بسبب التصعيد الروسي.. جهاديون يدعون "تحرير الشام" للخروج عن العباءة التركية

بسبب التصعيد الروسي.. جهاديون يدعون "تحرير الشام" للخروج عن العباءة التركية

77ad3f82bb26c5ca3adf6756.jpg
قادة جهاديون في جماعة "أنصار الدين" (تيلغرام)

تاريخ النشر: 01.10.2021 | 13:12 دمشق

آخر تحديث: 01.10.2021 | 15:03 دمشق

تلفزيون سوريا - خالد الخطيب

استغلت تنظيمات وشخصيات جهادية ارتفاع وتيرة التصعيد العسكري الروسي على مناطق المعارضة في ريفي إدلب وحلب، للدعوة إلى إشعال الجبهات مع قوات النظام والانفكاك من الوصاية التركية، مطالبين "هيئة تحرير الشام" بكسر "المفاوضات الإملائية".

وتسود حالة من التذمر أوساط بعض العناصر الجهادية، بعضهم مناهض لـ "الهيئة" وآخر مقرب منها، يرفضون المسار التفاوضي مع النظام وحلفائه (مسار أستانا)، ويدفعون نحو قلب معادلة "التصعيد والتنازل"، أي كل تصعيد من قبل قوات النظام يتعبه تنازل من قبل الفصائل، الأمر الذي تكرر في مناطق شمالي غرب سوريا خلال السنوات الأخيرة.

ويطالب المناهضون لـ "الهيئة" بالانقلاب على التفاهمات السياسية والعسكرية واستعادة القرار المستقل، في ظل تخوفاتهم من خسارة مناطق جديدة في إدلب، ويتهمونها في لعب دور في تكرار السيناريوهات السابقة باعتبارها جزءاً من تفاهمات "أستانا" ولاحقاً "سوتشي"، التي سهلت للنظام قضم المناطق تباعاً منذ العام 2017.

وفي ظل سريان اتفاقية "خفض التصعيد" في إدلب، التي رعاها الضامنان الروسي والتركي، إلا أن النظام لم يلتزم بها وشن العديد من المعارك أفضت إلى سيطرته على مساحات واسعة في طوق إدلب الجنوبي والشرقي وأرياف حلب وحماة، خلال العامين الماضيين.

وانطلاقاً من هذا الواقع "الاستسلامي" تعارض تنظيمات وشخصيات جهادية مناهضة لـ "تحرير الشام" تجميد الجبهات، ويرفعون أصواتهم للمطالبة بالانتقال إلى "المبادرة".

في المقابل، لا يملك الجناح الجهادي المعارض لسياسة "الهيئة" في إدلب، أوراق قوة تجعلهم قادرين على الانقلاب عليها أو حتى تعطيل قراراتها، نظراً لهيمنة الأخيرة وإحكام سيطرتها على الأرض.

ولم يعد للجهاديين سوى توجيه الانتقادات لـ "تحرير الشام" التي من وجهة نظرهم، تأخذ المنطقة إلى مستقبل أكثر سوداوية بسبب أطماعها بالخروج من قائمة الإرهاب والحصول على القبول والاعتراف الغربي.

كسر المفاوضات الإملائية

يعتبر زعيم "جبهة أنصار الدينأبو عبد الله الشامي، من أكثر المناهضين لسياسة تجميد الجبهات، ووقف العمليات العسكرية ضد قوات النظام وحلفائه في إدلب، ويدعو باستمرار إلى التخلي عن الالتزامات التي أنتجتها اتفاقات "خفض التصعيد".

دعا الشامي، عبر قناته الرسمية في موقع "تلغرام"، قبل ثلاثة أيام من القمة الرئاسية في "سوتشي"، إلى الانقلاب على ما سمّاها "المفاوضات الإملائية"، محذراً من مخاطر معادلة "التصعيد والتنازل"، المندرجة ضمن تكتيك المساومة والابتزاز الذي تتبعه روسيا، باعتبارها صاحبة اليد الطولى في الساحة السورية، والتي تسعى عبر مراحل إلى إيصال المنطقة والمعارضة إلى حل استسلامي لصالح النظام.

وتشهد محافظة إدلب وأجزاء من ريفي حلب وحماة تصعيداً عسكرياً من قبل الروس، منذ شهر، في ظل صمت الضامن التركي، لاسيما أن القصف الروسي وقع بالقرب من قاعدتين تركيتين بريف حلب.

وتزامن القصف الروسي مع ترويج النظام لدعاية الحملة العسكرية للسيطرة على طريق حلب اللاذقية "إم 4" بعد انتظار ما ستسفر عنه قمة "سوتشي" بين الرئيسين الروسي والتركي.

ويرى زعيم "جبهة أنصار الدين" من العبث التعويل على التفاهمات الدولية أو سقف جديد مختلف لدى دول مجمعة بشكل علني أو ضمني على ضرورة استمرار النظام وإعادة إنتاجه، واصفاً هذا الأمر بأنه "من الغباء والعمى السياسي".

وانتقد الشامي سياسة تكريس العجز العسكري وارتهان القرار السياسي، التي تعاني منه الفصائل المعارضة والإسلامية والتنظيمات الجهادية، والذي بدا واضحاً خلال العمليات العسكرية التي قادها الروس على إدلب ومحيطها خلال الأعوام الأربعة الماضية.

جبهة أنصار الدين ومعارضتها لهيئة تحرير الشام

"جبهة أنصار الدين"، فصيل عسكري جهادي، تأسّس في منتصف العام 2014، وهي عبارة عن تحالف يضم عدة تنظيمات جهادية صغيرة، من بينها "حركة شام الإسلام" و"حركة فجر الشام الإسلامية" و"جيش المهاجرين والأنصار" و"الكتيبة الخضراء"، وتضم في صفوفها مقاتلين محليين وأجانب.

في عام 2017، انضوت "جبهة أنصار الدين" في تحالف "هيئة تحرير الشام"، ولكن سرعان ما انشقت عنه في العام ذاته، وتعتبر الجبهة أكثر ميلاً لتنظيم القاعدة لكنها على وفاق إلى حد ما مع "الهيئة"، وتتفادى الصدام معها، وتشارك عادة في العمليات العسكرية التي تشرف على إدارتها "الهيئة"، لأنها تتلقى الدعم المالي واللوجستي من الأخيرة للحفاظ على بقائها. 

وينقسم التيار الجهادي المناهض لـ "الهيئة" إلى عدة مجموعات، المنشقون عنها وهؤلاء شديدو العداء لها بسبب رفضهم لسياسات التحول البراغماتية التي يتبعها الجولاني لاسترضاء الغرب واستجداء الاعتراف، وهناك بعض التنظيمات الجهادية مثل تنظيم "جبهة أنصار الدين" تنتقد "الهيئة" بطرق ناعمة ولا تستطيع الخروج عليها لارتباطها بها واختراقها من قبلها، إضافة لمجموعة تعتبر الأشد عداءً لـ "الهيئة" على رأسها جماعة "حراس الدين" التابعة للقاعدة.

اتهام "الهيئة" بالعمالة

شجعت انتقادات زعيم "أنصار الدين" لـ "الهيئة" جهاديين آخرين لإعلان عدائهم لها، من بينهم الشرعي المنشق عنها، أبو شعيب المصري، الذي يتهمها بسلوك "طريق الاستسلام والسمسرة الإقليمية باعتبارها جزءاً من الجماعات الوظيفية في يد المنظومة الدولية بإحكام السيطرة على الوضع والعمل الجهادي".

وذهب فريق آخر من الجهاديين المنتقدين للدفع نحو اتخاذ زمام المبادرة، وعدم الاكتفاء بالرد على المجازر التي يرتكبها الروس والنظام وإنما استكمال عمليات التحرير وإشعال الجبهات.

ويدرك منتقدو تقاعس "الهيئة" أن انعدام الرغبة القتالية لدى بعض الفصائل، إضافة للإملاءات الخارجية، هي التي تقف وراء حملة التصعيد العسكري من قبل النظام وحلفائه على إدلب مؤخراً.

بينما ذهب "حزب التحرير- ولاية سوريا"، وهو حزب سلفي دعوي ينادي بالخلافة، إلى أبعد من مجرد اتهام "تحرير الشام" بالعمالة ودورها في تسليم المناطق تباعاً للنظام وحلفائه، إلى انتقاد الضامن التركي واتهام أنقرة بالتواطؤ مع الروس وتحميلها ما آلت إليه الأوضاع في إدلب.

 وقال رئيس المكتب الإعلامي في الحزب، أحمد عبد الوهاب، "إن التصعيد الروسي على مناطق المعارضة يتم بالتنسيق المباشر مع تركيا".

أضاف عبد الوهاب، في منشورات كتبها في قناة على موقع "تلغرام" في 27 من أيلول/سبتمبر الفائت، "لا يوجد خلاف بين الطرفين (الروس والأتراك) يريد كل طرف كسب جولة تفاوضية وفقاً لمصالحه الخاصة"، منتقداً استمرار الفصائل المحسوبة على المعارضة في حراسة الدوريات المشتركة، الروسية التركية، على جانبي طريق "إم 4" رغم فشل هذه الخطوة التي أفرزها اتفاق "سوتشي".

المواجهة مرهونة بمخرجات "سوتشي"

وعلى الرغم من الحملات التحريضية والانتقادات الحادة التي يشنها جهاديون على "تحرير الشام"، إلا أن تأثيرها محدود ويكاد يكون معدوماً بعد أن تمكنت الأخيرة من تدجين معظمهم والسيطرة على ما تبقى منهم إما بالترغيب أو الترهيب.

كما أن خطاب تحرير الشام "المتوازن" يبدو ناجحاً إلى حد كبير في إفشال أي محاولة للجهاديين لشق صفوفها أو إثارة الشارع المعارض ضدها، لكن تحرير الشام اليوم أمام تحدٍ جديد في ظل المعلومات التي تتحدث عن مقايضة مفترضة بين روسيا وتركيا من شأنها أن تغير خريطة السيطرة.

وفي هذا السياق، تكرر "الهيئة" نفي نيتها الانسحاب من منطقة جبل الزاوية وطريق حلب-اللاذقية، على الرغم من إدراكها أن هذه المنطقة غير مستقرة، ومرهونة بمخرجات "سوتشي".

وعن السيناريوهات المحتملة التي تنتظرها إدلب ومحيطها، تشير المعطيات على الأرض والأحاديث والتحليلات المتداولة، إلى أنه من المستبعد أن تتخذ "تحرير الشام" قرار المواجهة منفردة في حال اندلعت المعركة، أي إن كان هناك بالفعل صفقة روسية تركية مفترضة تقضي بالانسحاب من جبل الزاوية والطريق "إم 4"، غالباً سيكون موقفها مشابهاً لموقف الفصائل المعارضة، وفي المقابل يتوقع بأن يكون أداؤها مختلفاً في حال كان الموقف التركي داعماً للمقاومة، والتصدي لأي هجوم، عندها ستكون أمام فرصتها الذهبية لإثبات نفسها، وإبراز قدراتها العسكرية التي ما فتأت تروج لها منذ منتصف العام 2020، أي بعد أشهر قليلة من اتفاق وقف إطلاق النار.

يشار إلى أنه خلال العامين الماضيين، شهدت علاقة تحرير الشام بتركيا تقدماً ملحوظاً في الملفين الأمني والعسكري، وفي قطاع الخدمات والتعليم وغيرها، وباتت أكثر انفتاحاً على الفصائل التي تدعمها تركيا.

ويرى الباحث في الشأن السوري محمد السكري أن الهدف المباشر من التصعيد الروسي هو تطويع أنقرة والتوصل لصيغة تفاهم مشتركة تفضي إلى انسحاب المعارضة من جنوب الطريق "إم 4"، وهذا أمر وارد، ولكنه لن يكون من دون مقابل.

ويقول السكري، لموقع تلفزيون سوريا، ربما تقايض روسيا جنوب "إم4 " مع أنقرة مقابل تل رفعت أو عين العرب/كوباني أو طريق بري آمن يصل مناطق المعارضة في رأس العين وتل أبيض بعفرين والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة في ريف حلب.

ويضيف الباحث، في ظل هذه الظروف لا يمكن الجزم بأن تقوم "هيئة تحرير الشام" بالتمرد على الاتفاق أو الانصياع، ولكن في حال طلبت أنقرة منها الانسحاب على طول خط الطريق، قد تقاتل لحفظ ماء الوجه أمام الحاضنة الشعبية فقط، وبعدها تنسحب متذرعةً بمحدودية القدرات العسكرية للمعارضة كما جرت العادة في السابق.

وفي حال فشل أطراف "سوتشي" في التوصل إلى صيغة تفاهم، فمن المحتمل أن يقاوم المجلس العسكري، الذي شكلته أنقرة وتعتبر الهيئة جزءاً منه، أي محاولة اقتحام بالتنسيق مع تركيا، بحسب السكري.

إما في حال فرضت الظروف المواجهة العسكرية، هناك احتمال أن تكون العمليات العسكرية شبيهة بعملية "درع الربيع" التركية ووفق التكتيك نفسه للضغط على روسيا وإرغامها على إيقاف العمل العسكري، وهذا ممكن في حال استخدام تركيا للطائرات المسيّرة بيرقدار.

كما يبقى سيناريو التمرد من قبل التنظيمات الراديكالية المناهضة لسياسة الهيئة وارد جداً، ولكنه سيكون محدود التأثير بعدما جُردت من فعاليتها، بحسب الباحث محمد السكري.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار