بعبع نصر الحريري!

تاريخ النشر: 06.03.2021 | 07:07 دمشق

آخر تحديث: 06.03.2021 | 07:09 دمشق

خلال أقل من أسبوع زار رئيس الائتلاف الوطني كلاً من قطر وإقليم كردستان العراق، ما أعاده مجدداً إلى واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي في أوساط الثورة والمعارضة، وهو أمر يكاد يصبح اعتيادياً.

فمنذ وصل الحريري إلى منصب رئيس الائتلاف، وهو مثار جدل سواء بسبب تصريحاته أو قرارات صادرة عن الائتلاف تحت قيادته، أو صور وفيديوهات جولاته الداخلية والخارجية، بحيث لا يكاد يمر أسبوع دون أن يفرض نفسه موضوعاً للجدل والنقاش.

بداية لا بد من الإقرار بأن نصر الحريري أثبت أنه يمتلك طاقة كبيرة وفائضاً من الحيوية والنشاط، بل إن المقربين منه، وربما كانوا يبالغون بغرض الدعاية، يتحدثون عن حضوره في السابعة صباحاً إلى مكاتب الائتلاف، والعمل أكثر من 14 ساعة بالمتوسط يومياً، ولعل أكثر النقاط التي كسبها بالمقارنة مع من سبقها في قيادة هذه المؤسسة كانت على هذا الصعيد.

يمكنك بسهولة أن تجد أخبار الحريري بأقل جهد، وستصادفك حتماً صورة له ملتقطة قرب اعزاز مع فتى يشمر عن ساعديه رغم البرد الشديد، أو وهو يتوسط عدداً كبيراً من مشايخ العشائر والوجهاء في ريف حلب الشمالي، وبالتأكيد ستطالعك أخرى لجلسة تجمعه مع القيادي في الجيش الوطني محمد الجاسم المثير للجدل (أبو عمشة)، ثم مع أعضاء الائتلاف في مقرهم بالداخل السوري، وحتماً مع وزير خارجية قطر، وأخيراً مع مسؤولي إقليم كردستان، لكنك مطلقاً لن تنسى صورة تدشينه أحد المشافي مع نصب تذكاري كان يتمعن ملياً اسمه المنقوش عليه بهذه المناسبة.

تختلف ردود الفعل تجاه هذا النشاط وتتباين قراءة الصور والفيديوهات التي يظهر فيها نصر الحريري، تبعاً للموقف السياسي منه. فأنصاره يرونها تعبيراً واضحاً عن جهود كبيرة يبذلها من أجل الصالح العام، بينما يراها خصومه تعبيراً فاضحاً عن شيفونية وتضخم في الـ"أنا" تجعله يسعى للبقاء تحت الضوء باستمرار.

لكن سواء كنت من أنصاره أو معارضيه، فإنك لن تستطيع سوى الإقرار بأن نصر الحريري استطاع أن يبث روحاً مختلفة داخل الائتلاف منذ وصوله إلى رئاسته بطريقة مستفزة في تموز 2020، من خلال عملية تبادل مواقع مع سلفه أنس العبدة رئيس هيئة التفاوض حالياً، وأنه خلال سبعة أشهر تمكن من تحريك المياه التي كانت راكدة في كثير من زوايا المؤسسة، بدءاً من تشكيل لجان عمل جديدة، وإطلاق حملة تواصل وحوار مع المعارضين والناشطين خارج الائتلاف، وتنشيط مكتب الائتلاف بالداخل، وأخيراً قرار لجنة العضوية البدء بإعادة النظر في بعض الأعضاء والكتل.

سيجادل البعض بأنه من غير المنطقي نسبة كل ما يقوم به الائتلاف إلى رئيسه، وهذا صحيح، كما سيذكّر البعض بقرارات لم تكن موفقة اتخذها نصر الحريري، على الأقل من وجهة نظر الأوساط المعارضة، وفي مقدمتها تشكيل هيئة الانتخابات،

لا ينكر خصوم نصر الحريري أنه يمتلك كاريزما قوية، ومهارات تواصل جيدة، وقدرة على الحديث والإقناع هي من ضرورات الشخصية السياسية

لكن الكثيرين يؤكدون باستمرار أن كل ما يقوم به هو من أجل خدمة أهدافه الخاصة التي يعرفها كل من يعرفه عن قرب.

يؤكد هؤلاء بشكل حاسم أن الحريري يوظف إمكانات الائتلاف وموارده لتحقيق طموحاته الكبيرة في أن يكون الشخصية الأولى في المعارضة، وأن يقود أكبر تكتل سياسي وشعبي يعمل على التحضير له من أجل الاستعداد لخوض أول انتخابات سورية تقام يوماً ما وفق القرارات الدولية، ويردد الكثيرون أنه لا يخفي رغبته بأن يكون رئيس سوريا القادم، فإن لم يكن ذلك ممكناً فعلى الأقل حكم إقليم المعارضة الذي يتهمونه بالسعي لإقامته في شمال غرب البلاد، خاصة بعد تكراره طرح فكرة العمل على تطوير إدارة وحوكمة هذه المناطق وعدم انتظار حل سياسي قد لا يأتي في المدى المنظور.

لا ينكر خصوم نصر الحريري أنه يمتلك كاريزما قوية، ومهارات تواصل جيدة، وقدرة على الحديث والإقناع اللذين هما من ضرورات الشخصية السياسية، وذكاء حاداً بالطبع، لكنهم يرون أن كل هذه الصفات يستغلها من أجل غايات خاصة، ناهيك عن اتهام البعض له بالفساد والتسلط والديكتاتورية، وإقصاء الخصوم والتخلص من المعارضين بغض النظر عن الوسيلة، بالإضافة إلى المناطقية.. إلخ من قائمة الاتهامات الطويلة.

لكن قليلاً فقط من خصومه، وتحديداً من أعضاء الائتلاف السابقين والحاليين، من يعترف بأن نصر الحريري تفوق عليهم، بينما الغالبية يقولون إنه خدعهم أو غدر بهم في سبيل الوصول إلى هذا الموقع وهذه المكانة، التي يؤكدون في كل مناسبة أنه لا يستحقها، ويحذرون من السماح له بالصعود على سلم المعارضة إلى ما لانهاية، لكن قد لا تجد بينهم من هو مستعد للقول إنهم يتحملون مسؤولية صعوده السريع بهذا الشكل على حساب أسماء وقوى معارضة وازنة وقوية.

يقدم هؤلاء رئيس الائتلاف على أنه البعبع الذي سيأكل ثورة السوريين ويلتهم مستقبلهم، ويطلبون من الرأي العام عدم الانخداع به، لكنهم لا يكملون الجملة ويضيفون "كما خدعنا نحن" في محاولة دأب عليها الجميع من أجل عدم تحمل المسؤولية، وأمام هذا المشهد المشوش يبقى نصر الحريري أكثر الشخصيات إثارة للجدل اليوم على صعيد المعارضة السياسية السورية.