تسببت الحرب في سوريا بتشريد الأطفال من مقاعد الدراسة إلى الشوارع، وحوّلت أحلامهم باللعب واللهو والرقص وترديد الأغاني على الأراجيح إلى عمل قاسٍ في ورشات تصليح السيارات وبيع الخضار ونقل مواد البناء ونبش القمامة. لم يعد عمل الأطفال حالة استثنائية، بل أصبح ضرورة قاسية فرضتها ظروف الحرب والفقر على معظم العائلات.
على أحد أرصفة جديدة عرطوز بريف دمشق، يقف علي، طفل في الحادية عشرة من عمره، خلف بسطة صغيرة لبيع الخضروات. يريح جسده قليلاً على الرصيف ثم يعود للوقوف. ترك المدرسة في الصف الرابع، لكنه يتقن العمليات الحسابية ويحلم بامتلاك متجر كبير. يقول بصوت يحاول أن يبدو رجولياً: "أعمل في بيع الخضار لأعيل عائلتي.. أمي وأختاي الصغيرتان بعد وفاة أبي العام الماضي". ثم يختنق صوته بالحزن: "أبي مات بالسرطان، لم نستطع تأمين الجرعات اللازمة، فخسرناه.. ومنذ ذلك الوقت قررت أن أعمل ليلاً نهاراً لأساعد أمي وأصرف على أختي، وعندما أكبر سأفتح متجراً للخضار ينافس أكبر المتاجر".
عدي، طفل آخر لم يتجاوز العاشرة، يعمل في تعبئة المياه عبر الصهاريج. يحمل خرطوماً ثقيلاً يصعد به إلى أسطح الأبنية لتعبئة الخزانات. يقول: "أبدأ عملي من الخامسة صباحاً حتى الخامسة مساء. ننتظر في طابور طويل لتعبئة المياه ونوزعها على الزبائن في صحنايا. أتقاضى 10 آلاف ليرة يومياً وسندويشة فلافل، وبعض الزبائن يعطونني قطعة حلوى أو فاكهة أخبئها لأخي الصغير".
وعن التعليم، يوضح عدي: "أذهب إلى المدرسة صباحاً، وبعد الدوام أبدأ العمل، وفي أيام العطل أعمل من الصباح. نحن مهجّرون من المخيم ونسكن في بيت مستأجر، أنا وأمي وأبي نعمل ليل نهار لتأمين الإيجار والطعام فقط".
أطفال ينبشون القمامة في شوارع دمشق
في شوارع دمشق وريفها، يظهر أطفال آخرون ينبشون القمامة بحثاً عن الخبز اليابس، أو البلاستيك، أو ملابس قديمة ليبيعوها مقابل ثمن زهيد. لا يفكرون بالمخاطر الصحية التي قد تصيبهم من الأمراض الجلدية والهضمية والتنفسية، كل ما يشغلهم هو تأمين لقمة عيشهم اليومية.
تقول مديرة جمعية "علم ودفا" في صحنايا، إن الحرب والفقر هما السبب الأساسي في انتشار هذه الظاهرة. وتوضح أن الكثير من الأسر غير قادرة على تأمين أدنى مقومات الحياة لأطفالها، من طعام ولباس وتعليم، لذلك يضطرون لإرسال أطفالهم للعمل في مهن شاقة مثل تصليح السيارات، تعبئة المياه، نقل مواد البناء، أو توصيل الطلبات، وكلها أعمال لا تتطلب تعليماً بل جهداً جسدياً.
تضيف المديرة لموقع تلفزيون سوريا أن الجمعية تعمل على استهداف الأطفال المتسربين من المدارس وتعليمهم مجاناً، مع توزيع القرطاسية والملابس والمعونات للأسر المحتاجة. وتؤكد أن معظم الأطفال لديهم رغبة في العودة إلى المدارس، لكن الفقر يدفع الأهل إلى رفض الفكرة، مشيرة إلى أن النظام البائد أهمل الطفولة بشكل واضح، في ظل غياب تام لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتأمل أن يتحسن الوضع مع الوزارة الجديدة.
من جهتها، تؤكد "سميرة"، وهي مدرسة في الكسوة بريف دمشق، أن جيلاً كاملاً من الأطفال ضاع بسبب انقطاعهم عن التعليم. تقول إن هذه الظاهرة تهدد مستقبل المجتمع السوري، ولا توجد أي سياسات واضحة لمواجهتها. وتشدد على أهمية دعم الأسر الفقيرة وتعزيز التعليم، وتفعيل دور المنظمات الإنسانية المهتمة بالطفولة.
وتشير تقارير منظمة "يونيسيف" إلى أن أكثر من مليوني طفل سوري خارج المدارس، والكثير منهم مجبرون على العمل لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، وسط غياب الحلول الفعلية من الجهات الرسمية والمنظمات المعنية.
