بايدن: رئيس مقتدر أم مجرد خيال لرئيس سابق؟

تاريخ النشر: 28.01.2021 | 00:15 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2021 | 12:11 دمشق

تتربع السياسة على قمة المهن المعقدة والتي يعتبر فك شيفرتها وطلاسمها قضية بالغة الصعوبة، لا يجيدها إلا قلة؛ من خلال وضع البرامج والتصورات لتحقيق الإنجازات لبلادهم، تخلد ذكراهم في وجدان شعوبهم وتضع أوطانهم في مصاف القمة.

 تقود أميركا العالم منذ عقود، اعتمدت على قادة أفذاذ أمثال جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وإبراهام لينكولن وتيودر روزفلت منذ تأسيسها عام 1776؛ لكنها حاليا أمام منعطف هام في تاريخها وأمامها تحديات لاستمرار قيادتها للعالم أمام دول طامحة أمثال الصين وروسيا وألمانيا، فترة بايدن هامة على صعيد إعادة الهيبة والتعامل مع الدول الطامحة دوليا وإقليميا والملفات الشائكة مثل الصحة والمناخ والنووي الإيراني.

يتكلم كثير من المحللين السياسيين عن توقعاتهم لمرحلة بايدن ذي الجذور الإيرلندية؛ ثاني شخصية كاثوليكية تشغل الرئاسة بعد كيندي، ذهب الغالبية وبشكل متسرع إلى توصيف فترته بأنها نسخة ثالثة عن حكم أوباما بسبب شغله موقع النائب له لفترتين وعدم بروزه أمام شخصية أوباما الطاغية؛ مما جعل السوريين يتخوفون منه، فلم تعد أوضاعهم تتحمل المزيد من التجاهل وإبرام الصفقات على حساب ثورتهم.

هل بايدن نسخة مكررة عن أوباما؟

للقيام بتحليل دقيق لتلك الفرضية، إقرارها أو نقضها، نحتاج إلى دراسة تاريخ الرجل منذ دخوله إلى عالم السياسة، ودراسة شخصيته، والمحطات الرئيسية في حياته، والقرارات التي شارك بها، والفريق الذي قام باختياره، حتى نستطيع الوصول إلى تصور منطقي بعيدا عن العواطف أو التسرع في إطلاق الأحكام.

 بدأ بايدن بممارسة السياسة بالتزامن مع انقلاب حافظ الأسد على الحكم عام 1970؛ أي: لم يكن يتجاوز عمره حينها 28 عاما، بوصفه عضوا محليا في ولاية ديلاوير التي انتقلت إليها عائلته ولم يتجـاوز العاشـرة؛ تعتبـر ولايـة "ديلاوير" ثاني أصغر ولاية في أميركا بعد "رود آيلاند" والتي لا يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة ومساحتها قرابة نصف مساحة لبنان، طموحه دفعه إلى الترشح لمجلس الشيوخ والفوز عن ولايته ليعتبر سادس أصغر سيناتور في تاريخ مجلس الشيوخ؛ يعتبر بايدن شخصية ديمقراطية مركبة فهو يجمع بين الليبرالية على صعيد الحقوق المدنية والحريات والرعاية الصحية والمحافظة على صعيد الإجهاض والتجنيد العسكري؛ استمر في مجلس الشيوخ لستة فترات حتى عام 2009، شغل خلالها موقع رئيس لجنة العلاقات الخارجية والقضائية، وأقر قوانين حازمة على صعيد مكافحة الجريمة والمخدرات والعنف ضد المرأة، سعى للترشح للرئاسة مرتين؛ عام 1988 ولم يتجاوز عمره حينها "46 عاما"، وعام 2008 في الأدوار التمهيدية أمام أوباما، مما سبق يتبين لنا أنه يمتلك خبرة متراكمة شهدت أحداثا كبيرة شارك بها بوصفه شخصية فاعلة مثل توسع الناتو شرق أوروبا وحرب البوسنة والهرسك وأيضا التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان وأحداث الربيع العربي، كل تلك المشاركات كانت من موقع الشخصية الفاعلة في المشهد السياسي.

تعرض بايدن خلال مسيرته الحافلة لمطبات كبيرة استطاع تجاوزها بل عاد أكثر قوة، مثل وفاة زوجته الأولى وابنته ناعومي بالتزامن مع انتخابه لمجلس الشيوخ، وفي عام 2015 توفي ابنه "بو" المدعي العام في ولاية ديلاوير بعد إصابته بورم في المخ.

بدأ بايدن بممارسة السياسة بالتزامن مع انقلاب حافظ الأسد على الحكم عام 1970؛ أي: لم يكن يتجاوز عمره حينها 28 عاما، بوصفه عضوا محليا في ولاية ديلاوير

فريق بايدن

أما إذا انتقلنا إلى فريقه المشكل حديثا، والذي يدل على نمط تفكيره؛ فهو اختار كامالا هاريس بوصفها أول امرأة تشغل موقع نائب الرئيس ذات أصول أفروآسيوية مما يقلق الصين، من ولاية كاليفورنيا والتي مثلتها في مجلس الشيوخ عام 2017، ولوضع مقاربة أداء بايدن على صعيد الملف السوري؛ سوف نركز في فريقه المساعد له في المشهد السياسي الخارجي، ونبدأ بوزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي انخرط في العمل السياسي مبكرا مع الرئيس كلينتون عام 1993 فعمل مساعدا خاصا له وكاتبا لخطاباته، ثم عمل مع بايدن لفترة طويلة فشغل موقع مدير الموظفين في لجنة العلاقات الخارجية ولاحقا مستشاره للأمن القومي، ثم نائب مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما بين 2013 - 2015، ثم نائب وزير الخارجية جون كيري 2015 – 2017، اصطدم خلال تلك الفترة مع أوباما بخصوص تجاوزه للخطوط الحمراء في الملف السوري عند استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة واعتبره تقويضا للمصداقية الأميركية، يعتبر مرحلة أوباما شهدت فشلا في التعامل مع نظام الأسد، كما أنه مؤمن بالديمقراطية بشكل أيديولوجي، ويرى ضرورة العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني من منطلق جديد بحيث تشمل الصواريخ الباليستية، ننتقل إلى "جيك سوليفان" مستشار الأمن القومي، ويعتبر أصغر من شغل هذا الموقع منذ ستين عاما، يبلغ 44 عاماً، وهذا المنصب شغلته شخصيات تاريخية مثل كيسنجر وبريجنسكي، وقدوته هاري ترومان الذي استخدم القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي، شغل موقع كبير المخططين الاستراتيجيين في وزارة الخارجية فترة هيلاري كلينتون، ساهم بشكل فاعل في الاتفاق النووي الإيراني، أمّا وزير الدفاع المختار فهو "لويد أوستن" المتقاعد حديثا من الجيش الأميركي ممّا اضطره إلى أخذ استثناء عليه إذ لم يمض عليه فترة السبع سنوات المشروطة لقبول عمل العسكريين في السياسة؛ شغل أوستن موقع قائد القيادة المركزية الأميركية حتى عام 2016 والتي مقرها في ولاية فلوريدا، وقاعدة العديد في قطر والتي تشمل الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وأجزاء من آسيا تصل الى أفغانستان، وهو من قاد العملية العسكرية في العراق 2003 ويعتبر مهندس الحملة على داعش مما يجعله مطلعا على الأوضاع في المنطقة عن كثب، بل مشاركا رئيسا في هندستها.

بالإضافة إلى تلك الشخصيات الفاعلة في المشهد السياسي الأميركي في فريق بايدن هناك شخصيات هامة مثل: "وليام بيرنز" نائب وزير الخارجية السابق حتى عام 2014 الذي سوف يشغل موقع مدير وكالة المخابرات المركزية، عمل بيرنز سفيرا في الأردن وروسيا وألف كتابا عن مصر ويتقن اللغات العربية والروسية والفرنسية، وأيضاً: "ليندا توماس غرينفيلد" السفيرة في الأمم المتحدة فهي تؤمن بقوة اللطف والرحمة من أجل تحقيق عالم أفضل، وهناك شخصية أخرى هي "أفريل هاينز" التي ستقود الاستخبارات الوطنية، وكانت قد عملت مع بايدن في مجلس الشيوخ، ثم مستشارة في البيت الأبيض في فترة أوباما، وشغلت موقع نائب مدير وكالة الاستخبارات عام 2015 بوصفها أول امرأة تشغل هذا المنصب.

من خلال استعراض تاريخ بايدن، وتحليل الشخصيات المختارة بعناية فائقة، والمتميزة بتنوع الخلفيات، وجميعها تتمتع بتأهيل علمي مرتفع، تخرجت في أرفع الجامعات العالمية، ولديها اطلاع مباشر ودقيق على الأوضاع في المنطقة؛ معظمهم عملوا معه بشكل شخصي سواء في مجلس الشيوخ أو في البيت الأبيض، بل الغالبية تم ترشيحهم لأوباما بسبب قلة خبرته في الشق السياسي قبل مجيئه إلى الرئاسة، على عكس بايدن الذي تدرج سياسيا وامتلك الطموح والإرادة والمعرفة مما جعل وصوله إلى الرئاسة تتويجا طبيعيا لتاريخه الحافل، وتبقى أهم نقاط ضعفه اقترابه من الثمانين، فهل يبقى محتفظا بحيويته ولياقته حتى آخر فترته؟.

  

الفرصة الأخيرة

أمام المعارضة السورية تحدّ كبير في كيفية التعامل مع مرحلة بايدن، خاصة بعد التغييرات الطارئة في هيئة التفاوض واستعصاء اللجنة الدستورية، واقتراب "قسد" من منصة موسكو المرتبطة بروسيا سياسيا، وهذا بالذات ما حذر منه بلينكن تركيا وقال: إنَّ عليها حسم خياراتها، فكيف سيكون الموقف من قسد؟ أيضاً هناك تخوف من أن يتم إنجاز اتفاق جديد بالملف النووي الإيراني مرة أخرى على حساب ملف الثورة السورية.

المعارضة السورية أمامها تحديات جديدة، وأمامها كذلك فرص كبيرة خلال عام 2021 يمكن أن تكون آخر الفرص ولا تتكرر ثانية، إن لم يحسنوا التعامل معها ويرتقوا إلى مستوى التضحيات التي قدمها السوريون خلال عقد كامل يعتبر من أقسى وأصعب ما مر على السوريين في تاريخهم المعاصر، وإذا لم يتم تجاوز هذه المرحلة الحرجة والمفصلية من عمر الثورة السورية باقتدار؟ وإذا لم تعمل المعارضة على تنظيم صفوفها وجعل هدفها الوحيد إسقاط نظام الأسد؟ فسيفشلون! وهذه المرة سيسقطهم الشعب السوري إلى غير رجعة.