icon
التغطية الحية

"بسطات" حي الفرقان تفتح ملف الأسواق الشعبية في حلب

2026.03.14 | 05:47 دمشق

آخر تحديث: 2026.03.14 | 05:51 دمشق

"بسطات" حي الفرقان تفتح ملف الأسواق الشعبية في حلب (تلفزيون سوريا)
"بسطات" حي الفرقان تفتح ملف الأسواق الشعبية في حلب (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا - حلب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهد السوق الشعبي في حي الفرقان بحلب عودة تدريجية للحياة بعد منح باعة "البسطات" مهلة مؤقتة قبل تنفيذ الإخلاء، مما أعاد النشاط الاقتصادي والاجتماعي لآلاف العائلات، مع بقاء موعد الإخلاء مؤجلاً لما بعد عيد الفطر.

- شهد حي الفرقان احتجاجات من الباعة ضد قرار الإخلاء، مما دفع السلطات لمنح مهلة مؤقتة، في سياق جهود تنظيم الأسواق الشعبية العشوائية وتجهيز سوق مؤقت مجاناً لأصحاب البسطات.

- انتشرت الأسواق الشعبية في حلب بعد الثورة السورية بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتواجه انتقادات بسبب الفوضى والازدحام، مع مطالبات بتنظيمها بشكل عادل.

عادت الحياة مجدداً إلى السوق الشعبي في حي الفرقان بمدينة حلب، بعدما استعادت الأرصفة وشارع الإكسبريس الشهير والشوارع المتفرعة عنه إيقاعها اليومي المزدحم، إثر قرار منح باعة "البسطات" مهلة مؤقتة قبل تنفيذ الإخلاء، والحركة التي كادت أن تتوقف عادت تدريجياً، أصوات الباعة ارتفعت من جديد، والمتسوقون تدفقوا بين صفوف البضائع، وروائح المأكولات امتزجت بضجيج السير في واحد من أكثر الشوارع حيوية في الحي المجاور لجامعة حلب وتحديداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية وللسكن الجامعي.

المهلة التي تم منحها، أعادت نبضاً اقتصادياً واجتماعياً طال آلاف العائلات التي تعتمد على هذه "البسطات" كمصدر دخل أساسي، لكنها في الوقت نفسه أبقت المشهد معلقاً على موعد مؤجل، إذ من المفترض أن يخلي الباعة وأصحاب “البسطات” المكان في الفترة ما بعد عيد الفطر، لتبقى عودة النشاط محكومة بسقف زمني واضح.

وكان حي الفرقان قد شهد في بداية شهر آذار/مارس احتجاجات حاشدة شارك فيها باعة وأصحاب "بسطات"، رفضاً لقرار مجلس المدينة القاضي بإخلائهم وإجبارهم على الانتقال إلى سوق شعبي في منطقة مجاورة للحي وبعيدة عن الكتلة السكنية، والاحتجاجات التي اتخذت طابعاً مطلبياً تصاعدياً عكست مخاوف شريحة واسعة من خسارة زبائنها وتراجع مبيعاتها في حال النقل القسري، ما استدعى تدخل قوى الأمن الداخلي لاحتواء الموقف، حيث عقد مدير الأمن الداخلي محمد عبد الغني لقاء مع عدد من منظمي الاحتجاجات، استمع خلاله إلى شكواهم وتفاصيل اعتراضهم، ولا سيما ما يتعلق بالبضائع المكدّسة استعداداً لموسم ما قبل العيد، وهو موسم يعد ذروة سنوية في عرف تجار الألبسة والسلع الاستهلاكية، تلك المناشدات، المدعومة باعتبارات معيشية وموسمية، بدت أنها وجدت آذاناً مصغية، ليصار إلى منح مهلة تسمح باستمرار النشاط حتى انتهاء شهر رمضان، في تسوية مؤقتة هدأت الشارع وأبقت الملف مفتوحاً على حلول لاحقة.

سوق بديل لتنظيم الفوضى

تفتح أحداث حي الفرقان والاحتجاجات التي شهدها الحي من قبل الباعة الجوالين وأصحاب "البسطات" ملفاً معقداً في مدينة حلب، وهو الأسواق الشعبية المنتشرة بشكل عشوائي في مختلف الأحياء، الشرقية والغربية على حد سواء، برغم وجود عدة أماكن وأسواق مخصصة لمثل هذه الأنشطة التجارية، في هنانو وعدد كبير من الأحياء، وهي بحاجة لترميم وتنظيم جديد كما يبدو.

وكانت إدارة الكتلة الخامسة في مجلس مدينة حلب قد أعلنت عن البدء في عملية تنظيم عمل البسطات بداية شهر آذار/مارس في حي الفرقان، حيث يجري العمل على تجهيز سوق مؤقت بالقرب من حديقة أهل بدر المجاورة لحي الفرقان، في إطار الجهود الرامية إلى تنظيم البسطات والحد من الازدحام خلال شهر رمضان المبارك.

وأوضحت مصادر متابعة في مجلس مدينة حلب لموقع تلفزيون سوريا، أن إنشاء السوق يسهم في تنظيم الحركة التجارية والحفاظ على انسيابية المرور في المنطقة التي تعاني بشكل غير مسبوق من الفوضى والاختناقات المرورية وإزعاج السكان، على أن تشمل الإجراءات تسجيل أصحاب البسطات الراغبين في الانتقال إلى السوق الجديد، وتضيف المصادر أن إنشاء السوق المؤقت يهدف إلى تخفيف الازدحام في منطقة الفرقان وتنظيم عمل البسطات بما يحقق مصلحة الباعة والمتسوقين، مؤكدة أن الاستفادة من السوق ستكون مخصصة لأصحاب البسطات بشكل مجاني بالكامل ومن دون أي رسوم.

يقول أبو عبدو، وهو أحد أصحاب "بسطات" الألبسة الجاهزة، إن المشهد بالنسبة لهم لا يختصر بقرار إداري عابر، بل يرتبط بمصدر رزقٍ يومي لعائلات كاملة. ويوضح: "تراكمت البضاعة علينا قبل الموسم، وكل رأس مالنا موضوع على هذه البسطة، نحن نعمل بدورة مالية قصيرة، نشتري بالدين أحياناً على أمل البيع في رمضان وقبل العيد، لو أُجبرنا على الإخلاء الفوري لخسرنا كل شيء".

ويضيف أبو عبدو في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن توقيت القرار شكل صدمة لهم: "القرار كان مفاجئاً وغير مدروس، ولا يمكن نقل مئات الباعة فجأة في ذروة الموسم، البضاعة موسمية، والزبائن يعرفون مواقعنا، والسوق ليس مجرد مساحة، بل حركة ناس ومواصلات وتجمع سكاني"، ويرى أن الإشكالية الأعمق تتعلق بالموقع البديل، فالمكان المقترح بعيد عن الكتلة السكنية، وقد لا يعمل ولا يرتاده الناس، والسوق يعيش على المرور العفوي وكثافة المشاة، إذا انتقلوا إلى موقع معزول بعد العيد فسيخسرون الزبائن، وعندئذ ستفقد عائلات كثيرة مصدر رزقها الوحيد.

وفي شهادة تعكس موقف شريحة من السكان في حي الفرقان، التقى موقع تلفزيون سوريا أنس سلوم، من أهالي حي الفرقان في حلب، الذي لخص المفارقة اليومية التي يعيشها الأهالي: "نحن بين أمرين، نحتاج هذه الأسواق لأسعارها، فالكثير من العائلات لم تعد قادرة على الشراء من المحال الكبيرة، والبسطات توفر خيارات أرخص وتناسب الدخل المحدود، لكن في المقابل، الازدحام خانق، والضجيج لا يتوقف، وحركة السير تكاد تتعطل في أوقات الذروة، والجريمة ظاهرة تتوسع يومياً، حوادث سرقة وتحرش وشجارات بين أصحاب تلك البسطات".

ويتابع سلوم موضحاً أثر ذلك على الحياة اليومية: "الأرصفة لم تعد صالحة للمشاة، والشارع يتحول إلى ممر ضيق بين السيارات والبسطات، وكبار السن والطلاب والعائلات يتأذون، ومع ذلك نتفهم حاجة الباعة للعمل، نريد حلاً ينظم السوق من دون أن يقطع أرزاق الناس".

كيف تمددت الأسواق الشعبية؟

الأسواق الشعبية في حلب شهدت تغييرات كبيرة في نمط انتشارها خلال الفترة ما بعد انطلاقة الثورة السورية، فبعد سيطرة الجيش السوري الحر على الأحياء الشرقية في منتصف العام 2012، والذي قسم المدينة إلى قسمين، غربي يقع تحت سيطرة النظام المخلوع وشرقي يقع تحت سيطرة المعارضة، تشكلت في الأحياء الغربية في تلك الفترة عدة أسواق شعبية.

تحولت أحياء يقطنها الأثرياء في حلب إلى أحياء تنتشر فيها "البسطات" والباعة الجوالون الذين نزح معظمهم من الأحياء الشرقية، فحي الجميلة مثلاً ما يزال حتى اليوم ومنذ العام 2012 أشبه بحي شعبي تمتلئ شوارعه الرئيسية بالعربات الصغيرة المحملة بالخضر والفاكهة وتمتلئ أرصفته بالبسطات، حاله كحال حي الفرقان وبالأخص شارع الإكسبريس الذي يتميز بأرصفته الواسعة والتي جذبت الباعة الجوالين وأصحاب "بسطات" بيع الألبسة الجاهزة والألعاب والمواد الغذائية والخضر.

ولم يكن انقسام مدينة حلب وحده سبب انتشار الأسواق العشوائية في الأحياء الغربية، بل تداخلت معه عوامل اقتصادية واجتماعية عميقة غيرت سلوك الاستهلاك وأنماط الحركة داخل المدينة، فالتراجع الحاد في مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل القدرة الشرائية حتى لدى سكان الأحياء المصنّفة سابقاً ضمن المناطق الميسورة، دفعت شرائح واسعة للبحث عن بدائل أقل كلفة لتأمين احتياجاتها اليومية، وهنا برزت "البسطات" كخيار اقتصادي عملي، سلع بأسعار مخفضة، مرونة في البيع، وإمكانية للمفاصلة، وهو ما لا توفره المتاجر النظامية بالقدر نفسه.

وتشير تقديرات تجارية محلية إلى أن الفارق السعري بين البسطات والمحال الكبيرة يتجاوز في كثير من الأحيان 20 بالمئة، وهو هامش مؤثر في بيئة دخل محدود، ما جعل هذه الأسواق ملاذاً استهلاكياً دائماً لا موسمياً فحسب، ومع الوقت، تحولت "البسطات" من نشاط هامشي إلى شبكة توزيع شعبية موازية، تعيد تشكيل الخريطة التجارية للأحياء الغربية، وتفرض إيقاعها على الشوارع والأرصفة وممرات المشاة.

وهذا التمدد غير ملامح أحياء عرفت لعقود بهدوئها وتنظيمها العمراني وكونها موطناً للأثرياء ومرتفعي الدخل، والأرصفة التي كانت مخصصة للمشاة تحولت إلى مساحات عرض، والشوارع الداخلية باتت نقاط جذب تجاري كثيف، ما ولد مفارقة حضرية، حيوية اقتصادية مقابل ضغط خدمي واختناقات مرورية وتبدل في الطابع الاجتماعي للمكان، ورغم الإزعاجات المتزايدة، أخذت الظاهرة طابعاً مقبولاً اجتماعياً بفعل الحاجة المعيشية المتبادلة، سكان يبحثون عن السعر الأقل، وباعة يبحثون عن لقمة العيش.

كما لعب العامل الديمغرافي دوراً مكملاً في ترسيخ هذه الأسواق، ولا سيما قرب بعض حي الفرقان من السكن الجامعي الذي تحول قسم كبير منه في الفترة ما بعد عام 2012 إلى مراكز إيواء للنازحين، فالكثافة السكانية الطارئة رفعت الطلب على السلع الأساسية منخفضة السعر، وخلقت بيئة مثالية لازدهار البيع على البسطات بوصفه النمط التجاري الأكثر قدرة على الاستجابة السريعة للطلب المرتفع بتكاليف تشغيل محدودة، وبهذه العوامل مجتمعة، لم تعد الأسواق الشعبية حالة عابرة، بل تحولت إلى بنية اقتصادية واجتماعية راسخة داخل المشهد الحضري.

أسواق مدمرة وانتقادات الأهالي

هناك سبب آخر وفق مصادر محلية في حلب، أكدت لموقع تلفزيون سوريا، أن الحاجة لمثل هذه الأسواق كان كبيراً بعدما توقف دور أسواق حلب القديمة (أسواق المدينة) التي كانت تعرف بأنها المركز الرئيسي للمواد بمختلف أنواعها وبأسعار معقولة يقصدها الأهالي من المدينة والريف، وأسواق حلب القديمة كما هو معروف دُمرت بشكل شبه كامل بسبب قصف قوات النظام المخلوع والمعارك التي شهدتها المنطقة بين الأخير وفصائل الجيش الحر في الفترة ما بعد العام 2012 وحتى نهاية العام 2016، وبرغم الحديث عن إعادة الحياة وترميم بعض الأسواق فإنها لم تستعد دورها التجاري حتى الآن لتحل محلها الأسواق الشعبية.

ملف الأسواق العشوائية في حلب ملف معقد للغاية، وهنا تبرز الكثير من الانتقادات من قبل الأهالي الذين استطلع موقع تلفزيون سوريا آراءهم، بعضهم يرى أن تركيز مجلس المدينة على إنهاء ظاهرة الأسواق الشعبية في الأحياء الغربية وإشغال الأرصفة وحصر أنشطة الباعة و"البسطات" في أماكن محددة، وإنهاء ظواهر إزعاج الأهالي هناك، لا يقابله تحرك مماثل في الأحياء الشرقية.

قال لؤي كوسا، من أهالي حي الشعار في حلب، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن مشهد الأسواق العشوائية في الأحياء الشرقية لا يختلف من حيث الكثافة عن غيره، لكنه يختلف في مستوى التنظيم والمتابعة، ويوضح: "في الشعار وطريق الباب والسكري والمشهد والمشارقة، الأسواق مكتظة بالبسطات إلى حد الاختناق، ومع ذلك لا أحد ينظمها كما يحدث في أحياء أخرى".

ويشير كوسا إلى وجود بدائل تنظيمية غير مفعلة، مضيفاً: "هناك سوق مخصص في حي الحلوانية القريب، وهو موقع مناسب ويمكن أن يستوعب أعداداً كبيرة من الباعة، السؤال، لماذا لا يلزم أصحاب البسطات بالتوجه إليه وإنهاء هذه الفوضى الممتدة في الشوارع الرئيسية والفرعية"، ويصف الأثر المباشر على الحياة اليومية وحركة التنقل: "أحياناً تحتاج لعبور الشارع عند دوار الشعار وقتاً طويلاً بسبب الازدحام الشديد، فالأرصفة مشغولة والبسطات تتمدد إلى نهر الطريق، والسيارات تتكدس في طوابير خانقة، ما يجعل التنقل مهمة مرهقة للأهالي"، ويضيف كوسا "التنظيم مطلوب في كل حلب، لا في جهة دون أخرى، إذا كان الهدف إنهاء الفوضى، فيجب أن يشمل ذلك جميع الأحياء بعدالة ومن دون انتقائية".

توجد في حلب عدة أسواق شعبية منظمة، أكبرها في مساكن هنانو الذي يضم أكثر من 200 محل تجاري، وتعرض خلال سنوات الثورة للدمار بسبب قصف قوات النظام المخلوع جواً وبراً، وإلى الآن لم يتم ترميم السوق الشعبي في هنانو بالكامل وفتح باب الاستثمار لتنظيم العمل التجاري في المساكن والقضاء على ظاهرة "البسطات"، كما أن باب جنين وسط حلب وعلى مقربة من القصر البلدي الذي تتخذه المحافظة ومجلس المدينة مقراً لهما، يعج بالقمامة بسبب الانتشار العجيب للبسطات والباعة الجوالين، ما يبرز الحاجة اليوم إلى نقل أنشطتهم أيضاً إلى أماكن وأسواق مخصصة.

بين ضرورات التنظيم وضغوط المعيشة، تقف “بسطات” حي الفرقان عند تقاطع معقد من المصالح الاجتماعية والاقتصادية والخدمية، فبينما يسعى مجلس المدينة إلى إعادة الانضباط للمشهد الحضري وضبط الفوضى المرورية، يتمسك آلاف الباعة بمصدر رزق هش لا يحتمل القرارات المفاجئة، ومع استمرار تعثر إعادة تأهيل الأسواق المنظمة وتفاوت تطبيق الإجراءات بين الأحياء، يبقى ملف الأسواق الشعبية في حلب اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة المحلية على تحقيق توازن عادل بين حق العمل وحق الأهالي في مدينة منظمة قابلة للعيش.