icon
التغطية الحية

بسبب ارتفاع الدولار ودرجات الحرارة.. موجة غلاء جديدة تغزو الأسواق السورية

2025.08.19 | 04:49 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.19 | 05:06 دمشق

أحد المحال لبيع المواد الغذائية في سوق شعبي بدمشق (تلفزيون سوريا)
أحد المحال لبيع المواد الغذائية في "سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا - دمشق - بارعة جمعة
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تشهد الأسواق المحلية ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية الأساسية، مما يثير قلق المستهلكين خاصة مع ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية، ويطالب المواطنون بضوابط لحماية المستهلكين.
- يُعزى ارتفاع الأسعار إلى وقف استيراد بعض المواد، وارتفاع سعر الدولار، وتراجع الإنتاج الزراعي بسبب موجة الحر، مما يؤدي إلى تضخم يصعب كسره بالتدخل الإداري فقط.
- يتوقع الخبراء استمرار ارتفاع الأسعار، ويقترحون تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين الرقابة التموينية كحلول طويلة الأمد لتحقيق استقرار اقتصادي.

تشهد الأسواق المحلية ارتفاعاً ملحوظاً بأسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، حيث ارتفع ليتر زيت عباد الشمس من 16 ألفاً إلى نحو 19–20 ألف ليرة (أي ما يعادل 2 دولار أميركي)، وكيلو الرز المصري من 8 آلاف إلى 11–12 ألفاً، في حين تراوحت أسعار السمون بين 15 و20 في المئة حسب كل بائع، وسجلت أسعار البن والسكر والمنظفات زيادات متفاوتة.

تؤكد مصادر محلية لموقع "تلفزيون سوريا" وفرة المعروض في الأسواق، وتنفي شائعات نقص السلع، مع الإشارة إلى أن بعض الباعة يحاولون استغلال الخوف من ارتفاعات مستقبلية، لتصريف بضائعهم بأسعار أعلى.

يعرب عدد من المستهلكين، ممن التقاهم الموقع، عن مخاوفهم من استمرار ارتفاع الأسعار، خاصة إذا استمر الدولار بالارتفاع مقابل الليرة (بعد تخطيه حاجز ال 11 ألف ليرة سورية)، مطالبين الجهات المعنية بوضع ضوابط صارمة لضبط الأسواق وحماية المواطنين.

يُرجع بعضهم هذه الارتفاعات إلى سلسلة القرارات الأخيرة لوزارة الاقتصاد الصناعة السورية، بوقف استيراد الفروج المجمد اعتبارا من 15 آب/أغسطس الجاري، ومنع استيراد 20 مادة غذائية وزراعية خلال شهر آب/أغسطس الجاري، بالإضافة لوقف استيراد 15 صنفا من الخضار والفواكه الأساسية اعتباراً من بداية شهر أيلول/سبتمبر القادم.

أحد المحال لبيع المواد الغذائية في "سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)
أحد المحال لبيع المواد الغذائية في "سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)

الأسعار تلتهم زيادة الرواتب

اعتاد المواطن السوري الوقوف أمام سيناريوهات الارتفاع المترافقة مع أي زيادة في الرواتب، وأعرب العديد من السوريين عن استيائهم من الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية، التي تجاوزت قدرتهم الشرائية بشكل كبير.

تصف ربة المنزل سعاد الدالاتي (55 عاماً) من دمشق حال الأسواق بغير المستقرة، بالرغم من توفر المواد بوتيرة مستمرة.

وتقول سعاد، في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا": بعد ثبات نسبي للأسعار خلال الفترة الماضية وتعرض البلاد لموجة الحر الأخيرة، التهبت الأسواق بشكل مفاجئ، ما يجعل المواطن عاجزا عن استيعاب ما يحصل.  

ويشاطر محمود النابلسي (45 عاماً) أحد الباعة المفرق بسوق الشيخ محي الدين الدمشقي سعاد الرأي، واصفا حال التجار بغير السار لما يحمله سعر الصرف من مفاجآت يومية وارتفاعات لم تكن بالحسبان.

بالمقابل، يشكو الموظف معين العبد الله وهو مدرس في قطاع التربية من عدم الجدوى التي ترافق كل زيادة بالراتب، لما يلحقها من ارتفاعات غير مبررة.

ويضيف العبد الله، عادت المخاوف القديمة من احتكار السلع والمواد الأساسية، خاصة بعد قرارات وزارة الاقتصاد والصناعة الاخيرة، التي تعطي الحجج للتاجر لرفع أسعار من دون خوف أو رادع.

حرارة الدولار أشد من الطقس

ارتفعت الأسعار بوتيرة سريعة بفعل عاملين متزامنين هما: موجة الحر وصعود الدولار، وفق تحليل الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ريا، من جامعة طرطوس، مشيراً إلى أن "ارتفاع الدولار رفع كلفة الاستيراد والمواد الأولية والطاقة، بينما أدت موجة الحر إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف النقل والتخزين".

ويتساءل ريا، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، عن سبب الارتفاع هل هو تضخم أم فقدان قيمة العملة؟ شارحا مفهوم التضخم بانه ليس مجرد ارتفاع الأسعار، بل هو فقدان الليرة لوظيفتها كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل، ومع تراجع الثقة بها، يلجأ التجار والمستهلكون إلى التسعير بالدولار، ما يولد حلقة تضخمية يصعب كسرها بالتدخل الإداري فقط.

أحد المحال لبيع المواد الغذائية في "سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)
أحد المحال لبيع المواد الغذائية في "سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)

مقارنة إقليمية

يُشير الخبير الاقتصادي إلى أن سوريا تقع بين نموذجين إقليميين: في مصر ساعد التحرير التدريجي للجنيه والسياسات المشروطة من صندوق النقد على ضبط سعر الصرف، في حين لبنان غابت فيه المعالجات الجدية، ما أدى لانهيار الليرة وتضخم مفرط. وسوريا اليوم بينهما، مع إدارة نقدية عاجزة عن الإصلاح الجوهري، لكنها غير قادرة على كبح الانهيار بالوسائل الإدارية وحدها.

سيناريوهات الدولار أمام الليرة السورية

يعزو الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي من دمشق ارتفاع سعر صرف الدولار من 10,000 إلى 10,900 ليرة سورية (أو أي تغيير في السوق السوداء) إلى مجموعة عوامل مترابطة، أبرزها:

  • الركود الاقتصادي.
  • العجز في الموازنة العامة.
  • شحّ الاحتياطي الأجنبي.
  • غياب أثر الاستثمارات الخارجية.
  • استمرار العقوبات الغربية.
  • هيمنة السوق السوداء.
  • زيادة الطلب على الدولار: من قبل التجار والمواطنين كملاذ آمن، نتيجة لفقدان الثقة بالليرة.

توقعات سعر صرف الليرة

عن نطاق التوقعات بين عامي 2025 - 2026، يقول الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي: هناك سيناريو متشائم، قد يصل السعر إلى 15,000–20,000 ليرة للدولار، في حال استمرت العقوبات أو تراجعت التحويلات، والثاني: سيناريو مستقر نسبيا شرط تحسن التحويلات أو ظهور مساعدات، وهنا قد يتراوح السعر بين 12,000–14,000 ليرة، لكنه استقرار هش.

استراتيجيات الخروج من أزمة سعر الصرف

يرى الخبير الاقتصادي أن أزمة سعر الصرف في سوريا تجاوزت حدود المعالجات السطحية، وباتت بحاجة إلى سياسة نقدية متكاملة يتبناها مصرف سوريا المركزي بمرونة وشفافية أكبر، ترتكز على أدوات واقعية تتماشى مع طبيعة الاقتصاد المحلي وظروفه الراهنة.

ويضيف قوشجي: البداية تكمن في إعادة بناء الثقة بالليرة السورية عبر توحيد سعر الصرف وإلغاء التعدد الذي يغذي المضاربات ويقوض ثقة السوق.

من جهته، أوضح الخبير الاقتصادي سلمان ريا بأن الحل يتطلب تعزيز الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة الخفيفة لتقليل الاعتماد على المستوردات، وإعادة هيكلة السياسة النقدية من النهج الإداري إلى أدوات اقتصادية علمية، بما يشمل تحرير تدريجي للسعر وضبط السيولة وخلق بيئة تشجع على الثقة بالليرة.

أحد المحال لبيع المواد الغذائية في "سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)
"سوق الجمعة" الشعبي بحي الشيخ محي الدين بدمشق، 17 آب/أغسطس 2025 (تلفزيون سوريا)

الرقابة التموينة

يرى مواطنون أن غياب الرقابة الحقيقية سمح للتجار باستغلال المواسم ورفع الأسعار بشكل غير منطقي.

في حين، يؤكد مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق، غياث بكور، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" تسيير الدوريات التموينية لمراقبة الأسواق والفعاليات التجارية بشكل يومي، والتدقيق على الأسعار من خلال طلب الفواتير ومقارنتها بأسعار سوق الهال.

يوضح أنه في حال التحقق من وجود أي محل يبيع بسعر زائد أو يضبط بحيازة مواد فاسدة، سيتم إغلاقه وتشميعه فوراً كإجراء أولي من قبل المديرين.

ويشير بكور إلى أن المواد الأساسية مثل: الخبز والسكر والشاي، تخضع لرقابة يومية، ويتم تنظيم عشرات الضبوط يومياً بحق المخالفين، وبأن المخالفات متنوعة بين البيع بسعر زائد، بيع لحوم فاسدة، وعدم حيازة فواتير، ويتم إحالة جميع القضايا إلى اللجنة القضائية المختصة للبت بها.

"المحاصيل الزراعية بخير"

يرجع محمد العقاد، عضو لجنة سوق الهال بدمشق، سبب الارتفاع إلى قلة المياه وجفاف بعض الآبار لدى المزارعين، إلى جانب موجة الحر، التي أثرت مؤقتاً على وفرة الخضار والفواكه، مع توقعات بأن يبدأ التحسن في المعروض والأسعار، اعتباراً من شهر أيلول المقبل.

وأعرب العقاد، خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، عن تفاؤله بتحسن الواقع الزراعي في البلاد، بقوله: "زراعتنا بخير..  الفائض موجود.. والانفراج قريب".

وعن الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمحاصيل الصيفية، إثر موجة الحر الأخيرة وارتفاع أسعار الخضار والفواكه بنسبة 15 في المئة، أضاف عضو لجنة سوق الهال بدمشق: تراجعت الكميات الواردة بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المئة مقارنة بالأسبوع الماضي، نتيجة لجفاف مساحات كبيرة من الأراضي، ولا سيما تلك غير المروية بسبب شحّ المياه، ولا علاقة لذلك بسعر الصرف.

تحذيرات مستقبلية

تشير التوقعات إلى أنه في ظل استمرار التقلبات في سعر الصرف وغياب الاستقرار الواضح، من المرجح أن تستمر الأسعار بالصعود خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً للسلع المستوردة أو التي تعتمد بشدة على الدولار في مدخلاتها مثل: الزيوت والسكر والحمص والعدس.

مع الإشارة إلى أنه وإن لجأت الحكومة لتخفيض سعر الصرف الرسمي، فإن أثره قد يكون محدوداً، إذا لم يتبع ذلك بسياسات تحفيزية لزيادة العرض المحلي.

وكانت قد حذرت منظمة الغذاء العالمي من أن أكثر من 13.5 مليون سوري باتوا بحاجة لمساعدات غذائية، وهو رقم يكشف حجم المأساة التي يعيشها الشارع السوري اليوم.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، فإن أكثر من نصف السكان في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بسبب تفاقم الأوضاع الاقتصادية الهشة، واستمرار النزاع وتغير المناخ، رغم الانخفاض النسبي بأسعار المواد الغذائية.