براعة الفشل

تاريخ النشر: 18.01.2022 | 06:35 دمشق

في البدء كانت الثورة... وخرج السوريون والسوريات للاحتجاج على حالهم وللتعبير عن آمالهم وسعيهم للأفضل. وبعد البدء العفوي، وضحت ضرورة التنظّم والتنظيم، وبرزت ضرورة تولّي شخوصٍ دفّة القيادة، والتوجيه، والحشد، والتنظيم. كما ظهرت لدى "القوى" السياسية، على ضعفها البنيوي، الحاجة لكي يتراصّوا سياسيًا واضعين ـ ما ملكوا إليه سبيلاً ـ خلافاتهم المذهبية والعقائدية والطبقية في ثلاجة التأجيل بهدف التلاقي على مشتركات جرى التعارف كونيًا ـ من  دون أن يقوموا هم باختراع العجلة ـ أنها قابلة للتبني من قبل المختلفين. كما يُساعد تبنّيها على التعاضد لتحقيق هدف أو عدة أهداف مشتركة. لكنهم سرعان ما تنازعوا على القيادة، وعلى البروز السياسي أو الظهور الإعلامي، وعلى التمثيل في اللقاءات والندوات والمؤتمرات. لقد استفحلت نزاعاتهم على حساب تضحيات من ثار على أرض الحدث، وليس نظريًا، بتلقي الضربات تلو الضربات واستمرار المستبدين في تعزيز التحالفات مع قوى إقليمية ودولية تقتل وتدمّر. كما نجح هؤلاء في استنفاد قوى النضال السلمي بفرض اللجوء الى العنف. حينئذ جاء الغريب عربيًّا كان أم أجنبيًا لكي يمارس ما أوتي من حولٍ ومن ضغطٍ ليساعد على تفادي الخصام أو التخفيف من جرعته أو وضعه على الرف المائل الذي سرعان ما سيرمي به من جديد في ساحات الخلافات والصراعات.

على الرغم من معارضتهم له بشراسة، فقد حصروا معارضته بهدف الإحلال السياسي وليس الارتقاء الوطني

وحين برزت الحاجة لتطوير خطاب إعلامي مهني بعيد عن المبالغات وتصفية الحسابات يسعى إلى رفع مستوى المهنة التي تشوّهت طوال عقود الاستبداد، إما عبر اللغة ما قبل الخشبية أو من خلال الفساد والإفساد، وقع جزء ممن تصدّى لهذه العملية الحيوية في فخ الضعف التكويني أو في وحل المماحكات والصراعات. وعكس جزءٌ كبير من الخطاب الإعلامي المتبنّى، إما تعبيرًا عن فشلٍ في فهم مهمة الإعلام في مثل هذه الظروف، أو عن عقائد منبثقة من تكتلات سياسية لم تتمتع يومًا بديمقراطية زائدة عن تلك التي يدّعيها مستبدوهم. وتبيّن غالبًا بأنهم، وعلى الرغم من معارضتهم له بشراسة، فقد حصروا معارضته بهدف الإحلال السياسي وليس الارتقاء الوطني. حينئذ، جاء الأجنبي ليضع لهم استراتيجية إعلامية وينمي قدراتهم ويموّل مؤسساتهم ويطوّر أدواتهم. لكنهم سرعان ما تصرفوا بالتمويل سوءًا وتخلّوا عن الاستفادة من خبرات عملية متقدمة، وعادوا لتبني خطاب إعلامي من مدرسة "البعث" إلا فيمن رحم ربي.

في منقلب مختلف، دفعت تطورات الحدث إلى الحاجة الملحّة في تشكيل مجموعات متخصّصة للمشاركة إما فيما سُمّي بشكل خاطئ، بالمفاوضات مع الطرف الآخر، أو لتمثيل قوى الثورة ـ أو ما تبقى منها ـ في المحافل الدولية التي تعتمد لغة العلاقات الدولية بعيدًا عن السرديات الممجوجة والبكاء على الأطلال والتسابق على الشكوى الرجائية. كما فيما سبق، كان الفشل عنوانًا بارزًا في أعمّ المواقف ولم يتمكن أصحاب النيات الطيبة من إيجاد اختصاصيين، كلٌّ في حقله. حينذاك، جاء الأوروبي ليُنظّم دورات تدريبية على فن التفاوض في المطلق ـ وهو يختلف عن البكائيات وتصدير الحقوق ـ كما على فن التفاوض في كل ميدان ومجال بالتخصيص. وتميّز عددٌ ممن تابع هذه الدورات بميلٍ واضحٍ إلى التسوّق أو التسكّع في مدنٍ جميلةٍ مقابل وجود أعداد قليلة داخل قاعات التكوين. وعند توجيه اللوم والعتب، سيكون الردّ قاسيًا وساخرًا على مبدأ: نحن من علّمناهم ركوب الخيل وباريس مربط خيلنا (...).

التوثيق يحتاج إلى استغلال وإلا فستبقى الملفات تتراكم على مكاتب الموظفين الأمميين

وأخيرًا وليس آخرًا، وبعد تراكم عوامل الإحباط الناجم عن هزائم حقيقية أو أخرى متخيلة، جاء من يُبشّر، عن حق وبصدق، بأهمية إحياء ملفٍ جديدٍ / قديم، يعتمد فيما يعتمد على القانون والملاحقة الجنائية بحسب اختصاصات القضاء في كل بلد ديمقراطي وبحسب نوعية الجرائم التي تجري ملاحقة مرتكبيها بالاستناد إليها. جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو جرائم فردية ارتكبها أشخاصٌ استغلوا موقعهم العسكري أو الأمني ضمن آلية الاستبداد أساسًا كما في إطار الآليات التي واجهته عنفيًا والتي ارتكب بعض أفرادها، بمعزل عن سياسة ممنهجة كما الأولى، انتهاكات تُعاقب عليها قوانين البلاد المتقدمة. وقد قدّم السوريون عملاً هائلاً في إطار التوثيق اللازم لبدء المسارات القضائية مما دفع أحد كبار قضاة محكمة سيراليون الخاصة للقول بأن ما يحصل في سوريا هو من أكثر الأحداث توثيقًا في العصر الحديث. بالمقابل، فالتوثيق يحتاج إلى استغلال وإلا فستبقى الملفات تتراكم على مكاتب الموظفين الأمميين. وجاءت المحاكمات الفردية في هذا البلد الأوروبي أو ذاك، والتي تبنتها منظمات أوروبية بمساعدة صغرت أو كبرت من منظمات سورية، لتحقيق شيء من العدالة. لكن بعض السوريين، والتزامًا منه بنفس أسلوب المماحكات والمنافسات والصراعات المترسّخة، لم يجد ضيرًا في تبخيس المواقف وفي انتقاد الأداء وفي التشكيك في النتائج والأحكام.

صباح اليوم، هنأت صديقة قانونية ألمانية بعيد ميلادها، فأجابتني بأن عيدها كان منذ أيام مع صدور حكم القضاء الألماني بحق ضابط سوري مرتكب للانتهاكات. ابتسمت ألمًا ولم أنقل لها صدى أصوات من قفز على المناسبة لتصفية حسابات وللانتقام الذاتي، ترسيخًا لبراعة الفشل.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار