدد تعريف المال غير المشروع، وإجراءات التجميد والمصادرة، وضمانات الاعتراض، وآليات التعاون الدولي، إضافة إلى طريقة إدارة الأصول المستردة. لأنّه من دون ضمانات قضائية قد تتحوّل مكافحة الفساد إلى أداة انتقائية، وبدون شفافية قد تنتقل الأموال من شبكات قديمة إلى شبكات جديدة.

  • الإعلام.. حرية الصحافة بين النصوص والواقع

كفل الإعلان الدستوري حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، وصان حرمة الحياة الخاصة، وربط هذه الحقوق بمعاهدات ومواثيق دولية صادقت عليها سوريا، غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع عملي يتطلب قانون إعلام جديداً يتجاوز "قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011"، الذي صدر في سياق سابق ولم يمنع عملياً التضييق على الصحافة أو الملاحقة بسبب النشر.

غير أنّ هذا الإطار القانوني لم يكن معزولاً، إذ تداخل مع منظومة أوسع من التشريعات التي أثّرت في الفضاء الإعلامي بشكل غير مباشر، من بينها "قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022"، إلى جانب أحكام في قانون العقوبات استُخدمت في قضايا متصلة بالنشر والمحتوى الإعلامي.

وبرزت في المرحلة الجديدة "مدونة السلوك الإعلامي" الصادرة عن وزارة الإعلام، كمحاولة لإعادة تنظيم البيئة الإعلامية من زاوية مهنية وأخلاقية، غير أن هذه الخطوة فتحت بدورها نقاشاً حول حدود التنظيم، وإمكانية أن تتحول إلى أداة ضبط إضافية، ما لم تقترن بضمانات واضحة لحرية الوصول إلى المعلومات واستقلالية العمل الصحفي.

في هذا السياق، يُفترض أن يرسّخ القانون المنتظر حق الوصول إلى المعلومات، ويضمن سرية المصادر، ويحمي الصحفيين من التهديد أو التوقيف بسبب النشر، إلى جانب تنظيم ملكية وسائل الإعلام وتمويلها بشفافية، وإنشاء هيئة مستقلة للإعلام لا تخضع لمنطق الرقابة الأمنية أو الإدارية.

كذلك، يُعدّ تكريس حق الرد والتصحيح عبر القضاء المدني، بدلاً من العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، من أبرز الضمانات الكفيلة بتحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، دون المساس بجوهر حرية الصحافة.

  • استقلال القضاء.. الضمانة الأخيرة لكل القوانين

كل القوانين السابقة تحتاج إلى قضاء مستقل كي لا تبقى نصوصاً معلّقة. وقد نص الإعلان الدستوري مباشرة على استقلال السلطة القضائية، وعلى أن القضاة لا سلطان عليهم إلا للقانون، وعلى دور مجلس القضاء الأعلى في ضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاله، كما حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية، ونص على تنظيم المحاكم بقانون، وعلى إحداث محكمة دستورية عليا جديدة.

وفي الإطار التشريعي القائم منذ عهد النظام السابق، يستند تنظيم القضاء أساساً إلى "قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961" وتعديلاته، إضافة إلى قوانين أصول المحاكمات المدنية والجزائية، وهي منظومة أرست استقلالاً قانونياً من حيث النص، لكنها أبقت عملياً تأثيراً واسعاً للسلطة التنفيذية في التعيين والإدارة والتفتيش، ما حدّ من استقلاليته المؤسسية.

وعليه، فإن الإصلاح القضائي المطلوب في المرحلة الانتقالية يتجاوز التعديلات الجزئية، باتجاه إعادة بناء قانون السلطة القضائية بما يعزّز استقلال مجلس القضاء الأعلى، ويحدّ من تدخل السلطة التنفيذية في التعيين والترفيع، كما يضمن استقلال النيابة العامة، ويعيد تنظيم جهاز التفتيش القضائي.

كذلك، يتطلب هذا المسار -وفق قضاة وحقوقيين- منع أي أشكال للمحاكم الاستثنائية، وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك علنية الجلسات وحق الدفاع، بحيث يصبح استقلال القضاء ضمانة فعلية لتطبيق القوانين لا مجرّد مبدأ دستوري.

"مجلس الشعب أمام امتحان الثقة"

يحمل المجلس الجديد منذ لحظة ولادته مجموعة من الأسئلة الصعبة: إلى أي حد يمكن للانتخاب غير المباشر أن يمنح شرعية سياسية كافية؟ وهل نجحت التعيينات الرئاسية في سد فجوات التمثيل المرتبطة بالنساء والمكونات الجغرافية والاجتماعية؟ والأهم من ذلك، هل يمتلك المجلس القدرة على العمل باستقلالية ضمن نظام انتقالي يمنح السلطة التنفيذية نفوذاً واسعاً في تشكيله وفي مسار العملية التشريعية؟

ورغم أن الإعلان الدستوري منح مجلس الشعب صلاحيات واسعة في التشريع وإقرار القوانين والموازنة والمعاهدات، فإنّه منح رئيس الجمهورية في المقابل حق اقتراح القوانين والاعتراض عليها، مع اشتراط موافقة ثلثي المجلس لتجاوز هذا الاعتراض، ما يجعل اختبار الاستقلالية في الممارسة السياسية أكثر تعقيداً من النصوص الدستورية ذاتها.

وتبدأ استعادة الثقة عندما ينجح المجلس في تجاوز دور إقرار النصوص إلى مناقشتها علناً، وفتحها أمام الرأي العام، والاستماع إلى الضحايا والحقوقيين والنقابات والخبراء، وتحويل مطالب العدالة والحرية والإصلاح إلى تشريعات قابلة للتطبيق الفعلي.

في هذا السياق، لا تبدو القوانين العشرة المطروحة ترفاً تشريعياً، بل عناوين تأسيسية للمرحلة الانتقالية، بعضها ورد في الإعلان الدستوري صراحة، وبعضها الآخر يستند إلى مبادئه العامة المتعلقة بالحقوق والحريات والحكم الرشيد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وتشمل هذه العناوين: العدالة للضحايا، المحاسبة دون انتقام، التعددية السياسية، انتخابات موثوقة، إدارة محلية أكثر فاعلية، جهاز دولة مهني، اقتصاد شفاف، إعلام حر، استرداد للمال العام، وقضاء مستقل يشكّل الضمانة الجامعة لكل ذلك.

من هنا، فإن السؤال المطروح -بعد 12 تموز 2026- لن يرتبط فقط بمن حضر الجلسة الأولى، بل بما سيأتي على جدول الأعمال في المرحلة التالية: هل يتجه مجلس الشعب نحو القوانين التي ينتظرها السوريون فعلاً، ويحوّل الإعلان الدستوري من إطار عام إلى منظومة تشريعية قابلة للتطبيق، أم تبقى الملفات الكبرى في دائرة الانتظار حتى نهاية المرحلة الانتقالية؟