icon
التغطية الحية

بروكينغز: كتابة الدستور بين بغداد ودمشق.. اختلاف السياق وتشابه المسار

2025.10.22 | 13:10 دمشق

آخر تحديث: 2025.10.22 | 13:12 دمشق

مركبات لقوات الأمن العراقية أثناء خروجها في عرض تحت قوس النصر بمناسبة عيد الاستقلال في الساحة الكبرى بالمنطقة الخضراء ببغداد - تاريخ الصورة: 3 تشرين الأول 2025
مركبات لقوات الأمن العراقية أثناء خروجها في عرض تحت قوس النصر بمناسبة عيد الاستقلال في الساحة الكبرى بالمنطقة الخضراء ببغداد - تاريخ الصورة: 3 تشرين الأول 2025
The Brookings- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- انتخبت سوريا لجنة لصياغة دستور دائم، مستفيدة من تجربة العراق في الفيدرالية لإدارة الانقسامات الداخلية والحفاظ على الوحدة، مع التركيز على السيادة الوطنية ومشاركة الشعب.
- تجربة العراق في الانتقال إلى نظام فيدرالي تقدم دروساً لسوريا، حيث نجح العراق في ضمان حقوق الكرد والشيعة، مما يعكس أهمية الفيدرالية في الحفاظ على وحدة الدولة.
- تواجه سوريا تحديات في تحقيق الفيدرالية، لكنها تقدم حلاً لتعزيز الهوية الثقافية والإدارة المحلية، مع ضرورة التعلم من العراق لتحقيق استقرار داخلي وإجماع شعبي.

في الخامس من تشرين الأول الجاري، انتخبت لجنة انتخابية عينها الرئيس السوري أحمد الشرع ثلثي أعضاء مجلس الشعب الذي سيصوغ الدستور الدائم للبلد في غضون سنتين ونصف. وقد تصادف في الشهر نفسه مرور الذكرى المئوية العشرين للاستفتاء على الدستور العراقي، ولهذا فإن الخطوط المتوازية بين العراق وسوريا، بما أنهما يشتركان بالتنوع العرقي والديني، وبماض مع حزب البعث، وبموقع جيوستراتيجي مهم، وبتجربة الصدمة بسبب العقوبات وتنظيم الدولة، تمثل فرصة مهمة بالنسبة لسوريا يمكنها من خلالها أن تتعلم من تجربة جارتها الشرقية. ولعل أهم الدروس المستفادة في هذا السياق الوعد بتحقيق الفيدرالية، ذلك النموذج الذي تبناه العراق ليدير انقساماته الداخلية وليحافظ على وحدته.

 

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بسوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المركز ومصادره، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

الدروس المستفادة من العراق.. من دستور مؤقت إلى دائم

في الخامس عشر من تشرين الأول لعام 2005 أجري الاستفتاء على الدستور في العراق والذي رسمت ملامحه طموحات وطنية خلال فترة الاحتلال، وعلى الرغم من أن الاستفتاء شابه الوجود العسكري الأميركي المتواصل في ذلك البلد، فإنه عبر عن محاولة عراقية لاستعادة سيادة البلد ولإقامة عقد اجتماعي قائم على المشاركة.

وكما هي حال سوريا اليوم، بقي العراق يعمل بدستور مؤقت، فقد وضع قانون الإدارة الانتقالية تحت سلطة بول بريمر الذي ترأس السلطة المؤقتة للتحالف الأميركي آنذاك. وقد اعتمد هذا القانون على ما قدمته المعارضة العراقية في المنفى، إلا أنه لم يعبر عن أصوات وطنية متنوعة في العراق، إذ كان من بين القادة العراقيين آية الله علي السيستاني والهيئات الدينية في النجف، والتي طالبت بعملية دستورية يقودها الشعب العراقي تتمخض عنها انتخابات لمجلس تمثيلي يعمل على صياغة الدستور ثم يقام استفتاء في عموم البلد لإقراره.

واليوم، يصوغ الشعب السوري دستوره من دون التدخل الأجنبي والعجلة التي يفرضها وجوده، إذ في الوقت الذي يتعين على الحكومة السورية استعادة سيادتها من أيدي فصائل منقسمة في الداخل، وأن تجابه الضغط الذي يمارسه داعموها الأجانب وكذلك الولايات المتحدة، نجد في ذلك ما يميزها عن العراق، ومع ذلك لابد أن يفاوض ويناقش الشعب السوري مسألة صياغة الدستور في سوريا، وأن يقوم بكتابه وشرعنته بنفسه.

صدّق الشرع على الإعلان الدستوري الذي يعتبر بمثابة دستور مؤقت والذي سيجري العمل به لخمس سنوات، وهذا الإعلان الدستوري يعبر عن رؤية الشرع لسوريا بعد سقوط البعث، ومن اللافت أن هذا الإعلان حافظ على مركزية الإسلام بالنسبة لهوية الدولة، ولم يتطرق لذكر الديمقراطية بتاتاً. ولهذا يتعين على الشعب السوري الذي حارب الاستبداد لمدة تجاوزت العقد أن يجعل دستوره الدائم يعبر عن آرائه ومصالحه المتنوعة، كما يجب أن يصدّق عليه بنفسه، وذلك لأن الانتخابات التي أجريت مؤخراً والتي تم بموجبها اختيار ثلثي مجلس الشعب السوري كانت بعيدة كل البعد عن الديمقراطية، لكونها استثنت السويداء والمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. وفي ظل هذا السياق، يجب على المجتمع المدني السوري الذي صقلته سنوات الغربة والمعارضة أن يصر على القيام بإجراءات مثل الاستفتاء وذلك لضمان مشاركة جميع أنحاء البلد، إلى جانب إضفاء الشرعية على الدستور.

الشرعية والتمثيل

من الصعب لوجستياً إجراء انتخابات عامة خلال المراحل الانتقالية التي يتخللها عنف، فقد أجرى الشعب العراقي انتخاباته في ظل هجمات انتحارية واضطرابات تحدث كل يوم، ولكنه بخلاف الشعب السوري اليوم، كان يتحرق شوقاً لمستقبل جديد بعيداً عن إجرام نظام البعث. ولذلك كانت نسبة المشاركة في انتخابات المجلس الذي كان من المزمع أن يقوم بصياغة الدستور، وفي الاستفتاء على الدستور، وفي انتخاب أول برلمان للبلد، عالية في العراق بشكل لافت، لذا لا بد من استغلال هذه الطاقة والحماسة الشعبية نظراً لكونها قصيرة الأمد كما أثبتت الحالة العراقية، إذ إن كل تلك الحماسة تتلاشى بمجرد ظهور صعوبات تكتنف عملية الانتقال السياسي.

ثم إن الحماسة الشعبية لصياغة دستور والتغيير الذي يمثله ذلك لم تكن قاسماً مشتركاً بين جميع شرائح المجتمع العراقي، فقد قاطعت قيادات سنية أول انتخابات أقيمت في البلد، والتي كان هدفها التصويت على هيئة تعمل على كتابة الدستور. وهكذا توجبت دعوة الممثلين السنة إلى هذا المجلس لضمان تمثيل هذه الفئة، وفي مرحلة لاحقة، صوتت المحافظات ذات الغالبية السنية ضد الدستور، بيد أنها لم تستطع أن تطيح به.

في تلك الأثناء، استفاد الكرد والشيعة بشكل كبير من الدستور الجديد، بما أنهما يمثلان الطرفين الرابحين من النظام الجديد الذي ظهر بعد عام 2003. فقد حظي الكرد الذين تمتعوا بحكم ذاتي منذ عام 1991 بميزة مهمة تتصل بتنظيمهم ونفوذهم، كما ضمنوا استقلالهم شبه الذاتي بنص الدستور من خلال التركيبة الفيدرالية الجديدة للدولة العراقية، وأيدت مساعيهم الغالبية الشيعية في العراق التي تحالفت مع الكرد بشكل وثيق خلال فترة معارضتهما للحكم. وبعد أن عاشوا ما عاشوه خلال عقود قمع حكم البعث، ذلك القمع الذي وصل إلى ذورته مع المجزرة التي وقعت في ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت الفيدرالية السبيل الوحيد لضمان مشاركة الكرد في الدولة العراقية الجديدة.

تحديات تواجه عملية التنفيذ

كانت الفيدرالية مصطلحاً جديداً على العراق، ولهذا اعترضت سبيل تنفيذها تحديات كثيرة على مدى سنين طويلة، وبما أن الأحزاب الكردية كانت الأفضل تنظيماً، لذا بدت الدولة العراقية الجديدة في بعض الفترات وكأنها مؤلفة من دولتين لا من كيان فيدرالي واحد، ولقد انتقد بعض العراقيين والعراقيات الدستور الذي جعل ذلك ممكناً، رغم أنه كان عليهم أن يثنوا عليه بعد أن حافظ على وحدة أراضي العراق. وفي عام 2017، حاولت كردستان العراق أن تجري استفتاء على استقلالها، غير أن الحكومة الفيدرالية في بغداد لم تقبل بذلك، فلجأت إلى الدستور لتناقش شرعية هذا الاستفتاء.

وعلى الرغم من تلك التحديات، أسهم الدستور العراقي بالمحافظة على حقوق الكرد، إذ حتى بعد الاستفتاء الذي أجري في عام 2017 والذي أضعف كردستان العراق أمام بغداد، حمى هذا الدستور الوضع الفيدرالي لذلك الإقليم ، وهكذا، سواء أقويت بغداد أم ضعفت، فإن هذا الدستور سيضمن سيادة الدولة وحقوق مكوناتها من الأفراد،  بحيث يساعدها على تجنب سيناريو الانفصال.

الوعد بالفيدرالية

تواجه سوريا اليوم التحدي نفسه المتمثل بصعوبة حكم دولة متنوعة عرقياً ودينياً خرجت لتوها من أتون حكم ديكتاتوري ضرب جذوره عميقاً في البلد. وكما كان الحال في العراق عام 2003، فإن كرد سوريا اليوم ظلوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم طوال فترة امتدت لأكثر من عقد حتى الآن، ولهذا سيكون من الصعب إقناعهم بالتنازل عن حقوقهم.

ينظر الشرع إلى تجربة العراق كقصة تنطوي على تحذير وهذا ما جعله يدعو لإقامة دولة مركزية في أكثر من مناسبة، وفي آذار من هذا العام، وقع مع قائد "قسد" مظلوم عبدي على اتفاقية ماتزال بانتظار التنفيذ، وتنص على دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري. وفي الوقت الذي تنازلت قسد عن سيطرتها على مناطق مختلطة من محافظة حلب، فإنها لم تنفذ هذه الاتفاقية في مناطق سيطرتها شمال شرقي سوريا. غير أن الإدارة الذاتية، والتي تعتبر الجهاز الإداري والسياسي الذي يدير شؤون المنطقة منذ اندلاع الحرب السورية، أوضتح بأن كرد سوريا يريدون حقوقهم لا الانفصال عن سوريا.

وفي اجتماع عقد مؤخراً بين مسؤولين سوريين وعبدي، جرى التأكيد على أن المفاوضات قد جمدت بسبب اختلاف التأويلات بالنسبة لمصطلح "اللامركزية"، وفي مقابلة أجريت مع الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد، والذي كان أحد المعارضين الكرد العراقيين السابقين لصدام حسين، أكد هذا الرجل على أن العراق يدعم التغيير في سوريا ويأمل بقيام عملية "دمقرطة" شاملة في هذا البلد، ولكن ينبغي على الشعب السوري أن يقرر شكل الإدارة في بلده، وهكذا فإن تصريحات رشيد تعكس نجاح نموذج الفيدرالية في العراق بصورة نسبية.

تحافظ الفيدرالية بصيغتها المثلى على الهوية الثقافية للإقليم، بينما تسمح بقيام حكم محلي أقوى وأجدى، وتتيح للحكومات المحلية إدارة عمليات إعادة الإعمار الخاصة بها وكذلك خدماتها الاجتماعية من دون أي حاجة للخضوع للمسؤولين الموجودين في العاصمة البعيدة عنهم. وبهذه الطريقة، تكفل الفيدرالية مساواة أكبر في الحياة وفي المواطنة للجميع.

خلق الدستور العراقي مجالاً لظهور أقاليم فيدرالية أخرى غير كردستان داخل العراق، فقد حاولت محافظة البصرة الواقعة في أقصى الجنوب مثلاً إلى جانب المحافظات التي تجاورها مباشرة، أن تشكل كياناً فيدرالياً لفترة من الزمن، إلا أنها لم تفلح في ذلك. ولهذا، يتعين على سوريا أن تتعلم من الحالة العراقية منذ البداية، وأن تجرب إقامة نظام فيدرالي موحد على كافة الأصعدة.

ثم إن الفيدرالية تحمل بين طياتها ثقلاً رمزياً كبيراً بالنسبة للجماعات المهمشة تاريخياً، ولهذا اعترف الدستور العراقي في مقدمته بتعدد الأعراق واللغات في هذا البلد، وجعل من اللغة الكردية لغة رسمية في العراق. وعلى الرغم من أن هذه التغييرات تبدو طفيفة، إلا أنها تعبر عن الالتزام بحالة وطنية جامعة حرم منها الشعب لعقود طويلة تحت حكم النزعة القومية العروبية التي تبناها حزب البعث. ويبدو الشرع ميالاً لتجاهل تلك اللفتات الرمزية، وخير دليل على ذلك القرار الأخير الصادر عن الرئاسة السورية والذي لم يعترف بعيد النوروز، أي عيد رأس السنة الكردية، كعطلة رسمية في سوريا.

على الرغم من تباين العراق وسوريا من حيث التركيبة السكانية، يمتاز كلا البلدين بتنوع عرقي وديني فضلاً عن أنهما يشتركان بتجارب متماثلة مع الحكم الاستبدادي البعثي، ولطالما وصف هذا التنوع في البلدين بأنه نقطة ضعف ودليل على وجود كيان دولة مصطنع، ولكن مع صعوبة مهمة بناء الدولة وصياغة مصطلح المواطنة بين أبناء وبنات شعب متنوع، فإن ذلك يأتي حاملاً بين طياته فرصاً عديدة، وقادة سوريا الذين شقوا طريقهم من ساحة الوغى إلى السلطة السياسية، يجب عليهم أن يدركوا بأن الدعم الدولي يأتي ويذهب، وبأن الاستقرار والانسجام الاجتماعي لن يتحقق في الداخل إلا عبر حالة إجماع داخلية، أي ينبغي على الشعب السوري التوصل إلى إجماع بخصوص مستقبل الدولة السورية، بحيث يتحول الدستور إلى تجسيد لهذا الإجماع والاتفاق، أما الفيدرالية، ففي حال تطبيقها على نحو صحيح، فإنها سترسم أمام الشعب السوري خير سبيل للمضي قدماً.

 

المصدر: The Brookings