بالروح بالدم أفديك أردوغان.. سيادة تحت الاحتلال

2019.10.26 | 16:36 دمشق

photo_2019-10-22_11-35-46.jpg
+A
حجم الخط
-A

المشهد الأول:

المكان: بلدة الهبيط.

خارجي نهاري غائم: بيوت ريفية مدمرة، حيطان قائمة لكنها متصدعة، بيت في خلفية الصورة- كأنه مدرسة- متضعضع قد تعرت بعض أسلاكه دون أن تتكسر، كأن برميلاً هبط قريباً منه لا عليه مباشرة؛ فتهالك ولم يمت، خلف البيت المرهق، بانحراف قليل إلى اليسار، تظهر مئذنة ثكلى صامتة، وخلفها عند خط الأفق بلدة تحولت إلى ركام.

ليس في عين الكاميرا مدني واحد. ترتد الكاميرا في لقطة مقربة إلى باحة البيت المرهق الذي كأنه كان مدرسة، فصار إلى ما يشبه معسكراً، ترصد في ساحته جنوداً بلا أسلحة، يقفون مع تعبهم ككومبارس في مشهد تمثيلي، تتوقف سيارة يترجل منها شخص يتقنع بلباس مدني.

هكذا ظهر بشار الأسد في بلدة "الهبيط" التابعة إلى ناحية "خان شيخون" في منطقة "معرة النعمان" من محافظة "إدلب" التي لم تستجب لانتصارات ابن أبيه بعد؛ لذلك فقد استعرض انتصاراته أمام بضعة عشرات من عساكر أفراد وعساكر صف ضباط مقيدين بصمت ثقيل ساكن وبحيرة كثيفة لزجة وبكلام راكد في العيون، إضافة إلى عساكر ضباط في موقع عسكري قد حضّر على عجل. ومع ذلك، ورغم الإخراج التجميلي، ورغم التصوير الذي اختيرت زواياه، ورغم كل التفاصيل الزائفة التي أقحمت عمداً من أجل هذه الزيارة، فإن الزيارة قد بدت مسرحية سخيفة لا يمكن احتمالها، ولا استساغتها، بالرغم من جهد مخرجيها.

لماذا يحرص بشار بن الأسد كل هذا الحرص على الظهور في المناطق السورية المدمرة، التي قد قتل أهلها وهجرهم؟

لكن، لماذا اختار بشار الأسد زيارة "الهبيط"؟ ولماذا الآن؟ ولماذا لم يزر الشمال السوري الذي تتوغل القوات التركية فيه؟ ولماذا يحرص بشار بن الأسد كل هذا الحرص على الظهور في المناطق السورية المدمرة، التي قد قتل أهلها وهجرهم؟ ولماذا يصر دائماً كل هذا الإصرار على لعب دور المنتصر في مواقع سقوط براميله تماماً؟ ولماذا يصر بكل هذي القباحة على إطلاق النكات في مواقع صناعته للخراب؟ ولماذا لا يستحسن الضحك إلا بجوار الفاجع المفجوع الذي يصرخ بالفداحات التي يعانيها السوريون، وبالمأساة التي ترزح تحتها سوريا ويعيشها السوريون؟؟!!.

بشار بن أبيه يزور "الهبيط" محاولا تأكيد انتصاره المهزلة، وسيادته الزائفة، تماماً في الوقت الذي تضع فيه روسيا وتركيا تفاصيل اتفاقهما حول الشمال السوري، وتماماً في الوقت الذي فيه يرسمان الجغرافيا السورية كيفما يريدان، وتماماً أيضاً في الوقت الذي تتداول الدول من أجل وضع الشمال السوري تحت إدارة دولية؛ حتى لا يخرج أحد من عرس الشراهة بلا قرص. قد كان يصح تفسير ذلك على أنه شكل ما من أشكال التعويض، لو أن سيادته أظهر أدنى حرص غير حرصه على الكرسي؛ ولذلك فإنه لا يقتصر على ارتداء القناع، إنما يتوسل أن يخفي خلفه أطرافاً دولية عديدة تتواطأ على الجغرافيا السورية، وعلى الديموغرافيا السورية؛ لأن مصلحتها تستدعي ذلك، فهل تستدعي مصلحته أن تكون الأراضي السورية مائعة، تتقلص وتنكمش كيفما يشاء لها الآخرون!! أو كيفما يتوهم أنه يشاء، كأن سوريا ليست محددة بحدود مقرّة ومعترف بها دولياً، وكأن أصحابها السوريين ليسوا هؤلاء وأولئك الذين سكنوا سوريا، ويسكنونها، ويحملون جنسيتها ... أليست سوريا- والحالة هذه- بالنسبة إليه، هي ما يقع تحت سيطرته فقط، حتى لو تضاءلت مساحتها إلى عشر عشرها، واستناداً إلى هذا: أليس السوريون، بالنسبة إليه أيضاً، هم من يصفقون له فقط، حتى إن لم يبق منهم سوى بضعة مئات؟

ثم، إن الحديث الذي تلاه السيد الرئيس ابن أبيه على العدد القليل من الجنود المختارين بدقة، والمجردين من أسلحتهم بدقة، مع أنهم يقفون على خط المواجهة، لا بد أن يدفع السوري- أي سوري- إلى إحساس بالغ بالمهانة؛ لأن في هذي البلاد المحتلة من جيوش لا عدَّ لها ولا حصر، هذه البلاد التي أصبح مصيرها بيد الآخرين، يتصرفون به دون مداراة ولا حرج، يقف من يزعم أنه رئيسها فوق ركام بلدة من بلداتها، كان قد هجر أهلها بقوة السلاح؛ ليتحدث عن انتصاراته التي تتوالى منذ تسع سنوات!! وليشمت بقوات سوريا الديمقراطية التي لم تصمد أمام القوات التركية!! كأنه يقول: لو تحالفت معنا- يا قوات سوريا الديمقراطية- لما هزمك الأتراك... هذا، مع أنه يعرف تماماً: أنه أعجز من حماية بيته في دمشق لو لم يكن محمياً من الآخرين، والأدهى أنه يشتم أردوغان، ويتهمه بسرقة المصانع والثروات والأرض السورية، كأن الحديث يتم عن بلاد أخرى، وكأن لا علاقة له، وكأنه ليس مسؤولاً عن حماية الأرض والثروات والبشر في هذه الجغرافيا. لكن، وعلى الرغم من كل هذه المسرحية الركيكة المخجلة، فإن ثمة رسائل عديدة أراد الروس إيصالها من هذه الزيارة، قد تكون أهمها: إن الاتفاق الروسي التركي بخصوص الجزيرة السورية، قد بدأت مراحل تكريسه على الأرض، اتفاق يكرس الوجود التركي - أو بعبارة أخرى يتم تجاهلها عمداً، أقصد: السيطرة التركية - على مساحة من الأرض السورية.

الثانية- إن إدلب قد تم الاتفاق على مصيرها، وهي قد كانت البند الذي لم يعلن عنه رسمياً ضمن صفقة الشمال السوري، وإن زيارة بشار الأسد، هي للقول: إن إدلب ستسلم للنظام؛ ولهذا أيدت إيران هذا الاتفاق.

والثالثة أن الأوربيين الذين يتلقون الصفعات الواحدة بعد الأخرى في الحدث السوري، لن يستطيعوا فعل أي شيء، مادام الاتفاق الأميركي الروسي التركي لم يأخذ مصالحهم بعين الاعتبار، وبالتالي فلن يكون بمقدورهم فعل أي شيء، خصوصاً بعد أن أدار ترمب ظهره لكل الأعراف والاتفاقات التي تراعي حلفاءه ومصالحهم، ومضى غير آبه إلا بمصالح أميركا كما يفهمها هو.

لكن الرسالة الأهم التي قالها -ويقولها- الجميع لجميع السوريين، والتي وجهت في آخر نسخة منها إلى ما سمي تدليساً "قوات سوريا الديمقراطية"، قد نصت بوضوح على أن: ما من جهة أو طرف ممن يسمون اعتباطاً واجهة للسوريين يمكنه أن يكون الآن أكثر من أداة لآخرين يصولون، ويجولون، ويتفقون، ويتفاوضون، وأن هذه الواجهات تباع واحدة تلو الآخر ما إن يحين وقت بيع أي منها: اليوم قسد، وقبلها فصائل درعا والغوطة... وغداً فصائل إدلب، وبعدها هيئة التفاوض واللجنة الدستورية ورأس بشار الأسد... إلخ.

في زيارته للهبيط ظهر بشار الأسد مثل متسول منحه أحدهم صدقة لم يكن يتوقعها، فصدم بالفرحة... ولولا أن المخرج ألزمه بالنص لكان هتف مع من هتفوا له لكن بجملة أخرى:

•           بالروح بالدم أفديك يا بوتين.

•           بالروح بالدم أفديك أردوغان.