وافق البرلمان الألماني (البوندستاغ) يوم الأربعاء على اقتراح تقدم به زعيم المعارضة الألمانية، فريدريش ميرتس، وهو أحد أبرز المرشحين لمنصب المستشار الاتحادي، يدعو إلى تغيير صارم في سياسة الهجرة واللجوء، ويشمل من بين أمور أخرى رفض طالبي اللجوء على الحدود.
ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، فإن الكتلة البرلمانية للحزبين المسيحيين (الاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، نجحت في الحصول على تأييد البرلمان الألماني لاقتراحها، بدعم من حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، والحزب "الديمقراطي الحر" (FDP).
وأظهرت نتائج التصويت، أن 75 نائباً من اليمين المتطرف قد صوّتوا لصالح هذا الاقتراح، في حين حصل الطلب على 348 صوتاً مؤيداً مقابل 344 صوتًا معارضًا، وامتنع 10 نواب عن التصويت، ولم يدلِ 31 نائبًا بأصواتهم.
ولم يمنح أي نائب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) أو حزب الخضر أو حزب اليسار صوته لصالح الطلب، بينما امتنع نواب "تحالف سارة فاغنكنشت" (BSW) عن التصويت.
كما تقدمت كتلة "الاتحاد المسيحي" بطلب آخر للتصويت، يتضمن مقترحات إصلاحية شاملة لتطبيق سياسة هجرة تقييدية ومنح سلطات إضافية للأجهزة الأمنية، لكنه لم يحصل على الأغلبية داخل البرلمان، حيث حصل على تأييد 190 عضواً، مقابل 509 آخرين صوتوا برفضه، في حين امتنع ثلاثة أعضاء عن التصويت.
تصاعد الجدل بشأن سياسة الهجرة واللجوء
ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية المبكرة التي ستجري في 23 من شباط المقبل، يتصاعد مرة أخرى الجدل الدائر منذ فترة طويلة حول تشديد سياسة الهجرة واللجوء.
وأثار ذلك سلسلة من الهجمات المميتة التي ارتكبها مشتبه بهم من أصول مهاجرة، كان آخرها حادثة تسببت في مقتل شخصين في مدينة أشافنبورغ جنوبي ألمانيا الأسبوع الماضي على يد مشتبه به أفغاني.
والآن يريد "الاتحاد المسيحي الديمقراطي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي" تشديد القوانين المتعلقة بالهجرة واللجوء قبل الانتخابات. وتشمل مقترحات "الاتحاد المسيحي" طرد جميع المهاجرين غير القانونيين من على حدود ألمانيا حتى ولو أعربوا عن سعيهم للجوء، وسحب الجنسية الألمانية من مزدوجي الجنسية المدانين بارتكاب جريمة جنائية خطيرة.
ما مضمون المقترحات التي قدمها "الاتحاد المسيحي" للتصويت؟
يتضمن الطلب الأول الذي وافق عليه البرلمان، فرض "رقابة دائمة على الحدود" مع الدول المجاورة، بالإضافة إلى "رفض جميع محاولات الدخول غير القانوني دون استثناء"، حتى لو كان الأمر يتعلق بطالبي اللجوء. كما يقترح أن يتم احتجاز كل من صدر بحقه قرار ترحيل "فوراً في السجن"، وأن تتم عمليات الترحيل "يومياً"، بما في ذلك إلى سوريا وأفغانستان.
ويطالب الحزبان (CDU/CSU) بفرض "الاحتجاز غير المحدود زمنياً" على المجرمين والأشخاص المصنفين كخطرين أمنياً، ويشمل الطلب منح الشرطة الاتحادية صلاحية التقدم مباشرة بطلبات اعتقال لترحيل الأشخاص أو وضعهم في الاحتجاز الإداري قبل ترحيلهم.
أما المقترح الثاني، الذي تم رفضه، فيدعو إلى "تغيير في سياسة الأمن الداخلي"، ويتضمن 27 مطلباً، أبرزها: "تعزيز صلاحيات الأجهزة الأمنية، مثل تخزين عناوين IP لمدة ثلاثة أشهر، وتوسيع استخدام تقنية التعرف على الوجوه إلكترونيا".
كما يدعو إلى فرض قيود إضافية على الهجرة، منها إيقاف لمّ شمل العائلات للأشخاص الحاصلين على حماية فرعية. ومن المقرر أن تتقدم المجموعة البرلمانية للاتحاد تقديم هذا المقترح الذي تم رفضه، للتصويت عليه في البرلمان الألماني يوم الجمعة.
انقسام يصب في صالح اليمين المتطرف
وأدت المقترحات التي قدمها مرشح "الاتحاد المسيحي"، فريدريتش ميرتس، إلى انقسام ما يُعرف بأحزاب الوسط الديمقراطي، ليست لأنها فقط مثيرة للجدل، بل لأن ميرتس منذ أن أعلن عنها، صرّح بألا فرق عنده من سيوافق على الاقتراحات في البرلمان، أي عدم استبعاده الاستعانة بأصوات حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف من أجل تمرير المقترحات إذا لزم الأمر.
وقد اتهم كل من "الحزب الاشتراكي الديمقراطي" و"الخضر"، اللذين يديران حالياً حكومة أقلية، ميرتس بإحضار حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى التيار الرئيسي، معتبرين أن عدداً من مقترحاته من شأنها أن تنتهك الدستور الألماني وقانون الاتحاد الأوروبي.
وكان المستشار الألماني أولاف شولتس من (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) قد حذر مسبقاً من تمرير مقترحات بأصوات حزب "البديل"، ورفض حزبه إلى جانب "الخضر" و"اليسار" الاقتراح مسبقاً، مما يعني أنه لم تكن هذه المقترحات ستحظى بالأغلبية دون أصوات حزب البديل.
وقال شولتس في بيانه الحكومي مخاطباً ميرتس "أنت تقبل علناً دعم حزب البديل من أجل ألمانيا لمقترحاتك غير القانونية".
كما تكهّن شولتس بأن "الاتحاد المسيحي" قد يشكل تحالفاً مع حزب "البديل" بعد الانتخابات، وهو ما رفضه ميرتس بشدة، واصفاً هذا الادعاء بأنه "وضيع ومغرض"، مؤكداً أنه "سأفعل كل ما بوسعي لمنع ذلك".
ورغم ذلك، شدد ميرتس على أنه لا يمانع قبول دعم "البديل" لتمرير مقترحاته، مشيراً إلى أنه يفضل ذلك على أن "يبقى عاجزاً عن مشاهدة مواطني بلاده وهم يتعرضون للتهديد والاعتداء والقتل".
من جانبه، احتفل حزب "البديل" اليميني بنتيجة التصويت في البوندستاغ، ووصف بيرند باومان، المدير البرلماني الأول لكتلة الحزب في البرلمان الحدث بأنه "لحظة تاريخية"، وقال إن "ما حدث يمثل حركة مضادة ضد التيار اليساري الأخضر السائد في جميع الدول الغربية، والتي وصلت الآن إلى ألمانيا".
وأضاف باومان أن "هذا يعني نهاية الهيمنة الحمراء-الخضراء في ألمانيا (يقصد الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر) إلى الأبد، ومن هنا والآن تبدأ حقبة جديدة، ونحن من يقودها".
"يوم أسود للديمقراطية"
بعد إعلان نتيجة التصويت، قدم رئيس الكتلة البرلمانية للحزب "الاشتراكي الديمقراطي"، رولف موتسنيش، طلباً لوقف الجلسة مؤقتاً، مشدداً على أنه "لا يمكن ببساطة متابعة جدول الأعمال كالمعتاد بعد تصويت كهذا"، وأضاف أن الاتحاد المسيحي قد خرج عن الوسط السياسي لهذا البرلمان.
ووصف حزب "الخضر" ما حدث بأنه "يوم أسود للديمقراطية". وقالت كاترينا دروغه، الرئيسة المشاركة للكتلة البرلمانية للحزب "تروننا اليوم في حالة صدمة كبيرة"، مشيرة إلى أن "الطلب حصل على الأغلبية، فقط لأن كتلة يمينية متطرفة صوتت لصالحه".
واعتبرت دروغه أن هذا التصويت تم عن "وعي كامل"، وأنه من صنع فريدريش ميرتس. مضيفةً أنه "نحتاج إلى التزام واضح منه بأنه لن يكرر ذلك في المستقبل"، وذلك خلال اجتماع طارئ عقدته كتلة حزبها البرلمانية.
ومساء أمس الأربعاء، تجمع مئات الأشخاص أمام المقر الرئيسي لحزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" في برلين في مظاهرة احتجاجية، اعتراضاً على التصويت المشترك مع حزب "البديل من أجل ألمانيا".
وبحسب صحيفة "دير شبيغل" فإن تنظيم التظاهرة جاء بدعوة من منظمة "العفو الدولية" ومنظمة "سيبروكه" ومنظمات أخرى، وذلك تحت شعار "جدار ناري بدلًا من إشعال الحرائق".