بانتظار استكمال صفقة تسليم الرفات.. الأسرار بدأت بالتكشّف

بانتظار استكمال صفقة تسليم الرفات.. الأسرار بدأت بالتكشّف

الصورة
11 نيسان 2019

منير الربيع

كاتب وصحفي لبناني

على مدى سنوات الثورة وسحقها، عمل بشار الأسد على تعرية سوريا. عرّى المجتمع السوري والجغرافيا، واستدعاؤه لكل أنواع القوى العسكرية للدفاع عن نظامه، أسهم في تعرية سوريا الدولة والقضاء على مفهوم السيادة. والآن ينتقل الأسد إلى مرحلة جديدة ليست إلا استكمالاً لمرحلة التعرية الأولى فيعرّي نفسه. الضياع الذي عاشه النظام السوري في تعاطيه مع تسليم رفات الجندي الإسرائيلي من قبل الروس للإسرائيليين، يشير إلى عمق الأزمة التي يعيشها النظام مع نفسه. فهو الذي يدّعي انتصاراً غير قادر على التحكم بإدارة شبر واحد على أرض سوريا.

تتحكم بسوريا مجموعة قوى خارجية متعارضة ومتناقضة، بينما الأسد يكتفي بالتقاط الخيوط والتشبيك مع مختلف هذه القوى للحفاظ على بقائه في الصورة ليس أكثر.

 

في حملته الشرسة ومجازره التي ارتكبها بحق الشعب لوأد الثورة السورية، لجأ الأسد إلى استخدام شعار حماية السيادة السورية، واتهم معارضيه بأنهم تابعون للخارج. لكن مجريات الأحداث، تؤكد أن الأسد هو الذي قضى على السيادة السورية، باستدعائه كل هذه الجحافل الخارجية التي عاثت فساداً وخراباً وتهجيراً ودماراً في سوريا. بينما هو بقي على كل هذه الأشلاء، وفيما يهمّ لإعلان الانتصار، تأتيه الصفعات من القوى التي ارتكز عليها لتعرية نفسه، فتارة يخرج الإيرانيون ليطالبوه بتسديد تكلفة ديونه لهم كثمن للدفاع عن بقائه، وتارة أخرى، تبرم روسيا صفقة مع إسرائيل وهو آخر من يعلم.

 

أشار النظام السوري إلى عدم معرفته بتسليم رفات الجندي الإسرائيلي، وهذه أبرز الدلائل على انعدام جدوى وجوده، وفقدانه لأي قرار أو رأي أو تأثير

هناك صفقة معينة قد حصلت بين الروس والإسرائيليين وبشار الأسد، تنطلق من الهدايا المرسلة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتأتي بعد القرار حول الجولان

بمجريات الأحداث، هذا إذا ما كان صادقاً، إما بحال كان كاذباً، فيعني أنه متآمر لا يزال يتاجر بتراب سوريا وشعبها لقاء بقائه، ويقدّم فروض الطاعة والهدايا المجانية متنازلاً عن أي مفهوم يتعلّق بالدولة لصالح الاحتفاظ بكرسي لم يعد له أي رمزية أو أهمية، كرسي له أربعة أرجل، إحداها مكسورة وهي الخاصة بالنظام، والثلاث الأخرى واحدة للروسي وأخرى للإيراني وثالثة للإسرائيلي.

 

بالتأكيد أن هناك صفقة معينة قد حصلت بين الروس والإسرائيليين وبشار الأسد، تنطلق من الهدايا المرسلة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتأتي بعد القرار حول الجولان. تنطلق الصفقة من فكرة أساسية، تتمثل بنقطة تقاطع لدى مختلف القوى، من الروسي إلى الإيراني والإسرائيلي، وهي بقاء الأسد. قدّم الاسد من خلال تسليم الرفات أوراق اعتماده للإسرائيليين، ويقول لهم بأنه الطرف الأوثق في علاقته معهم، من حماية حدودهم، إلى التنازل عن مناطق واسعة منها. وبحسب المعلومات المتعلقة بصفقة الرفات، فإن أربعة ضباط إسرائيليين دخلوا إلى مخيم اليرموك بالتنسيق مع الروس ورعايتهم، وهم الذين عملوا على تفحّص رفات الجندي الإسرائيلي، وتم إجراء فحوص الحمض النووي لهم وبعد التأكد منهم جرى نقلهم إلى روسيا، ومن روسيا تم تسليمهم لنتنياهو، خلال زيارته. وهذا الكلام يتأكد من خلال الموقف الذي أطلقه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي فور الإعلان عن الخبر، حين قال إن عملية استعادة الرفات حصلت بعد عملية استخبارية دقيقة قامت بها الأجهزة الإسرائيلية. وأكثر من ذلك، تؤكد المعلومات أن عمليات البحث والتمحيص، حصلت لثلاث جثث أخرى من المفترض أن يتم تسليمها في مرحلة لاحقة. لحظة تسليمها ستؤكد أن الصفقة اكتملت، وليس التأخير في إنجاز ذلك إلا انتظار لترتيب بعض النقاط.

 

وبما أن روسيا هي التي ترعى كل هذه التنازلات المقدّمة من قبل الأسد، فإن الأنظار تبقى شاخصة نحو إيران، التي تتعرض لأقسى حملة من العقوبات الأميركية عليها، وآخرها تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، وهنا يبقى السؤال حول موقع ودور الإيرانيين من هذه الصفقة. الأكيد أن إيران، تريد الدخول إلى هذه الصفقة، وهي تمتلك أوراق عديدة تخوّلها الدخول إلى هذا البازار. تنتظر إيران اللحظة المناسبة للدخول إلى هذا البازار، ومن الواضح من خلال مواقف المسؤولين الإيرانيين ردّاً على العقوبات على الحرس الثوري، بأن ليس هناك حماسة إيرانية للتصعيد، بل محاولة لاستدراج عروض، بمعزل عن كل اللهجة التصعيدية التي يتحدّث بها الإيرانيون.

 

تعرف طهران أن واشنطن لن تقدم على أي خطوة عسكرية تجاهها، وليس لدى الإيراني مصلحة في الدخول بمواجهة مع الأميركيين، على الرغم من كل التصعيد القائم. حتى العقوبات على الحرس الثوري الإيراني، لن تؤدي إلى حرب بحسب تقديرات الإيرانيين، إنما ستبقى في الإطار الإعلامي، أو حرب على حافة الهاوية. وقبل أيام من العقوبات على الحرس، كان هناك

راهن النظام السوري على نظرية تحالف الأقليات، للحفاظ على وجوده وبقائه، تجليات هذه السياسة برزت خلال الأربعين سنة سلاماً في الجولان

موقف لوزير الخارجية العماني، المعروف بتقاربه مع إيران وإسرائيل في آن معاً، الموقف لافت لجهة الحديث عن أهمية توفير السلام لإسرائيل، ما يعني ذلك من استعداد عمان للعب دور جديد  في المفاوضات الإيرانية الإسرائيلية أو الإيرانية الأميركية في المرحلة المقبلة، وتخفيف حدّة التوتر.

 

لطالما راهن النظام السوري على نظرية تحالف الأقليات، للحفاظ على وجوده وبقائه، تجليات هذه السياسة برزت خلال الأربعين سنة سلاماً في الجولان، وتنازل عنه لصالح الإسرائيليين مقابل أن يبقى النظام، ربما حان الوقت بالنسبة إلى النظام وحلفائه لإعادة إحياء العمل وفق هذا المفهوم، والذي جسّده النظام السوري من خلال عمليات التهجير المنظمة للمناطق والمدن السورية، واستكمله بالقانون رقم عشرة، والذي سيمنع بموجبه عودة السكان الأصليين إلى أراضيهم، هذه النظرية الجهنمية لدى النظام تلاقي قبولاً إسرائيلياً وتجسد حلماً لطالما سعى الإسرائيليون إلى تحقيقه، بينما الغاية الأساسية اليوم تتجلى في كيفية ضمّ الإيراني إلى هذا التفاهم الضمني. على قاعدة التقاء مصالح إقليمية ودولية على ضرب "العرب" أو "الأكثرية السنية" سياسياً وبشرياً وعسكرياً، وهنا لا بد من العودة إلى الأساس الذي انطلق منه النظام لوأد الثورة الوطنية، وسعيه المستمر لتطييفها ومذهبتها وتطريفها لوسمها بالإرهاب، ولطالما لعب مع الإيرانيين على وتر أنهم شركاء للغرب في مكافحة الإرهاب.

شارك برأيك