بايدن يرسم ملامح سياسته في سوريا ويرمي الكرة بملعب "الأسد"

تاريخ النشر: 09.05.2021 | 07:16 دمشق

قبل 18 يوماً فقط من موعد تنظيم الانتخابات الرئاسية في سوريا من جانب نظام الأسد، يتخذ الرئيس الأميركي جون بايدن، قراره الأوّل حيال الملف السوري، ليعلن في رسالة وجّهها إلى مجلس الشيوخ عن تمديد حالة الطوارئ الخاصة بسوريا، ويؤكد في الوقت نفسه أن تصرفات النظام وسياساته، تُشكّل تهديداً غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة.

وتأتي تصريحات "بايدن" في وقت تستعد فيه روسيا لتسهيل عملية الانتخابات في سوريا، ووسط جهود كبيرة تبذلها لإقناع عدة دول خليجية، بضرورة التطبيع مع النظام، وإعادة العلاقات معه، كما أنها جاءت لتدعم ما ورد في البيان الختامي لاجتماع "مجموعة السبع"، الأسبوع الماضي، الذي دان بوضوح الفظائع التي يرتكبها النظام وداعموه ضد الشعب السوري، ومحاولاته عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

تلك التصريحات كانت واحدة من ثلاث رسائل ضغط على النظام وحليفتيه روسيا وإيران، خلال أسبوع واحد، إذ ذكرت وزارة الدفاع الأميركية أنّ روسيا انتهكت الاتفاقيات الخاصة بمنع الاشتباك بين الطرفين في شمال شرقي سوريا، وأنها حاولت الحد من حركة قوات التحالف الدولي في المنطقة، يضاف إلى ذلك، اتهام واشنطن للنظام بتنفيذ 50 هجوماً على الأقل بالأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري، منذ عام 2011.

 

تمديد حالة الطوارئ.. ما الأهمية؟

تمديد حالة الطوارئ الخاصة بسوريا من قبل الولايات المتحدة، يسمح للأخيرة بمواصلة تجميد ممتلكات وأصول عدد من الأشخاص المرتبطين بنظام الأسد، إضافة لمواصلة حظر تصدير بعض السلع إلى سوريا.

وقال "بايدن" إنّ الأسباب التي دفعته للتمديد تكمن في أن تصرفات نظام الأسد وسياساته، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية، ودعم المنظمات الإرهابية يُشكّل تهديداً للولايات المتحدة.

وتركت رسالة "بايدن" الباب مفتوحاً أمام النظام لتغيير سلوكه، حيث أوضحت أن استمرار حالة الطوارئ في المستقبل أو انتهاءها، مرتبط بنظرة واشنطن في التغييرات بسياسات حكومة النظام وإجراءاتها.

وحالة الطوارئ في أميركا، حق يمنحه الكونغرس للسلطة التنفيذية في البلاد، بما فيها الرئيس، للتعامل مع الأزمات التي تهدد الولايات المتحدة بسرعة وحزم، ومن الواجبات المفروضة على الرئيس أن يبلغ الكونغرس دورياً بمستجدات الأزمة، التي أُعلنت حالة الطوارئ لأجلها، ولضمان قبول الكونغرس بسريان هذه الحالة، يتعين على الرئيس إثبات وجود تهديدات غير طبيعية وخطيرة على الأمن القومي والمصالح الأميركية.

وتعليقاً على قرار "بايدن"، ذكر الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، رضوان زيادة، أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي، أتت في سياق تجديد إعلان حالة الطوارئ الوطنية الخاصة بسوريا، وهو إعلان سنوي يقوم به الرئيس لمنحه صلاحيات أوسع.

وقال "زيادة" خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا إنّ التصريحات وتمديد حالة الطوارئ في آن معاً، لم تأت بجديد في الموقف الأميركي حول سوريا، ولكن ربما يفهم من التوقيت أنها رسالة مضادة لعمليات التطبيع مع نظام الأسد.

وتركز الإدارة الأميركية في الوقت الحالي على ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا، بحسب "زيادة"، وبالتالي تجديد قرار مجلس الأمن الشهر المقبل، والذي يسمح باستمرار دخول تلك المساعدات عن طريق معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.

 

بايدن يترك الباب مفتوحاً أمام النظام

مضى أكثر من 100 يوم على تسلم إدارة "بايدن" للسلطة في الولايات المتحدة، ولم تظهر واشنطن حتى الآن سياسة واضحة تجاه سوريا، وكانت غالب التصريحات الصادرة عن مسؤولي الخارجية، وممثلي الولايات المتحدة في مجلس الأمن تحث على استمرار دخول المساعدات إلى سوريا، وتطبيق الحل السياسي وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254.

وأوضح المحلل السياسي المختص بالشأن الأميركي، جو معكرون، أن القرار المتخد من قبل "بايدن" يأتي ضمن إطار إداري روتيني لتمديد العقوبات الأميركية على نظام الأسد لعام إضافي، وبالتالي لا يحمل دلالات كبيرة.

ولا يبدو الملف السوري أولوية حتى الآن بالنسبة لإدارة "بايدن"، وفق رؤية "معكرون"، الذي قال لموقع تلفزيون سوريا إنّ اللهجة الحادة نسبياً لـ"بايدن" لا تعكس بالضرورة تشدداً في الموقف، وعلى العكس، فإن إدارة "بايدن" في قرار تمديد حالة الطوارئ تترك الباب مفتوحاً لرفع العقوبات عن النظام في حال كان هناك تغيير جدي في سلوكه ضمن سياق تسوية لإنهاء النزاع السوري.

 

هل يرتبط إجراء بايدن بالتحركات التطبيعية مع النظام؟

تسعى عدة دول عربية لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، منها علناً مثل سلطنة عمان التي عيّنت سفيراً لها في دمشق، وأخرى سراً.

وربط مراقبون بين الأنباء التي نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية مؤخراً عن لقاء استخباري بين السعودية ونظام الأسد في دمشق، وبين تصريحات بايدن الشديدة اللهجة تجاه النظام، إذ اعتبروها إشارة تحذيرية واضحة من التقارب أو التعاون مع النظام.

وأوردت الصحيفة البريطانية أن رئيس المخابرات السعودية اللواء خالد الحميدان التقى بمستشار رئيس نظام الأسد للشؤون الأمنية علي مملوك في دمشق، وناقشا إمكانية بدء تطبيع العلاقات بعد عيد الفطر، لكن مدير إدارة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية السعودية، رائد قرملي، قال لوكالة "رويترز" إن هذه الأنباء "غير دقيقة"، مضيفاً أن السياسة السعودية تجاه سوريا ما تزال قائمة على دعم الشعب السوري، وحل سياسي تحت مظلة الأمم المتحدة ووفق قرارات مجلس الأمن.

وحول هذه الجزئية، يرى المحلل "معكرون" أنّ إدارة "بايدن" لا تشجع الانفتاح الخليجي على نظام الأسد، كما لا تحاول اعتراضه في نفس الوقت، موضحاً أن قرار تمديد العقوبات غير مرتبط بهذا الانفتاح الخليجي.

 

السياسة الأميركية قيد التبلور

أشار "معكرون" إلى أن السياسة الأميركية تجاه سوريا لم تتبلور حتى الآن، لكنها ستتضح مع صياغة علاقات إدارة بايدن مع القوى الخارجية المؤثرة في الملف السوري، لا سيما روسيا وتركيا.

وأضاف أن الملف السوري ليس ضمن أولويات إدارة بايدن، وفي النهاية ستعود إلى محاولات الضغط الدبلوماسي للعثور على تسوية للملف، ما يعني أن الجمود في السياسة الأميركية في سوريا سيستمر حتى تتضح مقاربتها للمنطقة بشكل عام، ومن المتوقع أن تبدأ بعض ملامح هذه السياسة بالظهور بحلول نهاية العام الحالي.

 

دعم المعارضة وسيلة للضغط على النظام

وصف الباحث في الشأن الأميركي عمرو السراج الموقف الأميركي من سوريا بـ الواضح والثابت، حيث يعدّ الأميركان نظام الأسد عدواً لهم، وأنه لا بد أن يقوم الأخير بإجراء تغييرات جذرية من أجل التطبيع معه.

وقال "السراج" لموقع تلفزيون سوريا: "موضوع سوريا محسوم بالنسبة للولايات المتحدة، ولا أرى أن إدارة بايدن ستعمل على التطبيع مع النظام، وهو حال الدول الأوروبية أيضاً، وفي الوقت نفسه لا أتوقع أن تصعد إدارة بايدن عسكرياً ضد النظام".

ورجح أن يكون التصعيد على شكل زيادة في الدعم للمعارضة السورية، سواء مؤسسات المعارضة السياسية أو المجتمع المدني، مع نهاية العام الجاري، لكن التخوّف الوحيد من تعاطي واشنطن مع الملف السوري - بحسب السراج - هو علاقة الولايات المتحدة مع تركيا، كون الخلاف بينهما يؤثر على شكل الدعم للمعارضة السورية.

 

خمسة أفخاخ خطيرة تواجه بايدن في سوريا

حذر "معهد دراسات الحرب" في واشنطن، الرئيس الأميركي جو بايدن، الأسبوع الماضي، من الوقوع بخمسة أفخاخ خطيرة، في أثناء إعادة إدارته لصياغة سياستها في سوريا، أكبرها الفخاخ التي تنصبها روسيا، وهي قبول التطبيع مع نظام الأسد، مقابل روايات مضلّلة تروّج لها موسكو، مثل انتهاء الحرب، وحماية الأقليات، والمساعدة في ملفي عودة اللاجئين وإعادة الإعمار في حال رفع العقوبات الاقتصادية عن نظام الأسد.

وذكر المعهد في دراسة له، أن التطبيع مع النظام، سيقود إلى حملة انتقامية ضد المعارضين، وسيحكم على مزيد من السوريين بالاعتقال والتعذيب والإعدام، ممّا سيغذّي موجة تجنيد جديدة من قبل الجماعات المتشددة، وسيجعل أزمة اللاجئين دائمة.

وأشار إلى ضرورة عدم انسحاب القوات الأميركية من سوريا، لأن ذلك من شأنه أن يزيد من خطر اتساع الحرب التركية مع حزب "العمال الكردستاني" (PKK)، ويمهّد الطريق لاستغلال إيران وروسيا، للانسحاب الأميركي للحصول على مواقع استراتيجية غنية بالموارد الطبيعية.