بصيرة الروائيين

تاريخ النشر: 05.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 23.10.2018 | 06:47 دمشق

 

دعوتُ مرةً إلى تأليف كتاب موسوعي، يحيق بمضمارٍ هائل، يضم بين دفتيه أهم الأعلام الروائية التي أبدعها الروائيون في رواياتهم، فيحصيهم، ويترجمهم، ويلخص سيرهم، بدءاً من تحديد مكان ولادتهم: في أي رواية كانت، وإلى من ينتسبون من الروائيين، ومروراً بسيرتهم في تلك الرواية، وموقعهم منها، وتطوراتهم فيها، ثم ترتيبهم ترتيباً ألفبائياً، لسهولة البحث عنهم، والرجوع إليهم، مثلما فعل الزركلي في كتابه (الأعلام) الذي ضمّ فيه أهم الأشخاص الواقعيين، فترجمهم، ووثّقهم، وأعطانا نبذة مكثّفة عن حيواتهم وأعمالهم.

ولنا أن نتساءل: ما الجامع بين أعلام هذين الكتابين؟ وما الفارق بينهما؟

الفارق هو ما بين اللحم والدم المشكَّل بشراً يسير على الأرض، وما بين الحروف المرصوصة في كلماتٍ تسير بين السطور، ويجمعها كتاب وزبور! وهو من ثمَّ الفارق ما بين الاختراع والإنشاء في عالم الخيال، وما بين الخلق والجعل في عالم الواقع.

لكن لنفصّل أكثر:

أما أعلام الزركلي الذين براهم الله، فقد وُجدوا فعلياً في أرض الواقع، قَلَماً خطّ آثاره حيثما ماد، وحيثما همد، ثم انتقلوا إلى كتاب، فسكنوا بين سطوره، واستقروا في صفحاته. كانوا (عيناً)، فأمسوا (أثراً)! ألا يذكرنا ذلك بعنوان كتاب المحبِّي في التراجم: (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر)!

كل علم من أعلام الزركلي غدا أثراً. والأثر له تأثير، غير أنه يختلف شدةً وضعفاً من عَلَم لآخر. فكم من عَلَم مارس تأثيره علينا إلى درجة أنه صاغ حياتنا، وشكَّلها! وكم من عَلَم أَثَره أدنى من ذلك! وكم من أعلام مرَّوا أمامنا،كأنهم أسراب طيور مهاجرة تقع أعيننا عليهم من بعيد لمرة واحدة، ثم يغيبون إلى الأبد!

أما أعلام الرواية التي يبدعها الروائي بالكلمة، والتي نفترض أنها جُمعت ووُثِّقت في كتاب ككتاب الزركلي، فهي وجدت أولاً في كتاب، ثم انتقلت إلى كتاب. في هذا الكتاب هي أثر وخبر أيضاً. أثر يفعل، وخبر يعمل! وكم من عَلَم أعاد بناءنا، وأثرّ في مستقبل مسيرتنا، وخلقنا خلقاً جديداً، وكم من رواية قيل عنها: "لن تكون بعد قراءتها كما كنت قبلها"! أليس هذا ما حدث مع كثير منّا لدى قراءته: (الأبله) لديستوفسكي، أو(دون كيخوته) لثربانتس، أو (دكتور فاوستس) لتوماس مان، أو(غاتسبي العظيم) لفيتزجيرالد.

معرفتنا بأعلام الزركلي هي في الأعم الأغلب معرفة برانية، وقلما يتسنى لنا معرفة عوالمها الجوانية، أما معرفتنا بأعلام الرواية فنحن نعرفها،كما يعرف بعضنا بعضاً 

وهذا يعني، في المحصلة، أن أعلام الزركلي وأعلام الروائي يشبّكون أيديهم معاً، كفتاتين صغيرتين تهرولان قفزاً بكامل النشوة والمتعة، وبتمام الغفلة عنّا وعن سائر محيطنا، في حين أنهما تتركان أكبر الأثر وأعمقه وأرسخه، في صياغتنا وتشكيل مصائرنا!

ولنعد مرة أخرى إلى الفارق بين أعلام الزركلي وأعلام الرواية. في أعلام الزركلي نحن أمام شخص، وفي أعلام الرواية نحن أمام شخصية. فمعرفتنا بأعلام الزركلي هي في الأعم الأغلب معرفة برانية، وقلما يتسنى لنا معرفة عوالمها الجوانية، أما معرفتنا بأعلام الرواية فنحن نعرفها،كما يعرف بعضنا بعضاً في يوم القيامة، يوم تُبلى السرائر، فتغدو ظواهر أو كالظواهر. يوم يطفو اللاوعي إلى السطح! ويوم ينتقل المخبَر إلى المظهر، بل إلى المخفر، فتفتح كل أضابيره وملفاته، وجميع أسراره ومخبآته! فالروائي عامل تنقيب في مناجم النفس الإنسانية، ينقب في الشعور واللاشعور، ولا غرو أن نعرف، ساعتئذٍ، عوالم هذه الشخصيات: هواجسها، وخلجات تفكيرها، ونوازعها، وبواعثها، وخطراتها، ونيّاتها، لا نخمّن ذلك تخميناً، ولا نفترضه افتراضاً، بل نراه ظاهراً، ونلمسه مجلوّاً، حتى الفجوات التي يتركها الروائي في شخصياته فإنه يتركها وهو كامل الثقة في أننا سنملؤها بكل حصافة، وسنرفوها بكل فطنة، لأن المسكوت عنه في قوة المنطوق، أو ربما أقوى! فالروائي المبدع كالموسيقي الملهَم! يجعلنا نقتنص الإيقاع الخفي في لحنه، من دون أن ينقر الرقَّ، أو يضرب الدفَّ.

لم يكن الشيخ أو العالم أو المثقف ممن يحدثوننا عن بعض أعلام الزركلي ويرجون ويتمنون، في دماثة أو كزازة، أن يهيمنوا علينا، هم أصحاب الأثر الحاسم فقط، بل (الحكواتي) الذي كان ينفذ إلى أعماقنا، وهو يحدثنا عن عنتر بن شداد، وسيف بن ذي يزن، وأبو زيد الهلالي، والزيبق، ودليلة، وشهريار وشهرزاد، و (الروائي) الذي جعلنا نعايش أحمد عبد الجواد في (ما بين القصرين)، وإسماعيل الشيخ في (الكرنك)، وأحمد عاكف في (خان الخليلي)، وأم سعد في (أم سعد)، والطفل الراوي في (أرض البرتقال الحزين)! ناهيك عن الشخصيات الغربية التي ألمحنا إلى بعضها.

إنه الخلق المبدع لعوالم موازية بأزمنتها وأمكنتها وأشخاصها وكينوناتهم، ومشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم، وعلاقاتهم، وتطوراتهم، ومآلات مصائرهم

وقد يستعير الروائي ذاته لتغدو شخصيةً من جملة هذه الشخصيات، ولكنها عندئذ لا تعود هي ذاته، بل تغدو شخصيةً جديدة، ويكون لها الأثر الذي يتجاوز الروائي نفسه، فالأب في رواية (أولاد حارتنا) هو أبو نجيب محفوظ عينه، ولكن شتان ما بين الأبوين، وكمال أحمد عبد الجواد في (السكَّريَّة) هو نجيب نفسه، ولكن شتان ما بين النجيبين!

إنه الخلق المبدع، لعوالم موازية بأزمنتها وأمكنتها وأشخاصها وكينوناتهم، ومشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم، وعلاقاتهم، وتطوراتهم، ومآلات مصائرهم. شخصيات فاعلة مؤثرة حاسمة، نتفاعل معها، ونشاركها آلامها وآمالها، ونذرف الدموع لأجلها، ويصيبنا الاكتئاب لفراقها حين الانتهاء من قراءتها.

ولا يقتصر الأمر فقط على الخلق والإبداع، ولكن يضاف إلى ذلك (التنبّؤ) أيضاً، المشتق من فعل (نَبَأ) الذي يعني الارتفاع والظهور، فالروائي، يرتفع، بقوة بصيرته، ليقف على نَبْوَة متفرّداً، بينما الناس في السهل يموجون، فيرى أبعد مما يرون، ويستشرف ما لا يتوقعون. يستقدم المستقبل إلى الحاضر، فيقيده، ويصفه رأيَ العين، حتى إذا ما جاء هذا المستقبل بعد لأْيٍ، ورآه الناس ولمسوه، قالوا هذا ما حدثنا الروائي عنه!

بسلطان الرواية ينفذ الروائي بين أقطار الزمن، فيُنشئ الرواية التاريخية، ومقصده وعينه على المستقبل، ويؤلّف الرواية المستقبلية، ومبتغاه وقلبه ويده على الحاضر، والأمثلة الآن تتقافز أمام ناظري، لكن حسبي أن أشير إلى مثالين بتكثيف واختصار:

في سنة 1961م كتب الروائي الإيراني جلال آل أحمد روايته التاريخية (نون والقلم)، التي تعود للقرن الحادي عشر الهجري، لكن أفقها كان في المستقبل، لأن الأحداث التاريخية فيها كانت مجرد أداة لبيان أفكار شديدة المعاصرة. تحدثت الرواية عن ثورة شعبية ذات إطار ديني يقوم بها الدراويش (النقطويون) بقيادة إمامهم، فيهرب الملك، وحاشيته، ويتقوّض الحكم، وسرعان ما يملأ الدراويش الفراغ، ويغدو مرشدهم الملقب بــ (الشخص الواحد) بديل الملك، والعوض عنه، وقد لمسنا صحة هذا التنبّؤ، وصدق استشرافه، بعد سبعة عشر عاماً من تاريخ كتابتها، فرأينا الملك يهرب، والمرشد يصعد، وعاينّا ذلك، وعانينا منه، لكن الرواية نفسها تنبِّئنا أيضاً بتقوّض هذه الثورة وبإخفاقها، بعد خمسة أشهر من بدئها، وبهرب الثوار في ليلةٍ خَلتْ من ضوء القمر، وربما كانت الخمسة أشهر من عمر ثورة الرواية، هي خمسين سنة من عمر هذه الثورة في الواقع.

بسلطان الرواية ينفذ الروائي بين أقطار الزمن، فيُنشئ الرواية التاريخية، ومقصده وعينه على المستقبل، ويؤلّف الرواية المستقبلية، ومبتغاه وقلبه ويده على الحاضر

أما فيليب روث الروائي الأمريكي الأكثر شهرة، الذي توفي من عدّة أيام في 23/أيار/ 2018، عن 85 سنة، فينشر في 2004 روايته (مؤامرة ضد أمريكا)، التي تصفها صحيفة نيويورك تايمز بأنها: (رواية سياسية رائعة، وكذلك شريرة، وحيوية، وحالمة، وغير معقولة)!

لماذا هي غير معقولة؟

لأنها تتحدث عن طيار يدعى تشارلز ليندبيرغ، يخوض الانتخابات الرئاسية في سنة ،1940 فيهزم روزفلت، ويغدو رئيس أمريكا، ويقيم تفاهمات مع ألمانيا واليابان، فيطلق يد الأولى في أوروبا، ويد الثانية في آسيا، ويتبين لاحقاً في سَير أحداث الرواية أن هذا الرئيس (مستبد) و(عنصري) و(مضطرب)! يهيّج الأنانية الوطنية أولاً، ثم يحرّش بين مجموعات الشعب الأمريكي، كما يحرّش الأشرار المهوسون بين الحيوانات ثانياً، لكن لم يكن ليجرؤ في سنة 2004 أي مفكر مقدام، أو مثقف مغوار على أن يتوقع أو يتخيّل أن يحكم أمريكا شخص بهذه المواصفات، وأن يستطيع تجاوز جميع المبادئ والضوابط والتوازنات التي تمنع حدوث ذلك. أما روائيُّنا فهو الوحيد الذي يتنبّأ بما سيكون في 2017، حين سيستلم ترامب رئاسة أمريكا! ترامب الذي هو في الحقيقة ليندبيرغ نفسه بطل رواية (مؤامرة ضد أمريكا)، وسنرى الناقد الأدبي الألماني كريستيان بوس المحرر الثقافي لـ (دير شبيغل) يكتب مقالاً عن فيليب روث عنوانه: (الأديب باعتباره نبياً).

حقاً إن للروائيين بصيرةً كاشفة.